وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤٦].
هذا خطابٌ من الله خاصٌ ببني إسرائيل بعد الخطاب العام لجميع الناس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ …﴾ إلى آخر قصة آدم وإبليس. وإسرائيلُ: هو نبيُّ الله يعقوب بن إسحاق ﵉، وفي ذِكْر نَسبِهم إلى إسرائيلَ تنويهٌ بفضله وتحريضٌ لبَنِيه على الاستجابة لدعوة الرسول ﷺ؛ كما يقال: يا بني العبد الصالح، اقتدوا بأبيكم، واستقيموا (^١).
والمقصودون بهذا الخطاب أهلُ الكتاب من اليهود والنصارى فإنهم بنو إسرائيل، واليهودُ أخصُّ بذلك؛ لأنهم الموجودون حولَ المدينة في عهد النبي ﷺ، والمقصود: تذكيرُهم بأسلافهم، وما جرى لهم أو عليهم من النِّعم والابتلاءات، وما جرى منهم من المخالفات في عهد موسى رسول الله إليهم وبعده، وامتنانٌ على المخاطَبين، ودعوةٌ لهم إلى شكر لله والإيمانِ بهذا الرسول، وتحذيرٌ لهم من الإصرار على التكبُّر والعصيان.
ثم أمر اللهُ بني إسرائيل أن يؤمنوا بما أنزلَ اللهُ على محمَّدٍ ﷺ وهو القرآنُ، وهو مُصدِّقٌ لِمَا معهم من التوراة والإنجيل؛ أي: شاهدٌ بصدقهما، وينهاهم تعالى عن المبادرة إلى الكفر به، وذلك قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
_________________
(١) ينظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٢٤١).
[ ١٠٦ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: هذا نهيٌ من الله لأحبار اليهود أن يؤثروا الدنيا على الآخرة، فيستبدلوا بآيات الله التي عندهم ثمنًا؛ أي: عرضًا من الدنيا قليلًا يُعطَونه ليُحرِّفوا أو يكتموا آياتِ الله التي فيها الخبرُ عن الرسول ﷺ وَصِفَتُه، ثم أكَّد الأمرَ بالخوف منه فقال: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾.
وقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾: هذه الجملةُ إعرابُها كالتي قبلها ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾، وهذا أمرٌ من الله لأَحبار اليهود أن يتَّقوه فلا يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، والتقوى: هي امتثالُ الأوامر والنواهي خوفًا من الله تعالى، ولهذا قال المؤلِّف: - تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ -: (خَافُونِ فِي ذَلِكَ دون غيري).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾: اللَّبس: خلطُ الشيء بالشيء حتى لا يتميَّزْ أحدُهما من الآخر (^١)، والآية نهيٌ لليهود عن خلط الحقِّ المنزَّل عليهم بالباطل الذي افتروه من تشريعاتٍ وتحريفاتٍ، ولذا قال المؤلِّف في تفسير كلمات الآية: في معنى ﴿تَلْبِسُوا﴾: تخلطوا، ﴿الْحَقَّ﴾: الذي أنزلتُ عليكم، ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: الذي تفترونه.
وقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾: الواو: قيل عاطفة؛ فالتقدير: ولا تكتموا الحقَّ؛ فتفيد الآية النهيَ عن كلٍّ من الأمرين على انفراد: اللبس والكتمان، ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ مجزومٌ بلا الناهية، وقيل: الواو واو المعيَّة، والفعلُ منصوبٌ بأنْ بعدها، فتفيدُ الآية على هذا الإعراب: النهيَ عن الجمع بين الأمرين - اللبس والكتمان -، وهذا اختلافٌ في الإعراب ودلالةِ الكلام (^٢)، وأمَّا الحكمُ فمعلومٌ أنَّ كلًّا من اللبس والكتمان حرامٌ مجتمعَين أو منفردَين،
_________________
(١) ينظر: «المفردات» للراغب (ص ٧٧٥)، و«التبيان في تفسير غريب القرآن» لابن الهائم (ص ٧١).
(٢) الوجه الأول هو قول ابن عباس، والوجه الثاني هو قول أبي العالية ومجاهد. ينظر: «معاني القرآن» للفراء (١/ ٣٣)، و«تفسير الطبري» (١/ ٦٠٧ - ٦٠٩).
[ ١٠٧ ]
والجمعُ بينهما أقبحُ، والحقُّ الذي نُهوا عن كتمانه: ما عندهم من الخبر عن بعثة النبيِّ ﷺ وصفتِه، وما يجب عليهم من الإيمان به واتِّباعه (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾: هذا أمرٌ من الله لأهل الكتاب بالدخول في الإسلام، وإقامةِ الصلاة المكتوبة، وإيتاءِ الزكاة المفروضة في شريعة محمَّدٍ ﷺ، والركوعِ مع الراكعين النبي ﷺ وأصحابه، وهذا كأمرِ المشركين بالعبادة والصلاة إيمانًا بالله ورسوله، وعملًا بشريعته؛ قال تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ [المرسلات: ٤٨].
وما أُمِر به أهلُ الكتاب في هذه الآية من إقام الصلاة وإيتاءِ الزكاة مُتابعةً للرسول ﷺ هو نظيرُ ما أُخذ عليهم من الميثاق أن يقيموا الصلاةَ ويؤتوا الزكاةَ المفروضة عليهم في شريعتهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ..﴾ إلى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.
ثم وبَّخَ اللهُ بني إسرائيل - وهم: اليهود - على أَمْرهم الناسَ بالبرِّ - وهو: العمل الصالح - وترك المعاصي، وتركهم أنفسَهم فلا يفعلون ما أَمروا به غيرَهم، ولا يتركون ما نُهوا عنه، وهذا معنى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، يفعلون ذلك على عِلم، ولذا قال سبحانه: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة، ومعلومٌ أنَّ أَمْرَ الإنسانِ غيرَه بما ينفعه، وتركَه نفسَه جهلٌ وسَفَهٌ، ولذا قال تعالى منكرًا على الذين سلكوا هذا المسلك: ﴿فَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾، فَعُلم من هذه الآية أنَّ مَنْ يأمرُ بالمعروف وينهى عن المنكر رياءً، وهو في نفسه في السرِّ يُخالفُ ما يُظهره مذمومٌ ومُستحقٌّ للوعيد المذكور في حديث أسامة في الصحيحين في شأن الرجل الذي يُلقى في النار فتندلقُ أقتابه … الحديث (^٢).
_________________
(١) وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي وجماعة. ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٦٠٩ - ٦١١)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ٩٨ - ٩٩).
(٢) رواه البخاري (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩).
[ ١٠٨ ]
أمَّا مَنْ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر صادقًا ولكنه مُقصِّرٌ في نفسه؛ فهو مأجورٌ على قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى جهاده لنفسه، وليس هو من أهل هذه الآية، ولا حديثِ أسامة، ويغلطُ بعض الناس في فهم هذه الآية فيظنُّ أنَّ مَنْ كان مقصرًا في طاعة الله ورسوله لا يجوز له أن يأمرَ غيرَه وينهاه، وهذا يُحقِّقُ للشيطان غرضًا؛ وهو تركُ أكثر الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنَّ التقصير فيما يجب من طاعة الله وترك معصيته هو الغالبُ على الناس؛ فالواجبُ على المسلم أن يجاهدَ نفسَه ليقومَ بما يجب عليه، ويجاهدَ غيرَه بالأمر والنهي، فكلٌّ من الجهادين واجبٌ لا يُترَكُ أحدُهما للتقصير في الآخر (^١).
ثم أمرَ اللهُ بالصبر والصلاة فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، والمخاطَبُ بهذا هم بنو إسرائيل على ما اختاره ابنُ جرير (^٢)، وذهب ابنُ كثير إلى أنه أمرٌ عام لم يُقصَد به أهلُ الكتاب خاصَّةً (^٣)، وكلٌّ من القولين له وجهٌ، فقول ابن جرير هو المناسبُ لسياق الكلام؛ لأنَّ قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ معطوف على ما تقدَّم من الأوامر والنواهي من قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾. وما قاله ابنُ كثير هو: ما يقتضيه المعنى؛ فقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ عامٌّ من حيث المعنى، خاصٌّ من حيث اللفظ، وهكذا القول في كلِّ الأوامر والنواهي المتقدِّمة؛ الأصلُ أنها خطابٌ لبني إسرائيل، ولكنَّ حُكمَها ومعناها عامٌّ، فنحن أمَّة محمَّدٍ ﷺ مُكلَّفون بما في هذه الآيات من الأوامر والنواهي، فعلينا امتثالها طاعةً لله وعملًا بوصاياه (^٤).
وقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾: أمرٌ من الله بالاستعانة على كلِّ الأمور المهمة بالصبر والصلاة، وهي الصلواتُ الخمسُ، أو الصلاةُ مُطلقًا فتشملُ نوافلَ
_________________
(١) ينظر: «لطائف المعارف» (ص ٥٧ - ٥٩)، و«غذاء الألباب» (١/ ٢١٥ - ٢١٩).
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٦٢٣).
(٣) ينظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٢٥٣).
(٤) ينظر: «أسباب النزول» (ص ٢٤)، و«التفسير البسيط» كلاهما للواحدي (٢/ ٤٥٧).
[ ١٠٩ ]
الصلاة، ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاة، ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: شاقةٌ (^١)، ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ أي: الساكنين الخاضعين لربهم، وللمفسرين من السلف في تفسير الخاشعين عباراتٌ مختلفةٌ في اللفظ مُتَّفقةٌ في المعنى؛ كقول بعضهم: «المتواضعين» (^٢)، وقول بعضهم: «الخاضعين» (^٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾: معنى ﴿يَظُنُّونَ﴾: يعلمون ويُوقنون كما قال المؤلِّف، والظنُّ يأتي بمعنى العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة: ٢٠]، ويأتي بمعنى الشك (^٤)، واعتبر ذلك ابنُ جرير من قَبيل المشترك اللفظي، فالعربُ تُطلِقُ الظنَّ على اليقين والشك، كما تُطلِق على الظلمة: سدفة، وعلى الضياء: سدفة (^٥).
وقوله: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: يعني يوم القيامة إذا بُعثوا. وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ أي: ويعلمون أنهم إلى ربهم راجعون، فَيُنبئهم بأعمالهم، ويجزيهم عليها.
﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ أولاد يعقوب ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ﴾ أي: على آبائكم من الإنجاء من فرعونَ، وفلقِ البحرِ، وتظليلِ الغمامِ، وغير ذلك؛ بأن تشكروها بطاعتي ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمَّدٍ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ خافون في ترك الوفاء به دون غيري
_________________
(١) ينظر: «المفردات» للراغب (ص ٦٩٦)، و«نزهة الأعين النواظر» (ص ٥٢٠).
(٢) قاله مقاتل بن حيان كما أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (١/ ١٠٣ رقم ٤٩٢).
(٣) قاله الضحاك. ينظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٢٥٣). وقال الطبري (١/ ٦٢٢ - ٦٢٣): «الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده»، وقال: «وأصل الخشوع: التواضع والتذلل والاستكانة».
(٤) ينظر: «نزهة الأعين النواظر» (ص ٤٢٥).
(٥) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٦٢٣ - ٦٢٤).
[ ١١٠ ]
﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ من القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوَّة ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّل كَافِرٍ بِهِ﴾ من أهل الكتاب لأنَّ [مَنْ] (^١) خَلفَكم تَبَعٌ لكم فإثمُهم عليكم ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ تستبدلوا ﴿بِآيَاتِي﴾ التي في كتابكم من نعت محمَّدٍ ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عوضًا يسيرًا من الدنيا؛ أي: لا تكتموها خوفَ فوات ما تَأخذونه من سَفَلتِكم ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ خافون في ذلك دون غيري. ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾ تخلِطوا ﴿الْحَقَّ﴾ الذي أَنزلتُ عليكم ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الذي تَفترونه (^٢) ﴿وَ﴾ لَا ﴿تَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ نعت محمَّدٍ ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه الحق ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ صلُّوا مع المصلِّين محمَّدٍ وأصحابه. ونزل فِي علمائهم وكانوا يقولون لأَقربائهم المسلمين: اثبتوا على دين محمَّدٍ فإنه حقٌّ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ بالإِيمان بمحمَّدٍ ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تتركونها فلا تأمرونها به ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ التوراةَ، وفيها الوعيدُ على مخالفة القول العملَ ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ سُوءَ فِعلكم فترجعون؟ فجملةُ النسيان محلُّ الاستفهام الإنكاري. ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ اطلبوا المعونةَ على أموركم ﴿بِالصَّبْرِ﴾ الحبس للنفس على ما تكره ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ أفردها بالذكر تعظيمًا لشأنها، وفي الحديث: «كَانَ ﷺ إذا حَزَبَهُ أَمْرٌ بَادَرَ إِلَى الصَّلَاة» (^٣). وقيل:
_________________
(١) زيادة من شيخنا، قال: لا يستقيم المعنى إلا بها، ولم نجدها في نسخ الجلالين المطبوعة.
(٢) كذا في طبعة دار السلام، وابن كثير وحاشية الصاوي وحاشية الجمل، وهي التي رجحها شيخنا، وفي نسخة قباوة: (تغيرونه).
(٣) أخرجه أحمد (٢٣٢٩٩)، وأبو داود (١٣١٩)، كلاهما من طريق يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة، عن حذيفة، قال: «كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر، صلى». وهذا إسناد رجاله ثقات غير محمد بن عبد الله الدؤلي وشيخه عبد العزيز بن أخي حذيفة، فهما مجهولان. أما محمد بن عبد الله الدؤلي؛ فقد قال الذهبي في «الميزان» (٧٧٤٧): «ما أعلم روى عنه غير عكرمة بن عمار»، وقال الحافظ في «التقريب» (٦٠٤٢): «مقبول»، أي حيث يتابع وإلا فهو لين؛ بحسب اصطلاحه. وأما عبد العزيز بن أخي حذيفة؛ فقد روى عنه حميد بن زياد اليمامي، وذكره ابن حبان والعجلي في ثقاتهما. ينظر: على التوالي (٤١٦١)، و(١٠١٩). والحديث حسنه الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٧٢)، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» (١١٩٢).
[ ١١١ ]
الخطابُ لليهود لَمَّا عاقَهم عن الإيمان الشَّرهُ وحُبُّ الرياسة فأُمروا بالصبرِ وهو الصوم؛ لأنهُ يكسرُ الشهوةَ، والصلاةَ؛ لأنها تُورثُ الخشوعَ وتنفي الكِبْرَ ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاةُ ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ ثقيلةٌ ﴿إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الساكنين إلى الطاعة ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ يوقنون ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ بالبعث ﴿وَأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فِي الْآخرة فيجازيهم.
وقولُ المؤلِّف: (أولاد يعقوب): في هذا بيانُ المراد بإسرائيل أنه نبيُّ اللهِ يعقوب، ومعنى إسرائيل: عبد الله (^١)؛ كإسماعيل وجبرائيل.
وقولُه: (أي: على آبائكم من الإنجاء من فرعونَ، وفلقِ البحرِ، وتظليلِ الغمامِ، وغير ذلك؛ بأن تشكروها بطاعتي): لأنَّ الإنعامَ على الآباء إنعامٌ على الذريَّة؛ كما قال تعالى عن العبد الشاكر (^٢) في دعائه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥]، وأخبر عن نبي الله سليمانَ بمثل ذلك؛ لذلك أمر اللهُ بني إسرائيل أن يذكروا ما أنعم الله به على آبائهم ممَّا قصَّه تعالى في هذه الآيات التالية، ومن نِعم الله على بني إسرائيل ما ذَكَّر به موسى قومَه إذ قال: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢٠].
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٥٩٣).
(٢) قيل: هو أبو بكر الصديق، وروي ذلك عن ابن عباس وجماعة، وقيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقيل: هي عام في جنس الإنسان. ينظر: «تفسير الطبري» (٢١/ ١٤١)، و«زاد المسير» (٤/ ١٠٧).
[ ١١٢ ]
وقولُه: (الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمَّدٍ)، وقولُه: (الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة): العهدُ اسمُ مصدرٍ مُضاف إلى مفعوله في الجملتين؛ فيكون التقدير في الجملة الأولى: أوفوا بعهدي الذي أخذتُه عليكم؛ فيدخل في ذلك كلُّ ما أخذه اللهُ على بني إسرائيل من المواثيق؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ …﴾ الآية [البقرة: ٨٣]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ …﴾ الآية [آل عمران: ٨١].
والتقدير في الجملة الثانية: أوفي بعهدكم الذين عهدته إليكم؛ فيدخلُ في ذلك كلُّ ما وعدَ اللهُ به بني إسرائيل من الثواب العاجل والآجل؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٥ - ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ …﴾ الآية [المائدة: ١٢].
وقولُه: (خافون في ترك الوفاء به دون غيري): الرهبةُ: خوفٌ مع الفرار من المخوف (^١)، لكنَّ اللهَ الفرارُ منه إليه، والضمير المنصوب «إياي»: مفعولٌ به
_________________
(١) ينظر: «المفردات» (ص ٣٦٦)، قال ابن القيم: «الرهبة هي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه، وبين الرهب والهرب تناسب في اللفظ والمعنى، يجمعهما الاشتقاق الأوسط الذي هو عقد تقاليب الكلمة على معنى جامع» «مدارج السالكين» (٢/ ١٨١).
[ ١١٣ ]
مقدَّم لدلالة على القصر، ولهذا قال المؤلِّف: (دون غيري)، وقد يكون مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ يُفسِّرُه ما بعدَه، فيكون من باب الاشتغال (^١).
وقولُه: (من القرآن): بيانٌ للمراد من المنزَّل أنه القرآنُ المنزَّلُ على محمَّدٍ ﷺ، وهذا الأمر تأكيدٌ لِمَا تضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾؛ لأنَّ الإيمانَ بالرسول والقرآن ممَّا أخذَ اللهُ به الميثاقَ على بني إسرائيل.
وقولُه: (من التوراة …) إلى آخره: بيانٌ للمراد بما معهم، وأنَّ القرآن شاهدٌ للتوراة بأنها منزلة من عند الله، وبموافقتها فيما دلَّت عليه من توحيد الله وصدق رسله، وإن كان ناسخٌ لبعض ما فيها من الشرائع.
وقولُه: (من أهل الكتاب …) إلى آخره: يريد أنَّ قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ أي: من أهل الكتاب؛ لأنه قد كفر به قبل ذلك المشركون من أهل مكةَ وغيرهم، فهم أوَّل كافرٍ به مطلقًا (^٢).
وقولُه: (خوفَ فوات ما تَأخذونه من سَفَلتِكم): السفلةُ: هم لؤماءُ الناسِ وغوغاؤهم، وهم الفَسَقةُ الخبثاءُ اللؤماء (^٣).
وقولُه: (في ذلك): يريد فيما نُهوا عنه؛ في قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾.
وقولُه: (دون غيري): ينبِّه إلى ما في الآية من القَصْر؛ لتقديم المفعول: إياي.
وقولُه: (الذي أنزلتُ عليكم): أسند فعلَ الإنزالِ إلى المتكلِّم؛ لأنَّ الآية خطابٌ من الله لعلماء أهل الكتاب، وفي تفسير «الباطل» قال: الذي تفترونه.
_________________
(١) الاشتغال: أن يتقدم اسم ويتأخر عنه فعل قد عمل في ضمير ذلك الاسم أو في سببيِّه، وهو المضاف إلى ضمير الاسم السابق، فمثال المشتغل بالضمير: زيدًا ضربته، وزيدًا مررت به. ومثال المشتغل بالسببي: زيدًا ضربت غلامه. ينظر: «شرح التسهيل» (٢/ ١٣٦)، و«شرح ابن عقيل على الألفية» (٢/ ١٢٩).
(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ١٩٦)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ٢٤٣).
(٣) ينظر: «لسان العرب» (١١/ ٣٣٧).
[ ١١٤ ]
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ما كتبتموه هو الحقُّ، ولذا قال المؤلِّفُ في تفسير الحقِّ الذي كتموه: هو نعتُ محمَّدٍ ﷺ.
وفي قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: (أنه الحق)؛ أي: وأنتم تعلمون أنَّ ما كتمتموه من نعتِ محمَّدٍ ﷺ هو الحق، وجملة: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال.
وقول المؤلِّف في تفسير البر أنَّه الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ يقتضي أنَّ من علماء اليهود مَنْ يأمرُ العامَّةَ بالإيمان بالنبي ﷺ وهو لم يؤمنْ به، وهذا لا يُستَبعدُ، ولكنَّ البرَّ في الآية أعمُّ ممَّا ذكرَه المؤلِّفُ (^١).
وقوله في الكتاب أنه التوراة: صحيحٌ، ولا يحتملُ الكتابُ غيرَ التوراةِ؛ لأنَّ الخطابَ لعلماء بني إسرائيل.
وقولُه: (فترجعون): أي عن سوء فعلِكم.
وقولُه: (فجملة النسيان): يريد قولَه تعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ﴾.
وقولُه: (محل الاستفهام الإنكاري): يريد أنَّ الاستفهامَ الإنكاري في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يتعلَّقُ بقوله سبحانه عنهم: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسكُمْ﴾ لا بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾، فالأمرُ بالبرِّ خيرٌ وفعلٌ لواجبٍ كما تقدَّم بيانُه.
وقولُه: (اطلبوا المعونة على أموركم): هذا تفسير قوله: ﴿اسْتَعِينُوا﴾؛ لأنَّ السين والتاء تدلان على الطلب؛ مثل: استغفروا؛ أي: اطلبوا المغفرة.
وقولُه: (الحبس للنفس على ما تكره): تفسيرٌ للصبر، وهو يشملُ أنواعَ الصبر الثلاثة:
_________________
(١) وهو قول السدي وقتادة وابن جريج، واختاره: الطبري وابن كثير. ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٦١٣ - ٦١٦)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ٢٤٦).
[ ١١٥ ]
- الصبرُ على المصائب.
- والصبرُ عن المعاصي.
- والصبرُ على طاعة الله.
- وقد فسَّرَ بعضُ السَّلفِ الصبرَ في هذه الآية بالصوم (^١).
وقولُه: (أفردها بالذكر): أي الصلاة، يريد: خصَّها بالذكر من بين الفرائض والعبادات؛ إظهارًا لفضلها.
وقولُه: (وفي الحديث …) إلى آخره: رواه أبو داود وأحمد وابن جرير، ومعنى: «حزبه أمر» أي: نزل به أمرٌ مهم (^٢).
وقولُه: (وقيل: الخطابُ لليهود …) إلى آخره: هذا يوافقُ اختيارَ ابن جرير كما سبق.
* * *
_________________
(١) روي ذلك عن مجاهد كما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٠٢، رقم ٤٨٠).
(٢) ينظر: «النهاية» (١/ ٣٧٧).
[ ١١٦ ]