وقولُه: (أي: هو موصوفٌ بذلك دائمًا): يريد أنَّ إضافةَ الملك ليوم الدين يحتملُ أنه ليس للتقييد والتخصيص بل ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ اسمٌ لله وصفةٌ له دائمًا، وعلى هذا فيكون الاسمُ معرفةً بالعلمية، وعلى الأول يكون: معرفةً بالإضافة، فيصحُّ أن يكون صفةً للمعرفة على التقديرين، ولهذا قال المؤلِّف: (فصحَّ وقوعُه صفةً للمعرفة)، لكنْ عبارتُه توهم أنه لا يصحُّ وقوعُه صفةً للمعرفة إلَّا على التقدير الثاني.
ومضمونُ هذه الآية تمجيدُ الربِّ بوصفه بالمَلِك في يوم الدِّين على قراءة الجمهور، وبمالك يومِ الدِّين على القراءة الأخرى، وفي الحديث القدسي: «وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال الله: مجَّدني عبدي».
* * *
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ أي: نخصُّكَ بالعبادة من توحيدٍ وغيره، ونطلبُ منك المعونةَ على العبادة وغيرِها.
قولُه: (نخصُّكَ بالعبادة): معناه: لا نعبدُ إلَّا إياك، وهذا قصرٌ أفادَه تقديمُ المعمولِ وهو الضميرُ المنفصل المنصوب «إياك»، فتضمَّنت الآية توحيدَ العبادة.
وقولُه: (ونطلبُ منك المعونةَ على العبادة وغيرِها): كان الأولى أن يقول: ونخصُّك بطلب المعونةِ على العبادة وغيرها فلا نستعينُ غيرك؛ لأنَّ قولَه تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يفيدُ القصرَ؛ كالجملة التي قبلها، فدلَّت الآية على توحيده سبحانه بالعبادة وبالاستعانة، فتضمَّنت الآية توحيدَ الإلهية في الجملة الأولى، وتوحيد الربوبية في الجملة الثانية، فكما لا معبودَ بحقٍّ إلَّا الله؛
[ ٢٥ ]
فلا مُستعانَ على الأمور كلِّها إلَّا الله، وتقديمُ العبادة على الاستعانة؛ قيل: هو من تقديم الغايةِ على الوسيلة (^١).
والعبادةُ هي: كمالُ المحبةِ مع كمال الذلِّ (^٢)، وهي: أيضًا اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبُّه اللهُ ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة (^٣).
والاستعانةُ: طلبُ العون كما يفيد ذلك: «السين والتاء»؛ كالاستعاذة والاستغفار.
ويحسنُ التنبيهُ إلى أنَّ مضمونَ الآيات الثلاث - وهو ما تدلُّ عليه من أسماء الله وصفاته - هو المقتضي لما تدلُّ عليه الآية الرابعةُ من التوحيد في العبادة والاستعانة.
وفي الآية الرابعةِ انتقالٌ من الغيبة إلى الخطاب، وهو ما يُسمَّى عند البلاغيين التفاتًا، وفي الحديث القدسي: «فإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل»، ومعنى ذلك: أنَّ العبادةَ لله والعونَ للعبد من الله.
* * *
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٨٤)، و«مدارج السالكين» (١/ ١١٧). تنبيه: في بعض كتب التفسير في هذا الموضع مخالفات عقدية، والكلام عن الاستطاعة هل هي قبل الفعل أو معه، ونحو ذلك؛ فلينتبه.
(٢) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ١٩، ٥٦، ١٥٣، ٢٥١)، و«مدارج السالكين» (١/ ١١٥ - ١١٦)، و«التدمرية وشرحها» (ص ٤٨١).
(٣) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ١٤٩)، و«شرح التدمرية» لشيخنا (ص ٤٨١).
[ ٢٦ ]