قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٦]:
يُخبِرُ تعالى أنه جعل عقوبةَ هؤلاء المعتدين باستحلال ما حرَّم اللهُ من الصيد يوم السبت بالحيلة التي ارتكبوها، وهي نصبُ الشِّباك يوم الجمعة، وأخذُ ما فيها يومَ الأحد، زاعمين أنهم لم يفعلوا ما نُهوا عنه من الصيد يوم السبت، فمسخهم اللهُ قردةً، فقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: أي جعلنا هذه العقوبة ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾؛ يعني: ما قبلها من ذنوبهم وما بعدها ممَّا يفعل بعضُ الناس كفعلهم.
وقد ذكر ابنُ جريرٍ اختلافَ المفسرين في مرجع الضمير في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾، و﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، ورجَّح أنه يعود على العقوبة، ورواه عن ابن عباس (^١)، ورجح ابن كثير أنه يعود على القرية (^٢)، ويشهدُ له قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٣٦]، وعلى هذا فما بين يديها وما خلفها: ما حولها من القرى.
والنَّكَال: التخويفُ والعقوبة (^٣).
وقوله: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾: أي تذكيرًا وتحذيرًا للمتقين الذين يخافون عذابَ الله، ويتَّقون سخطَه بفعل ما أمرهم به وتركِ ما نهاهم عنه.
﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ أي تلك العقوبة ﴿نَكَالًا﴾ عبرةً مانعةً من ارتكاب مثل ما عملوا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفهَا﴾ أي: للأمم التي في زمانها أو بعدها
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ٦٨)، (٢/ ٧٢ - ٧٣).
(٢) ينظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٣) ينظر: «غريب القرآن» للسجستاني (ص ٤٥٨).
[ ١٥٤ ]
﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ اللهَ، وخُصُّوا بالذِّكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم.
وقولُ المؤلِّف: (عبرةً مانعةً من ارتكاب مثل ما عملوا): يريد أنَّ من سمع بهذه العقوبة يعتبر نفسه بمَن حلَّتْ به هذه العقوبة بسبب معصيته؛ فيحذر أن يفعلَ فعلهم فيُصيبه ما أصابَهم. وقولُه: (أي: للأمم التي في زمانها أو بعدها): يُبين بهذا المراد: بما بيْن يديها وما خلفها؛ وهم الناسُ الذين كانوا موجودين وقتَ العقوبة والذين جاؤوا مِنْ بعدهم.
وقولُه: (وخُصُّوا بالذِّكر …) إلى آخره: يريد أنَّ هذه العقوبةَ موعظةٌ لكلِّ مَنْ سمع بها، ولكنَّ المنتفعين بذلك هم الذين يخافون اللهَ؛ فلذلك خُصُّوا بالذِّكر.
* * *
[ ١٥٥ ]