وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٦٨ - ٧١]:
هذا أوَّل أسئلتهم التعنُّتيَّة، ومضمونُه: السؤالُ عن سنِّ البقرة كما يدلُّ عليه الجواب؛ قال موسى: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ﴾؛ أي: إن ربي يقول: ﴿بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ﴾. ومضمونُ الجواب أنها ليست مُسنَّةً ولا صغيرةً، وهو معنى ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾، بل هي وسطٌ؛ وهو معنى ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، والعوانُ من البقر: هي التي ولدت بطنًا أو بطنين (^١).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا …﴾ الآية: هذا هو السؤال الثاني عن لونها وقد أجيبوا بأنها صفراء صفرة شديدة مع حسنها، وهو: معنى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾؛ يعني: تعجب الناظرين إليها.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾: هذا هو السؤالُ الثالث، ومضمونُه: السؤالُ عن صِفتها، وقد أُجيبوا بأنها ليست مُذلَّلة بالحرثِ والسقي، ولا ذاتَ ألوانٍ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾؛ أي: ليست عاملةً، وليس في جلدها لونٌ يُخالف لونَها، وهذا معنى قوله: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ (^٢).
_________________
(١) قاله مجاهد والثوري. ينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٨٧ - ٩١)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ١٧٣، رقم ٦٩٥).
(٢) ينظر: «غريب القرآن» لابن قتيبة (ص ٥٤)، و«المفردات» للراغب (ص ٨٧٢).
[ ١٥٨ ]
وقوله: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾: إظهارٌ لقبولهم الأمرَ بذبح البقرة، وقد صَدَقوا وكَذَبوا؛ فصَدَقوا بقولهم لنبي الله موسى: ﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾، وكَذَبوا في تقييد ذلك؛ بقولهم: ﴿الْآنَ﴾؛ يعنون ما أُجيبوا به في سؤالهم الثالث، وقد جاء نبيُّ الله موسى بالحقِّ في كلِّ ما أخبرهم به عن ربه.
وقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾: إخبارٌ من الله بأنهم بعدما أذعنوا بالقول امتثلوا بالفعل بأنْ ذبحوا البقرةَ التي انطبقت عليها تلك الصفاتُ المذكورةُ في الآيات.
وقوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾: أي قبل ذبحِها لم يمكن منهم قربٌ من فعل ما أُمروا به مما يدلُّ على شدَّة إعراضِهم عن الطاعة، ولكنهم لَمَّا قامت عليهم الحجَّةُ أذعنوا، وذلك في قوله: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا﴾.
فلمَّا علموا أنه عزم ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ أي: ما سنُّها؟ ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الله ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ مُسِنَّةٌ ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ صغيرة ﴿عَوَانٌ﴾ نصفٌ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ المذكورِ من السنين ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ به من ذَبْحها. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ شديدُ الصُّفرة ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ إليها بحسنها؛ أي: تُعجبهم. ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ أسائمةٌ أم عاملةٌ؟ ﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ أي: جنسَه المنعوت بما ذكر ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ لكثرتِه فلم نهتدِ إلى المقصودة ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها. وفي الحديث: «لو لم يستثنوا لَمَا بُيِّنتْ لهم آخر الأبد» (^١). ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ غيرُ مذلَّلةٍ بالعمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ تقلبها للزراعة والجملة صفةُ «ذلول» داخلةٌ في النفي ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ الأرض المهيأة للزراعة ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢/ ٩٩ - ١٠٠) عن قتادة وابن جريج مرسلًا، وبنحوه في «تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ١٤١، رقم ٧٢٢) عن أبي هريرة، به. وفيه سرور بن المغيرة وعباد بن منصور، وهما ضعيفان كما في «الميزان» (٣٠٨٣)، (٤١٤١).
[ ١٥٩ ]
من العيوب وآثارِ العمل ﴿لَا شِيَةَ﴾ لون ﴿فِيهَا﴾ غير لونها ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ نطقتَ بالبيان التامِّ. فطلبوها فوجدوها عند الفتى البارِّ بأمِّه فاشتروها بملءِ مَسْكِها ذهبًا ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لغلاء ثمنها. وفي الحديث: «لو ذبحوا أيَّ بقرةٍ كانت لأجزأتهم ولكن شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد اللهُ عليهم».
وقولُ المؤلِّف: (نصفٌ): أي وسطٌ بين الصغيرة والكبيرة.
وقولُه: (المذكور من السنين): يريد أنَّ اسمَ الإشارة راجعٌ إلى الفارض والبكر.
وقولُه: (به مِنْ ذَبْحها): الجارُ والمجرورُ الأوَّلُ متعلِّقٌ بـ ﴿تُؤْمَرُونَ﴾، والجارُ والمجرورُ الثاني بيانٌ لِمَا الموصولة في قوله: ﴿مَا تُؤْمَرُونَ﴾.
وقولُه: (أسائمةٌ أم عاملةٌ؟): بيانٌ لمضمون سؤالهم الثالث كما يدلُّ عليه الجواب.
وقولُه: (لكثرته فلم نهتدِ إلى المقصودة): يريد أنهم اعتذروا في هذه المرَّةِ عن عدم الذبح الذي أُمروا به بتشابه البقر لكثرتها، فلم تتميز البقرةُ المقصودة بما ذكر من سنِّها ولونها؛ لذلك لم يهتدوا إليها، لكنَّهم طَمِعوا أن يهتدوا، وردُّوا ذلك إلى مشيئة الله فأحسنوا. والحديثُ الذي أشار إليه المؤلِّفُ لم يثبتْ مرفوعًا، وقال ابنُ كثير: إنه غريب، وأحسنُ أحواله أن يكون موقوفًا على أبي هريرة (^١).
وقولُه: (مُذلَّلةٌ): يريد أنَّ ﴿ذَلُولٌ﴾ فعولٌ بمعنى اسم المفعول.
_________________
(١) ينظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٠٠)، ونقل ابن كثير عن الطبري (٢/ ٩٨) أثر ابن عباس، قال: «لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم». وقال: «إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس. وكذا قال عبيدة، والسدي، ومجاهد، وعكرمة، وأبو العالية، وغير واحد».
[ ١٦٠ ]
وقولُه: (والجملةُ صفةُ «ذلول» …) إلى آخره: يريد أنَّ جملةَ ﴿تُثِيرُ﴾ صفةُ ﴿ذَلُولٌ﴾، فهي في موضع رفعٍ.
وقولُه: (داخلةٌ في النفي): يعني أنها لا تعمل في حراثةِ الأرض، ولا سقي الحرث؛ أي: سانية (^١).
وقولُه: (لون ﴿فِيهَا﴾ غير لونها): يريد أنه ليس فيها لونٌ يُخالِفُ لونَ جلدها.
وقولُه: (نطقت بالبيان التام …) إلى آخره: تفسيرٌ لقوله: ﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
وقولُه: (فوجودها …) إلى آخره: يشيرُ إلى قصةٍ إسرائيليةٍ في شأن البقرة (^٢).
وقولُه: (لغلاء ثمنها): مبنيٌّ على تلك القصة، فالله أعلم.
وقولُه: (وفي الحديث …) إلى آخره: هذا طرفٌ من الحديث المتقدِّم الذي رجَّح ابنُ كثيرٍ وقفه على أبي هريرة.
* * *
_________________
(١) سانية: هي الناقة التي يُستقى عليها. ينظر: «لسان العرب» (١٤/ ٤٠٤).
(٢) أي قصة شرائهم البقرة بملءِ مَسْكِها؛ أي: جلدها ذهبًا، ذكرها بعض المفسرين. ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ١١٤)، و«تفسير البغوي» (١/ ١٠٨).
[ ١٦١ ]