وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ [البقرة: ٨١ - ٨٢]:
يُبيِّنُ تعالى في هاتين الآيتين أنَّ مصيرَ الكافرين النار خالدين فيها، ومصيرَ المؤمنين الجنة خالدين فيها.
وقوله: ﴿بَلَى﴾: ردٌّ لِمَا تزعمُه اليهود من قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. والسيئة هي الكفر. ومعنى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: أي غَلبت عليه سيئاته فلا يصلُ إليه خيرٌ من أي جانب، وبهذا استوجبوا دخول النار والخلود فيها، وأمَّا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فمصيرُهم الجنة خالدين فيها. فهذان الفريقان - فريقُ السُّعداء وفريقُ الأشقياء - نقيضان في أحوالهما وأعمالهما ومآلهما.
﴿بَلَى﴾ تمسُّكم وتَخلدون فيها ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَة﴾ شركًا ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَته﴾ بالإِفراد والجمع أي: استولت عليه وأحدقت به من كلِّ جانبٍ بأن مات مشركًا ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ رُوعي فيه معنى «من». ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقولُ المؤلِّف: (تمسُّكم، وتَخلدون فيها): يُبيِّنُ بهذا أن ﴿بَلَى﴾ تُفيد إبطالَ النفي، وإثباتَ المنفي في قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾.
وقولُه: (شركًا): تفسيرٌ للسيئة الموجبة للكفر والخلود في النار (^١).
_________________
(١) قاله ابن عباس وأبو وائل ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع. ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ١٧٨ - ١٨١)، و«تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ١٥٧).
[ ١٧٩ ]
وقولُه: (بالإفراد والجمع): يريد أنَّ خطيئةَ فيها قراءتان: خطيئة وخطيئات (^١).
وقولُه: (استولت عليه): يعني غلبت عليه، فلا يفعل خيرًا حتى مات كافرًا فاستحقَّ الخلود في النار.
وقولُه: (رُوعي فيه معنى «من»): يريد أنَّ خالدون - وهو جمع - روعي فيه معنى: «مَنْ» في قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ﴾، فإنَّ لفظَها مفردٌ ومعناها الجمع.
* * *
_________________
(١) قرأ أبو جعفر ونافع: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ﴾ بالألف على الجمع، وقرأ الباقون: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ بغير ألف على واحدة. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص ١٦٢)، و«النشر» (٢/ ٢١٨).
[ ١٨٠ ]