وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣]:
في هذه الآية عودٌ إلى خطاب اليهود؛ لتذكيرهم بنعم الله على آبائهم وما جرى منهم من المخالفات، وما حلَّ بهم من العقوبات، وفي كلِّ ما تقدَّم تُضافُ هذه الأمور إلى المخاطبين لكن في هذا الموضع أُضيف أخذُ الميثاق إلى بني إسرائيل فيشمل الأولين منهم والآخرين. وفي ذكرهم بنسبهم الذي عُرفوا به تجديدٌ لِمَا افتتح به الخطاب في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ولينبني عليه خطابهم في الآيتين التاليتين، وقد دلَّت هذه الآية على ما تضمَّنه الميثاقُ وهو ثمانيةُ أمور:
١ - أنهم لا يعبدون إلا الله.
٢ - الإحسان إلى الوالدين.
٣ - الإحسان إلى ذوي القربى.
٤ - الإحسان إلى اليتامى.
٥ - الإحسان إلى المساكين.
٦ - أن يقولوا للناس حسنًا؛ أي: قولًا حسنًا.
٧ - إقام الصلاة.
٨ - إيتاء الزكاة.
والخطاب في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ …﴾ إلى آخره، لبني إسرائيل كلهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: أي أعرضتم عن العمل بالميثاق.
[ ١٨١ ]
وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾: يدلُّ على أنهم لم يُعرضوا كلّهم بل أعرض أكثرُهم؛ فمعنى الآية: واذكروا حين أخذنا ميثاق بني إسرائيل بألا يعبدوا إلَّا الله ويحسنوا بالوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، ويقولوا للناس حسنًا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ولكنه قد تولَّى عن العمل بهذا الميثاق كثيرٌ منهم أو أكثرُهم.
والخطابُ في أول الآية وآخرها لأهل الكتاب الموجودين زمنَ النبوة، خصوصًا اليهود الذين حول المدينة. والخطاب في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ …﴾ إلى آخره: لبني إسرائيل الذين أَخذ اللهُ منهم الميثاق.
﴿وَ﴾ اذكر ﴿إذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل﴾ في التوراة وقلنا: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ بالتاء والياء ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ خبرٌ بمعنى النهي. وقُرئ ﴿لا تعبدوا﴾ ﴿وَ﴾ أحسنوا ﴿بِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا﴾ برًّا ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ القرابة عطف على الوالدين ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَقُولُوا لِلنَّاسِ﴾ قولًا ﴿حَسَنًا﴾ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد، والرفق بهم، وفي قراءةٍ بضمِّ الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة﴾ فقبلتم ذلك ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عن الوفاء به، فيه التفاتٌ عن الغيبة، والمرادُ: آباؤهم ﴿إلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه كآبائكم.
وقولُ المؤلِّف: (اذكر): جعل الخطاب للنبي ﷺ، ولعلَّ الذي أوجب له ذلك التصريحُ بذكر بني إسرائيل بالاسم الظاهر، والأظهرُ أنه خطابٌ لبني إسرائيل في عهد النبي ﷺ (^١)، يُذكرهم تعالى الميثاق الذي أخذ
_________________
(١) واختاره: الطبري، وابن عطية، وابن كثير، وابن عاشور. ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ١٨٧)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٢٦٨)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ٣١٦)، و«التحرير والتنوير» (١/ ٥٨٢).
[ ١٨٢ ]
على آبائهم؛ كقوله تعالى في آيتين من هذه السورة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. وتقدَّمَ بيانُ وجه جعل الخطاب لبني إسرائيل الموجودين زمن النبي ﷺ تذكيرًا لهم بنعم الله على آبائهم ليشكروها (^١).
وقولُه: (في التوراة …) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا أنَّ الميثاق الذي أخذه اللهُ من بني إسرائيل بما تضمَّنه من الشرائع المذكورة في هذه الآية هو مما أنزله الله في التوراة.
وقولُه: (بالتاء والياء): يُبيِّنُ أنَّ في قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ قراءتين؛ ﴿لا تعبدون﴾ و﴿لا يعبدون﴾ (^٢)، ومعناهما: واحد، وهو طلبٌ بصيغة الخبر.
وقولُه: (أحسنوا): هذا تقديرُ الفعل المحذوف المعطوف على النهي؛ المفهوم من قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَبِالْوَالِدَيْن﴾: مُتعلِّقٌ بـ «وأحسنوا».
وقولُه: (عطف على الوالدين): فيكون المعنى: وأحسنوا بذي القربى إحسانًا واليتامى والمساكين. وقولُه: (قولًا): يُبيِّنُ أنَّ ﴿حَسَنًا﴾ صفةٌ لموصوفٍ محذوف تقديره: قولًا حسنًا.
وقولُه: (من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر …) إلى آخره: بيانٌ للقول الحسن وأنه عامٌّ لكلِّ قولٍ سديد يرضاه الله تعالى.
وقولُه: (وفي قراءة …) إلى آخره: يُبيّنُ أنَّ في الكلمة قراءتين: ﴿حسنًا﴾ بفتح الحاء والسِّين، وبضمِّ الحاء وسكون السين (^٣)، وهو على هذه القراءة
_________________
(١) ينظر (ص ١٠٦)، و(ص ١٢٨).
(٢) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ: ﴿لا يَعْبُدُونَ﴾ بالياء، وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ بالتاء. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص ١٦٢)، و«النشر» (٢/ ٢١٨).
(٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر: ﴿حُسْنًا﴾ بالضم والتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿حَسَنًا﴾ بالفتح والتثقيل. ينظر: «السبعة في القراءات» (ص ١٦٢)، و«النشر» (٢/ ٢١٨).
[ ١٨٣ ]
مصدرٌ وصف به مبالغة، فإنَّ الوصفَ بالمصدر يدلُّ على كمال الصفة في الموصوف؛ كقولك: زيدٌ عدلٌ؛ أي: عادلٌ. وهذا قولٌ حُسن؛ أي: حَسَنًا.
وقولُه: (فقبلتم ذلك): يريد أنَّ كلَّ ما تقدَّم من أمرٍ أو نهيٍ داخلٌ في الميثاق، وأنَّ بني إسرائيل قبلوا ذلك؛ كما يدلُّ له قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾.
وقولُه: (أعرضتم عن الوفاء به): يُبيِّنُ أنَّ معنى ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: أعرضتم، فعُلم أنهم لم يَفوا بالميثاق.
وقولُه: (فيه التفاتٌ عن الغيبة، والمراد: آباؤهم): يريد أنَّ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ التفاتٌ؛ أي: انتقالٌ عن الخبر عن بني إسرائيل بأخذ الميثاق منهم إلى خطاب بني إسرائيل الموجودين في عهد النبي ﷺ، وهم اليهود، والمرادُ: توبيخُ الموجودين، والخبر عن أسلافهم، كما قيل في نظائر ذلك في الآيات السابقة؛ كقوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢]، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦]، ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧].
وقولُه: (عنه كآبائكم): يريد وأنتم يا معشر يهود، مُعرِضون عن موجب الميثاق كما أعرض آباؤكم من قبل، وعلى هذا فالجملةُ مُستأنفةٌ، فكأنه قيل: وأنتم مُعرضون كما أعرض أباؤكم، فتضمَّنت الآية الخبرَ عن إعراض الآباء في قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وعن إعراض الأبناء في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (^١).
* * *
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ٢٠٠)، و«معاني القرآن» الزجاج (١/ ١٦٤)، و«التحرير والتنوير» (١/ ٥٨٤).
[ ١٨٤ ]