وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾ [البقرة: ٩٢]:
يُخبر تعالى خبرًا مؤكدًا بـ «قد» والقسم بأنَّ موسى جاء بني إسرائيل بالبينات؛ وهي الآيات الواضحاتُ، وهي التسع الآيات المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء: ١٠١]، ثم إنَّ بني إسرائيل من بعد مجيء موسى بالبينات وبعد ذهابه لميقات ربه أضلَّهم السَّامريُّ فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار، فقالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ [طه: ٨٨]، فاتخذوه إلهًا وعكفوا عليه وعصوا نبيَّ الله هارون لَمَّا نهاهم، وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ [ط: ٩١]، فكانوا بذلك ظالمين أعظمَ الظلم، وهو الشرك، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾.
ونظيرُ هذه الآية قولُه تعالى في سورة النساء في عرض قبائح اليهود: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ [النساء: ١٥٣].
ونظيرهما قوله تعالى في الآيات السابقة في خطاب بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾ [البقرة: ٥١ - ٥٢].
ثم أُعيد الخبرُ عن هذا المعنى في هذه الآية توبيخًا لليهود الذين إذا قيل لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾؛ أي: ولا نؤمنُ بغيره، والخطابُ في هذه الآية والتي بعدها لليهود الموجودين زمنَ النبي ﷺ المخاطبين في الآيات السابقة من قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، وما في هذه الآية عَودٌ على خطابهم بعد الخبر عنهم بلفظ الغيبة من قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هو
[ ٢٠١ ]
من مقول القول الذي أُمر به النبي ﷺ أن يقولَه لهم في قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾، وفيه توبيخٌ وتكذيبٌ لهم في قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾.
﴿وَلَقَدْ جاءَكُم مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات؛ كالعصا واليدِ وفَلْقِ البحر ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ﴾ إلهًا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: بعد ذهابه إلى الميقات ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ باتخاذه.
وقولُ المؤلِّف: (بالمعجزات …) إلى آخره: التعبيرُ عن حُججِ الرسل بالمعجزات هو من اصطلاح المتكلِّمين، واسمها في الكتاب والسنَّة: آيات، وبينات، وبراهين (^١).
وقولُه: (إلهًا): تقديرٌ للمفعول الثاني: ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾، فإنَّ «اتخذ» ينصب مفعولين.
وقولُه: (أي: بعد ذهابه إلى الميقات): فيه بيانُ أنَّ اتخاذ بني إسرائيل العجلَ في مدة ذهاب موسى لميقات ربه، ويشهدُ لذلك الآيات من سورة «طه»؛ كقوله تعالى لموسى: ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: ٨٥ - ٨٦].
وقولُه: (باتخاذه): يُبيِّن أنَّ سبب وصفهم بالظلم اتخاذُهم العجل إلهًا، ومعلومٌ أنَّ اتخاذهم العجلَ إلهًا هو أظلم الظلم؛ لأنَّ ذلك من الشرك الأكبر.
* * *
_________________
(١) ينظر: «النبوات» (١/ ٢١٥ - ٢١٦)، و(٢/ ٧٨٢)، (٢/ ٧٨٥)، و«الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (٥/ ٤١٢ - ٤١٩).
[ ٢٠٢ ]