وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ [البقرة: ٩٣].
يُذكِّرُ تعالى في هذه الآية بني إسرائيل الموجودين زمن النبي ﷺ بما جرى لإسلافهم من أَخْذِ الميثاق ورفعِ الطور فوقهم؛ ليوفوا بعهد الله فيعملوا بما جاءهم به موسى بالألواح، ثم إنهم أصروا على العصيان، فلمَّا قيل لهم اسمعوا؛ قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، فهذه ثلاثةُ أمورٍ تُكذِّبُهم وتُبطل زعمَهم الإيمان بما أُنزل عليهم:
فأول الأمور الثلاثة: قتلهم أنبياء الله.
الثاني: اتخاذهم العجل من بعد ما جاءهم موسى بالبينات.
الثالث: قولهم لَمَّا أُمروا بالأخذ بما في التوراة قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
وهذه الأمور وإن كانت من فِعل أسلافهم فاليهود الموجودون ماضون على طريقهم راضون بأفعالهم؛ فلذا توجَّه الخطابُ لهم بالتكذيب والتوبيخ.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ المعنى: واذكروا حين أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطورَ، وقلنا لكم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾، المعنى: اقبلوا ما جاءكم به موسى من التوراة في الألواح واعملوا به، واسمعوا سماعَ استجابة وطاعة.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، أي: سمعنا بآذاننا.
وقولهم: ﴿وَعَصَيْنَا﴾، قيل: أنهم قالوا ذلك بلسان المقال، وقيل قالوا ذلك: بلسان الحال (^١)، وكلٌّ من الأمرين واقعٌ منهم، كما يدل لذلك قوله
_________________
(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦)، و«البحر المحيط» (١/ ٤٩٤)، و«التحرير والتنوير» (١/ ٦١٠).
[ ٢٠٣ ]
تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾: أي حُبب إليهم العجلُ الذي اتخذوه إلهًا، وتخلَّلَ حبُّه في قلوبهم حتى كأنَّ العجل حلَّ في قلوبهم، وهذا الوصف يختصُّ بالذين أصرُّوا على عبادة العجل ولم يتوبوا، فعوقبوا بأن أُشرب حبُّه في قلوبهم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾: هذا أمرٌ من الله لنبيِّه أن يقول لليهود الذين قالوا نؤمن بما أنزل علينا، واتبعوا أسلافَهم الذين قتلوا أنبياءَ الله واتخذوا العجل إلهًا من دون الله، أن يقول لهم: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ قتلَ الأنبياءِ واتخاذَ العجل، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾ كما تزعمون.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ على العمل بما في التوراة ﴿وَ﴾ قد ﴿رَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّورَ﴾ الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم وقلنا: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍّ واجتهادٍ ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما تؤمرون به سماعَ قبولٍ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرَك ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمِ الْعِجْلَ﴾ أي: خالط حبُّه قلوبَهم كما يُخالط الشراب ﴿بِكُفْرِهِمْ قُلْ﴾ لهم: ﴿بِئْسَمَا﴾ شيئًا ﴿يَأْمُرُكُم بِهِ إيمَانكُمْ﴾ بالتوراة: عبادة العجل ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بها كما زعمتم. المعنى: لستم بمؤمنين لأنَّ الإيمان لا يأمر بعبادة العجل، والمراد آباؤهم؛ أي: فكذلك أنتم لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمدًا، والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.
[ ٢٠٤ ]
وقولُ المؤلِّف: (على العمل بما في التوراة): يدلُّ له ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾.
وقولُه: (قد): تقديره: قد بعد الواو، يُبيِّنُ به أنَّ الواوَ واوُ الحال.
وقولُه: (الجبل …) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ رفعَ الجبل فوقهم تهديدٌ لهم ليعملوا بما في التوراة.
وقولُه: (وقلنا …) إلى آخره: يُبيِّنُ أنَّ قولَه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ مقولُ قولٍ محذوف تقديره: وقلنا لكم.
وقولُه: (بجدٍّ واجتهادٍ): تفسيرٌ لقوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾، المعنى: اعملوا بما في التوراة بعزمٍ وصدقِ رغبةٍ لا مع فتورٍ وكسلٍ.
وقولُه: (شيئًا): يُبيِّنُ بذلك أنَّ «ما» المتصلة بـ «بئس»: نكرةٌ في محلِّ نصبٍ على التمييز (^١).
وقولُه: (عبادة العجل): هذا هو المخصوصُ بالذمِّ بـ «بئس»، والإيمانُ الذي يأمرُ بذلك ليس بالإيمان الذي يرضاه الله.
وقولُه: (بها كما زعمتم …) إلى آخره: يريد أنَّ المعنى: إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون بقولكم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، فبئس ما يأمرُكم به إيمانُكم من عبادة العجل، ونسبةُ الأمر إلى الإيمان تهكُّمٌ بهم، ودِلالةٌ على أنَّ الإيمان الحقَّ لا يأمر بعبادة غير الله، فالإيمانُ الذي زعموا باطلٌ (^٢).
والخطاب من قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمَانكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، لليهود الموجودين، تذكيرًا لهم بقبائح أسلافهم، وتحذيرًا لهم من السير على طريقهم.
* * *
_________________
(١) تقدم في (ص ١٩٤).
(٢) ينظر: «الكشاف» (١/ ٢٩٨)، و«تفسير الرازي» (٣/ ٦٠٥)، و«البحر المحيط» (١/ ٤٩٦).
[ ٢٠٥ ]