وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ [البقرة: ٩٩ - ١٠٣]:
يُخبر تعالى مُمتنًا على نبيِّه بما أنزل عليه من الآيات البينات؛ وهي القرآن، وأنه مع ظهور دلالتها وقوة حجيتها لا يكفر بها إلَّا الفاسقون الخارجون عن طاعة الله، وفي هذا تعريضٌ باليهود الذين كفروا بالكتاب، فكفروا بما فيه من الآيات، ومِن فِسقهم أنهم كلَّما عاهدوا عهدًا نبذه فريقٌ منهم فلم يوفوا به، هذا وأكثرهم لا يؤمنون بما جاءهم من الآيات البينات.
ونظيرُ هذه الآية قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ [الأنفال: ٥٦]، والاستفهام في قوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ للإنكار والتوبيخ (^١). وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: شاهدٌ بصدق ما معهم من كتب الله من التوراة والإنجيل، مُقِرٌّ به.
_________________
(١) ينظر: «درج الدرر» (١/ ٢٤٢)، و«البحر المحيط» (١/ ٥١٨)، و«التحرير والتنوير» (١/ ٦٢٥).
[ ٢١٥ ]
﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أي طرح فريقٌ من الذين أُوتوا الكتاب - وهم اليهود - كتابَ الله وراء ظهورهم، وهو التوراة الناطقة بالخبر عن بعثة النبي ﷺ وبصفته فلم يعملوا بما توجبه من الإيمان بمحمد ﷺ، بل أعرضوا عنها إعراضًا تامًا؛ كإعراض من يجعل الشيءَ خلف ظهرِه لا يبالي به ولا يلتفتُ إليه، ولم يقف كفرُهم وضلالُهم عند حدِّ الإعراض عن هدى الله الذي بعث به رسولَه، بل تعوضوا عن ذلك باتباع ما تتلوا الشياطين من السحر زاعمين أنه الذي قام عليه مُلك سليمان ﵇، وقد كَذَبوا، فلم يكن نبيُّ اللهِ سليمان ساحرًا، ولكن الشياطين هم الذين يُعلِّمون الناسَ السحر، فعُلم بذلك أنَّ اليهود تعوَّضوا عن اتباع كتب الله ورسله باتِّباع الشياطين وتَعلُّمِ السحر منهم، وهذا ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: الأظهرُ أنَّ «ما» اسم موصول معطوف على السحر؛ أي: يعلمون السحر ويُعلِّمونهم ما أنزل على الْمَلكين الذين بابل (^١)؛ وهو موضعٌ معروفٌ بالعراق (^٢)، وسموا الملكين هاروت وماروت، والذي أُنزل عليهما نوعٌ من السحر، ولذا تتعلَّمُه الشياطين وتُعلِّمُه الناس، وإنزاله على الْمَلكين إنزالٌ كونيٌ بإلهامٍ أو غيره ليكون فتنة؛ أي: ابتلاء للناس.
وأَذِن اللهُ لهما بتعليمه لمن يطلب ذلك منهم، مع تحذيره وبيان أنَّ تعلُّمَه كفرٌ وأنَّ اللهَ جعلهما فتنةً فلا يغترُّ بتعليمهما من يطلبُ عِلمَ السحر
_________________
(١) ينظر: «الكتاب الفريد» (١/ ٣٤٦)، و«الدر المصون» (٢/ ٣١)، و«التحرير والتنوير» (١/ ٦٣٩).
(٢) ينظر: «معجم البلدان» (١/ ٣٠٩ - ٣١١).
[ ٢١٦ ]
منهما، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، و«ما» في قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ نافيةٌ.
ثم بيَّن تعالى أنَّ ما يتعلَّمُه الناسُ من هاروت وماروت يتوصَّلون به إلى التفريق بين المرء وزوجه، بتبغيض كلٍّ منهما إلى الآخر، ثم بيَّن تعالى أنَّ الذين تعلَّموا عِلم السِّحر لن يضرُّوا به أحدًا إلَّا بإذن الله؛ الإذن الكوني، وهو مشيئته، فقال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. ثم أخبر أنَّ الذين يتعلَّمون السحر يتعلَّمون ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ لأنه يُفضي بهم إلى الكفر بالله والظلم لعباد الله.
ثم أخبر تعالى خبرًا مؤكدًا بأَّن الذين يتعلمون السحر ويستبدلونه بالعلم الذي جاءت به الرسلُ أخبر تعالى أنهم يعلمون أنَّ مَنْ فعل ذلك ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ يعني: من نصيبٍ (^١).
ثم ذمَّهم ﷾ على إيثار ما يضرُّ على ما ينفع؛ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾، و﴿شَرَوْا﴾ بمعنى: باعوا؛ فالمعنى: باعوا أنفسهم بما فيه هلاكُهم وشقاؤهم، والمعنيون بذلك هم اليهودُ الذين أخبر الله عنهم في أول الآية بأنهم نبذوا كتابَ الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر، ثم أخبر تعالى بأنهم لو آمنوا بالله وكتبه ورسوله واتقوا ربَّهم بفعل الواجبات وترك المحرمات؛ لكان لهم من ثواب الله ما هو خيرٌ لهم مما اختاروه وآثروه وتعلَّموه؛ فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ المعنى: لو كانوا يعلمون العلمَ النافعَ لَمَا آثروا ما يضرُّ على ما ينفع، ولكنهم لا يعلمون.
_________________
(١) ينظر: «المفردات» للراغب (ص ٢٩٧).
[ ٢١٧ ]
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إلَيْك﴾ يا محمد ﴿آيَات بَيِّنَات﴾ واضحات. ردٌّ لقول بن صوريا للنبي ما جئتنا بشيء. ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الفَاسِقُون﴾ كفروا بها ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ اللَّه ﴿عَهْدًا﴾ على الإيمان بالنبي إن خرج أو النبي ألا يعاونوا عليه المشركين ﴿نَبَذَهُ﴾ طرحه ﴿فَرِيق مِنْهُمْ﴾ بنقضه؟ جواب «كلما» وهو محل الاستفهام الإنكاري ﴿بَلْ﴾ للانتقال ﴿أكثرهم لا يؤمنون﴾ ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه﴾ محمد ﷺ ﴿مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّه﴾ أي: التوراة ﴿وَرَاء ظُهُورهمْ﴾ أي: لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما فيها من أنه نبيٌّ حق أو أنها كتاب الله ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ عطف على «نبذ» ﴿مَا تَتْلُو﴾ أي: تلت ﴿الشَّيَاطِينُ عَلَى﴾ عهد ﴿مُلْكِ سُلَيْمَان﴾ من السِّحر، وكانت دفنته تحت كرسيه لما نُزِع ملكه، أو كانت تسترقُ السمعَ وتضمُّ إليه أكاذيب وتُلْقِيه إلى الكهنة فيدونونه، وفشا ذلك وشاع أنَّ الجنَّ تعلمُ الغيب، فجمع سليمانُ الكتب ودفنها، فلما مات دلَّت الشياطينُ عليها الناس فاستخرجوها فوجدوا فيها السحر، فقالوا: إنما مَلَكَكُم بهذا فتعلَّموه ورفضوا كتب أنبيائهم. قال تعالى تبرئةً لسليمان وردًّا على اليهود في قولهم: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحرًا: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي: لم يعمل السِّحر لأنه كُفْرٌ ﴿وَلَكِنَّ﴾ بالتشديد والتخفيف ﴿الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْرَ﴾ الجملة حال من ضمير كفروا ﴿و﴾ يُعلِّمونهم ﴿مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ أي: ألهماه من السحر، وقُرئ بكسر اللام الكائنين ﴿بِبَابِل﴾ بلدٌ في سواد العراق ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدل أو عطف بيانٍ للملكين. قال ابن عباس: هما ساحران كانا يعلمان السحر. وقيل ملكان أُنزلا لتعليمه ابتلاءً من الله للناس ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ﴾
[ ٢١٨ ]
زائدة ﴿أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا﴾ له نصحًا ﴿إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة﴾ بلية من الله للناس ليمتحنهم بتعليمه، فمَن تعلَّمه كفرَ ومَن تركه فهو مؤمنٌ ﴿فَلَا تَكْفُر﴾ بتعلُّمه، فإن أبى إلَّا التعليم علماه ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ بأن يُبَغَّضَ كُلٌّ إلى الآخر ﴿وَمَا هُمْ﴾ أي السحرة ﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾ بالسحر ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّه﴾ بإرادته ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ﴾ في الآخرة ﴿وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ وهو السحر ﴿وَلَقَدْ﴾ لام قسم ﴿عَلِمُوا﴾ أي اليهود ﴿لَمَنْ﴾ لام ابتداء معلقة لما قبلها و«مَنْ» موصولة ﴿اشْتَرَاهُ﴾ اختاره أو استبدله بكتاب الله ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق﴾ نصيب في الجنة ﴿وَلَبِئْسَ مَا﴾ شيئًا ﴿شَرَوْا﴾ باعوا ﴿بِهِ أَنْفُسهمْ﴾ أي: الشارين؛ أي: حظَّها من الآخرة أن تعلموه حيث أوجب لهم النار ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقةَ ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلَّموه ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ أي اليهود ﴿آمَنُوا﴾ بالنبي، والقرآن ﴿وَاتَّقَوْا﴾ عقاب الله بترك معاصيه كالسحر، وجواب «لو» محذوف؛ أي: لأُثيبوا، دلَّ عليه: ﴿لَمَثُوبَة﴾ ثواب، وهو مبتدأ، واللام فيه للقسم ﴿مِنْ عِنْد اللَّه خَيْر﴾ خبره مما شروا به أنفسهم ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنه خيرٌ لَمَا آثروه عليه.
وقولُ المؤلِّف: (ردٌّ لقول ابن صوريا): هذا إشارةٌ إلى سبب نزول الآية (^١).
وقولُه: (كفروا بها): هذا تقديرٌ لمدخول همزة الاستفهام المعطوف عليه ما بعده بالواو، والتقدير: أكفروا بها وكلَّما عاهدوا اللهَ عهدًا نبذه فريقٌ منهم.
وقولُه: (على الإيمان بالنبي …) إلى آخره: بيانٌ لمضمون العهد.
_________________
(١) تقدم ذكر الخلاف في (ص ٢١٠).
[ ٢١٩ ]
وقولُه: (وهو محلُّ الاستفهام الإنكاري): يريد أنَّ مُتعلّق الاستفهام في قوله: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ هو قوله: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ﴾، فالمنكر هو نبذهم للعهد بنقضِه وتركِ الوفاء به.
وقولُه: (للانتقال): يريد أنَّ «بل» تُفيد الانتقال من وصف فريقٍ منهم بنبذ العهد إلى وصفِ أكثرهم بعدم الإيمان.
وقولُه: (ما فيها …) إلى آخره: بيانٌ لِمُتعلق العلم المنفي عنهم؛ فالتقدير: كأنَّ الذين نبذوا الكتابَ وراء ظهورهم - وهو التوراة - لا يعلمون ما فيها من الخبر بنبوة محمد ﷺ، أو كأنهم لا يعلمون أنَّ التوراةَ حقٌّ، وهم يعلمون ولكنهم معاندون (^١).
وقولُه: (عطف على «نبذ»): يريد أنَّ فعل ﴿اتبعوا﴾ - وهو مُسندٌ إلى واو الجماعة - معطوفٌ على فعل «نبذ» - المسند إلى فريق -، فأفاد العطفُ بالواو أنهم جمعوا بين نبذِ الكتاب واتباعِ ما تتلوا الشياطين، فتركوا الحقَّ وأخذوا الباطل.
وقولُه: (أي: تلت): يُبيِّن بهذا أنَّ الفعلَ المضارع «تتلوا» حكايةُ حالٍ ماضية، وهذا محتملٌ، ويُحتملُ أنه خبرٌ عن الحال الحاضرة؛ لأنَّ الشياطين يتلون علمَ السحر في الماضي والحاضر والمستقبل (^٢).
وقولُه: (عهد): يُبيِّن بذلك معنى ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ وهو أنَّ المراد: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: في زمن سليمان ﵇.
وقولُه: (من السحر …) إلى آخره: بيانٌ لِمَا تتلوا الشياطين.
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ٣١٢ - ٣١٣)، و«معاني القرآن» للزجاج (١/ ١٨٢)، و«الكشاف» (١/ ٣٠٢).
(٢) ينظر: «درج الدرر» (١/ ٢٥١)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٨)، و«البحر المحيط» (١/ ٥٢٢).
[ ٢٢٠ ]
وما ذَكَره من دفن السحر تحت كرسي سليمان، وما دوَّنته الكهنةُ من الأكاذيب في كتب، وأنَّ سليمان ﵇ أخذ هذه الكتب ودَفَنها، إلى آخر ما ذكره: هو من أخبار بني إسرائيل التي يجب عرضُها على الشرع، فما دلَّ على صدقه وجب تصديقُه، وما دلَّ على كذبه وجب تكذيبه، وما لا وجب التوقف فيه.
وقولُه: (قال تعالى تبرئةً لسليمان وردًّا على اليهود …) إلى آخره: يُبيِّنُ بهذا أنَّ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تبرئة لنبي الله سليمان من الكفر بعلم السحر والعمل به، وفيه تكذيبٌ لليهود فيما زعمته أنَّ سليمان كان ساحرًا ولم يكن نبيًّا.
وقولُه: (الجملة حال …) إلى آخره: يريد: أنَّ جملة ﴿يُعلِّمون﴾ حال من واو الجماعة (^١) في قوله: ﴿كفروا﴾، فالشياطين كفروا حال تعليمِهم السحر للناس.
وقولُه: (يعلمونهم): يُبيِّنُ بهذا أنَّ الاسمَ الموصول في قوله: ﴿وَمَا أُنزلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ معطوفٌ على السحر؛ فالمعنى: يُعلِّمون الناسَ السحر ويُعلمونهم ما أُنزل على الملكين.
وقولُه: (بكسر اللام): تثنية ملِك واحد الملوك، وردَّ ابنُ جريرٍ هذه القراءةَ واعتبرها شاذَّة (^٢). وقولُه: (الكائنين): هذا مُتعلق الجار والمجرور ببابل، فالباء ظرفية بمعنى في.
وقولُه: (بلد في سواد العراق): هذا هو المشهورُ عن المفسرين (^٣).
_________________
(١) ينظر: «المحرر الوجيز» (١/ ٢٩٩)، و«البحر المحيط» (١/ ٥٢٤).
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٣) ينظر: «تفسير الطبري» (٢/ ٣٥٠)، و«المحرر الوجيز» (١/ ٣٠٠)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ٣٦٢).
[ ٢٢١ ]
وقولُه: (بدل أو عطف بيان للملكين): هذا صحيحٌ فهما في موضع جر بالفتحة لأنهما ممنوعان من الصرف.
وقولُه: (قال ابن عباس …) إلى آخره: الصوابُ أنهما ملكان كما هو ظاهر القرآن (^١).
وقولُه: (زائدة): أي زائدة لتأكيد العموم.
وقولُه: (له نصحًا): يُبيِّنُ أنَّ قول الملكين لمن يريد أن يتعلَّم منهما السحر هو نصحٌ منهما له ليترك تعلُّمه، فدلَّ ذلك على أنهما مَلَكان لا ساحران.
وقولُه: (بلية من الله للناس …) إلى آخره: فيه تفسيرُ الفتنة بالبلية (^٢)؛ فمعنى قول الملكين ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾: أي ابتلاءٌ من الله للعباد، ليتبيَّنَ مَنْ يؤثِرُ تعلُّمَ السحرِ والكفرِ على الإيمان فيكفر بذلك، ومَن يؤثِرُ الإيمان على السحر فيترك تعلُّمَه فيكون مؤمنًا.
وقولُه: (فإنْ أبى إلا التعليم علَّماه): يدلُّ له قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾.
وقولُه: (أي: السحرة): وهم الذين تعلَّموا السِّحر من الملكين.
وقولُه: (زائدة): أي لتأكيد العموم.
وقولُه: (بإرادته): تفسيرٌ للإذن، وهو الإذنُ الكوني والإرادة الكونية التي بمعنى المشيئة؛ فالمعنى: إلَّا بمشيئته تعالى.
وقولُه: (في الآخرة): لأنَّ الضررَ في الآخرة أعظمُ من الضرر في الدنيا، والسحرُ ضررٌ على صاحبه في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) أثر ابن عباس لم نجده مسندًا، وذكره بعض المفسرين منسوبًا له. ينظر: «تفسير الثعلبي» (٣/ ٤٨٠)، و«البحر المحيط» (١/ ٥٢٧).
(٢) ينظر: «الوجوه والنظائر» لمقاتل (ص ٦٣ - ٦٤)، و«نزهة الأعين النواظر» لابن الجوزي (ص ٤٧٨ - ٤٧٩).
[ ٢٢٢ ]
وقولُه: (لام قسم): يريد اللام التي قبل «قد»، فقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ خبرٌ مؤكَّدٌ بالقسم عن علم اليهود بضررِ السحر.
وقولُه: (أي: اليهود): يريد أنَّ الواو في قوله: ﴿عَلِمُوا﴾ تعودُ إلى اليهود لأنهم المذكورون في أول الآية في قوله: ﴿يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾.
وقولُه: (لام ابتداء): يريد أنَّ اللام في قوله: ﴿لَمَنْ﴾ لامُ الابتداء.
وقولُه: (مُعلقة لما قبلها): يُبيِّنُ أنَّ لام الابتداء لما وقعت في صدر الجملة بعد «علموا» صار الفعل معلقًا عن العمل بنصب مفعولين، وهذا هو معنى التعليق، فجملة ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق﴾ في موضع نصب بـ ﴿عَلِمُوا﴾، و«من»: اسم موصول مبتدأ، وجملة ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ﴾: في موضع رفع خبر.
وقولُه: (بكتاب الله): يريد أنَّ اليهود اشتروا السحر فأخذوه وتركوا كتابَ الله؛ لأنَّ الباء تدخل على المتروك.
وقولُه: (نصيب في الجنة): تفسيرٌ للخلاق، وهو الحظُّ الذي ينال به الفلاح، ولا يكون إلا في الجنة (^١).
وقولُه: (شيئًا): يريد أنَّ «ما» المتصلة ببئس في موضع نصب على التمييز.
وقولُه: (باعوا): تفسيرٌ لـ ﴿شَرَوْا﴾، وهذا هو معنى «شرى» في اللغة وفي القرآن (^٢).
وقولُه: (أن تعلموه): هو المخصوص بالذم؛ فالمعنى: باعوا أنفسهم بتعلم السحر المفضي بهم إلى الشقاء الدائم.
_________________
(١) تقدم في (ص ٢١٧).
(٢) تقدم (ص ١٩٤).
[ ٢٢٣ ]
وقولُه: (حقيقة ما يصيرون إليه …) إلى آخره: هذا تقديرٌ لمفعول «يعلمون» في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، فيكون المعنى: لو كانوا يعلمون حقيقةَ ما يصيرون إليه من عذاب الله ما تعلَّموا السحر.
وقولُه: (أي: اليهود): يُفيد أنَّ الآية من تمام الكلام عن اليهود في الآيات السابقة، وفيها ترغبيهم في الإيمان والتقوى ببيان عاقبة ذلك، والمثوبة مصدرٌ ميمي بمعنى الثواب، وهو الثوابُ من عند الله، وذلك خيرٌ لهم مما باعوا به أنفسهم، وجواب «لو» الأولى جملة ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وجواب «لو» الثانية محذوفٌ تقديره: لو كانوا يعلمون العلمَ الصحيح لَمَا آثروا الكفرَ والسحرَ على الإيمان والتقوى.
وبعد: فقد دلَّت هذه الآية، وهي الثانية بعد المئة على تحريم السحر، وتحريمِ تعلُّمه وتعليمه والعمل به، وذلك من وجوه:
الأول: ذم اليهود باتباعهم له.
الثاني: أنه من علم الشياطين؛ تتلوه، وتعلمه.
الثالث: أنه كفرٌ؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾.
الرابع: أنه وسيلةٌ للتفريق بين الزوجين وإفسادِ ما بينهما من المودة.
الخامس: أنه يضرُّ ولا ينفع.
السادس: أنَّ مَنْ اشترى علمَ السحر ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاق﴾.
السابع: قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (^١).
ومما ينبغي أن يُعلَم أنَّ السحر نوعان:
_________________
(١) ينظر: «تيسير العزيز الحميد» (٢/ ٦٧٦).
[ ٢٢٤ ]
سحرٌ حقيقي، وله آثار حقيقيةٌ على المسحور، وهو المذكور في هذه الآية، ولكن لا يصل به الساحر إلى قلب الأعيان (^١)، ولا ليقول للشيء: كن فيكون؛ فذلك لله وحده.
والثاني: سحرٌ تخيلي، يخيلُ به الساحر على الأبصار، ومنه سحرُ سحرةِ فرعون؛ كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] (^٢).
* * *
_________________
(١) ينظر: «الصفدية» (١/ ١٣٨)، و«مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، و(٢٩/ ٣٩٠ - ٣٩١).
(٢) ينظر أنواع السحر وتقسيماته في: «تفسير الرازي» (٣/ ٦١٩ - ٦٢٥)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ٣٦٧ - ٣٧١)، و«شرح نواقض الإسلام» لشيخنا (ص ٣٣ - ٣٤).
[ ٢٢٥ ]