لقد تنوعت مشارب الواحدي العلمية، وتعددت، وأخذ من كل فن بطرف، ذلك لأن من خصائص العلوم الشرعية أنها مترابطة، فبعضها غايات وبعضها وسائل كاللغة والأصول ونحوهما، ولابد لمن أراد تعلم الغايات أن يدرس الوسائل، فالمفسر مثلًا: يلزمه معرفة السنة حتى يميز بها بين ما صح
_________________
(١) مقدمة "البسيط" ص ٤٢٥.
(٢) "أسباب النزول" ص ٤٢٥.
(٣) جرجان: مدينة عظيمة بين طبرستان وخراسان. انظر "معجم البلدان" ٢/ ١١٩.
[ ١ / ٤٠ ]
وما ليس كذلك، كما أن فهم اللفظ القرآني متوقف على معرفة اللغة والنحو وأصول كلام العرب، ولا بد أن يعرف القراءات وعلوم القرآن وهكذا.
ولقد كان ذلك دافعًا قويًا للواحدي ليحكم الأصول كما قال في مقدمة كتابه "البسيط": " وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا ويسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى، وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه وأخذته من معادنه، أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، ﵀ .. " (١).
وتحدث بعد ذلك عن أخذه النحو والقراءات والتفسير.
ويؤكد كلامه بقوله: " .. ولئن استغنى علم عن الأدب فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن: الأدب، ومعرفة اللغة العربية .. " (٢).
وكان للواحدي مشاركة في سائر العلوم. ففي السنة أخذ عن كبار المحدثين وأدرك الإسناد العالي (٣)، وقال عنه ابن تغري بردي: "كان إمامًا عالمًا بارعًا محدثًا" (٤)، وكتابه "أسباب النزول" يشهد بمكانته في هذا الفن. على أنه لم يصل فيها إلى المستوى الذي وصل إليه في اللغة والتفسير، ولهذا روى بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة وسيأتي تفصيل هذه المسألة عند الحديث عن منهجه في التفسير في كتابه "البسيط".
أما الفقه فيعتبر أحد أعلام مذهب الإِمام الشافعي وتوجد ترجمته في
_________________
(١) مقدمة "البسيط" ص ٤١٧.
(٢) مقدمة "البسيط" ص ٤١٠.
(٣) انظر: "المنتخب من السياق" ل ١١٤ أ، و"إنباه الرواة" ٢/ ١٢٣.
(٤) انظر: "النجوم الزاهرة" ٥/ ١٠٤.
[ ١ / ٤١ ]
جميع كتب تراجم طبقات علماء الشافعية (١)، وله آراء فقهية ذكرها في "البسيط" معتمدة في مذهبهم، نقل منها النووي في "المجموع شرح المهذب" (٢).
ومع هذه المشاركات من الواحدي في السنة والفقه فقد برز في علوم "التفسير" و"النحو"، "واللغة" وشهر بها وصار من أعلامها. وصفه بعض المترجمين له بإمامته فيها، قال في "المنتخب من السياق": "الإِمام المصنف المفسر النحوي" (٣)، وقال ابن خلكان: "كان أستاذ عصره في النحو والتفسير" (٤)، وقال القفطي: "الإِمام المصنف المفسر النحوي .. " (٥)، وقال أبو الفداء: "وكان أستاذ عصره في النحو والتفسير" (٦).
وقال الأسنوي: "كان فقيها إماما في النحو واللغة وغيرهما شاعرًا، وأستاذ عصره في التفسير .. " (٧)، وقال الفيروزابادي: "الإِمام المفسر النحوي اللغوي .. " (٨).
أما عن إمامته في علم التفسير فيشهد بذلك كتبه الثلاثة في التفسير "البسيط" و"الوسيط" و"الوجيز" ويأتي الحديث عنها في مؤلفاته، وأكبرها "البسيط"، كذلك كتابه "أسباب النزول"، وقد ترجم له السيوطي والداودي
_________________
(١) ترجم له السبكي ٣/ ٢٨٩، والأسنوي ٢/ ٥٣٨، وابن قاضي شهبة ١/ ٢٥٦.
(٢) انظر: "المجموع شرح المهذب" ٣/ ٣٧١ - ٣٧٣.
(٣) "المنتخب من السياق" ل ١١٤ أ، وانظر "معجم الأدباء" ٢٥٨/ ١٢.
(٤) "وفيات الأعيان" ٣/ ٣٠٣.
(٥) "إنباه الرواة" ٢/ ٢٢٣.
(٦) تاريخ أبي الفداء" ٢/ ١٩٢.
(٧) "طبقات الشافعية" للأسنوي ٢/ ٥٣٩.
(٨) "البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة" ص ١٤٦.
[ ١ / ٤٢ ]
في "طبقات المفسرين" (١).
أما عن إمامته في النحو واللغة فإن الواحدي قد تحدث عن ذلك في مقدمة "البسيط" وبين سبب اتجاهه للنحو واللغة حيث إن معرفة ذلك هو طريق لمعرفة كلام الله وتفسيره فيقول: "فقلت: إن طريق معرفة تفسير كلام الله تعالى تعلم النحو والأدب فإنهما عمدتاه .. " (٢). ويعتبر النحو واللغة من علم الوسائل الواجبة فيقول: " .. فعلينا أن نجتهد في تعلم ما يتوصل بتعلمه إلى معرفة ضروب خطاب الكتاب .. " (٣)، ثم يقول "فإن من جهل لسان العرب وكثرة ألفاظها وافتنانها في مذاهبها جهل جمل علم الكتاب .. " (٤).
لقد أدرك الواحدي منذ صغره أهمية اللغة والنحو والأدب لفهم كتاب الله والتصدي لتفسيره؛ لأن هذا الكتاب منزل بلسان عربي مبين، فلا بد لمن رام فهم معانيه أو تصدى لتفسيره أن يكون متضلعًا من هذه اللغة التي نزل بها.
فكان ذلك دافعًا قويًا له أن يتجه إلى بحار اللغة ليغرف منها. يقول الباخرزي عنه: "وقد خبط ما عند أئمة الأدب من أصول كلام العرب خبط عصا الراعي فروع الغَرَب (٥)، وألقى الدلاء في بحارهم حتى نزفها، ومد البنان إلى ثمارهم إلا أن قطفها" (٦).
وقد تحدث الواحدي عن مقدار ما بذل في هذا المجال فيذكر تتلمذه
_________________
(١) انظر: "طبقات المفسرين" للسيوطي ص ٦٦، وللداودي ١/ ٣٩٤
(٢) مقدمة "البسيط" ص ٣٩٥.
(٣) مقدمة "البسيط" ص ٣٩٨.
(٤) مقدمة "البسيط" ص ٣٩٨.
(٥) نوع من الشجر.
(٦) "دمية القصر" ٢/ ١٠١٨.
[ ١ / ٤٣ ]
في اللغة على العروضي (١) فيقول: "وكنت لازمته سنين أدخل عليه عند طلوع الشمس وأخرج لغروبها أسمع، وأقرأ، وأعلق، وأحفظ، وأبحث، وأذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة" (٢)، ويذكر تتلمذه في النحو على "أبي الحسن الضرير" (٣)، فيقول: "وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل .. " (٤)، كذلك تتلمذ على "أبي الحسن عمران بن موسى المغربي" (٥) يقول: "ولقد صحبته مدة مقامه عندنا حتى استنزفت غرر ما عنده .. " (٦).
ولقد تضلع الواحدي في علم اللغة والنحو ومما يشهد لذلك كتابه الذي بين أيدينا "البسيط" فلقد بسط فيه من المسائل النحوية ما عُدّ خروجًا عن منهج التفسير، من كثرة ما حواه الكتاب من المسائل النحوية، قال السيوطي وهو يتكلم عن طبقات المفسرين: "فالنحوي تراه ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في "البسيط" وأبي حيان في "البحر" و"النهر" (٧).
قال القفطي: "وصنف التفسير الكبير وسماه "البسيط" وأكثر فيه من
_________________
(١) هو أبو الفضل أحمد بن محمد العروضي أحد شيوخ الواحدي، تأتي ترجمته.
(٢) مقدمة "البسيط" ص ٤١٩.
(٣) مقدمة "البسيط" ص ٤٢٠.
(٤) مقدمة "البسيط" ص ٤٢٠ - ٤٢١.
(٥) وأبو الحسن علي بن محمد الضرير أحد شيوخ الواحدي، تأتي ترجمته.
(٦) أحد شيوخ الواحدي، يأتي ذكره في شيوخه.
(٧) "الإتقان" ٢/ ٢٤٣.
[ ١ / ٤٤ ]
الإعراب والشواهد واللغة ومن رآه علم مقدار ما عنده من علم العربية .. " (١) ويأتي مزيد بسط لهذِه المسألة -إن شاء الله - عند دراسة الكتاب.
كما تشهد مؤلفاته الأخرى بتضلعه في علم اللغة والنحو فله في هذه الميادين عدة كتب منها "شرح ديوان المتنبي" و"الإغراب في الإعراب" و"شرح أسماء الله الحسنى" و"تفسير أسماء النبي - ﷺ -" و"شرح قصيدة للنابغة الذبياني" ويأتي الحديث عنها -إن شاء الله- مع مؤلفاته.