طلبه للعلم، ورحلاته في طلب العلم، والعلوم التي برز فيها
لقد نشأ الواحدي في تلك المدينة العامرة بالعلم والعلماء نيسابورَ، مع سعة الرزق التي هيأت له أسباب التحصيل والطلب، وكان الكُتَّاب (١) هو المدرسة الابتدائية التي تلقا فيها أبو الحسن الواحديُّ تعليمه، حيث دخل كتاب الشيخ أبي عمرو سعيد بن هبة الله البسطامي (٢).
ثم شرع في السماع من العلماء، والأخذ عنهم، حيث سمع من شيخه أبي طاهر محمد بن محمد بن مَحْمِش الزيادي (٣) محدث نيسابور وفقيهها، وكان ذلك عام (٤٠٩) (٤) فيكون سماعه منه، وهو في الثانية عشرة من عمره تقريبًا، أو فوق ذلك بقليل.
ثم انضم الواحدي إلا دار السُّنة -وهي مدرسة يدرِّس فيها كبار العلماء والمحدثين- ليتلقى العلم عن أجلَّة علمائها، وكان منهم: القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري في سنة (٤١٠) وهذا وما قبله يدلان على شغف الواحدي بالعلم ولزوم حلق العلماء منذ نعومة أظفاره، ومَيْعة (٥) صباه (٦).
ولعل الواحدي ﵀ أحب أن يتقن علوم الآلة التي يتوصل بها إلى فهم القرآن والسنة، قبل أن يخوض في علوم المقاصد، ليكون على
_________________
(١) الكتاب -كرمان-: موضع تعليم الكتاب، وجمعه كتاتيب، "الصحاح" للجوهري ١/ ٢٠٨.
(٢) ينظر: "دمية القصر" للباخرزي ٢/ ١٠١٨ وتأتي ترجمته لاحقًا في مبحث شيوخه.
(٣) المصدر السابق.
(٤) ينظر: "المنتخب من السياق" ص ٣٨٧ و"الوجيز" ١/ ٨٦.
(٥) ميعة الصبا: أوله.
(٦) ينظر: "أسباب النزول" ص ٢٤٤
[ ١ / ٣٦ ]
فهم تام بها، ومعرفة بحقائقها، يحدث عن ذلك فيقول: "وأما النحو فإني لما كنت في مَيعة صباي، وشرخ شبيبتي، وقعت إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمد الضرير ﵀ ولعله تفرَّس فيّ وتوسم أثر الخير لديّ فتجرد لتخريجي وصرف وَكْده (١) إلى تأديبي، وسعدت به أفضل ما سعد تلميذ بأستاذه، وقرأت عليه جوامع النحو والتصريف والمعاني، وعلقت عنه قريبا من مائة جزء في المسائل المشكلة، وسمعت منه أكثر مصنفاته في النحو والعروض والعلل .. " (٢).
ولم يقض نهمته من علم اللغة والأدب اللذين لا يستغنى عنهما في فهم النصوص، يقول الواحدي: "ولئن استغنى علم عن الأدب فمن ضرورة التفسير وعلم القرآن: الأدب ومعرفة اللغة العربية" (٣)، فانقطع لتعلم اللغة على شيخ اللغة في وقته: أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي، حيث لازمه ملازمة الظل لصاحبه، يدخل عليه عند طلوع الشمس، ويخرج من عنده غروبها، يسمع ويعلق ويبحث، ويذاكر أصحابه ما بين طرفي النهار، وقرأ عليه كثيرًا من دواوين الشعر وكتب اللغة، قال: ولم أغب عن زيارته يومًا من الأيام إلى أن حال بيننا الحمام (٤).
ثم لما توفي الشيخ أبو الفضل العروضي عام (٤١٦) تنقل الواحدي في مساجد البلد ومدارسه، بين العلماء والعلوم (٥)، يحدثنا أبو الحسن الواحدي عن تلقيه للقرآن ولعلم القراءات، فيقول: "وأما القرآن وقراءات
_________________
(١) الوكد: القصد.
(٢) مقدمة "البسيط" ص ٤٢٠ - ٤٢١.
(٣) مقدمة "البسيط" ص ٤١٠.
(٤) مقدمة "البسيط" ص ٤١٧ - ٤١٩.
(٥) ينظر: "الوسيط" للواحدي ١/ ٣٠١، ٢/ ٣٢، ٢٢٣، ٣/ ٧١.
[ ١ / ٣٧ ]
أهل الأمصار، واختيارات الأئمة، فإني اختلفت أولًا إلى الأستاذ أبي القاسم علي بن أحمد البستي -﵀ (١) - وقرأت عليه القرآن ختمات كثيرة لا تحصى، حتى قرأت عليه أكثر طريقة الأستاذ: أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران -﵀ (٢) - ثم ذهبت إلى الإمامين أبي عثمان سعيد ابن محمد الحيري، وأبي الحسن علي بن محمد الفارسي -رحمهما الله (٣) - فقرأت عليهما وأخذت من كل منهما حظًّا وافرًا بعون الله وحسن توفيقه.
وقرات على الأستاذ سعيد مصنفات ابن مهران، وروى لنا كتب أبي علي الفسوي (٤) عنه، وقرأت عليه بلفظي كتاب الزجاج (٥) في "المعاني" (٦).
_________________
(١) تأتي ترجمته لاحقًا في مبحث شيوخه.
(٢) هو أحمد بن الحسين بن مهران أبو بكر الأصبهاني ثم النيسابوري، إمام عصره في القراءات، كان ثقة محققًا عابدًا صنف في القراءات مصنفات منها: "الغاية"، و"الشامل"، و"المبسوط" وغيرها توفي سنة ٣٨١، ينظر: "معرفة القراء الكبار" ١/ ٣٤٧، و"غاية النهاية" ١/ ٤٩.
(٣) تأتي ترجمتهما لاحقًا في مبحث شيوخه.
(٤) هو: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علي الفارسي، ويعرف بالفسوي نسبة إلى فسا، واحد زمانه في علم العربية، أخذ عن الزجاج وابن السراج، وطوف بلاد الشام، كان أعلم من المبرد، كان معتزليًا، وقد ذكر الدكتور حسن فرهود في مقدمة "الإيضاح" أكثر من ٣٠ كتابًا للفارسي، توفي سنة ٣٧٧ هـ. ينظر: "بغية الوعاة" ١/ ٤٩٦ - ٤٩٧، و"إنباه الرواة" ١/ ٣٠٨ - ٣١٠، و"معجم الأدباء" ٧/ ٢٣٢ - ٢٦١.
(٥) هو: إبراهيم بن محمد بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج النحوي، صاحب كتاب "معاني القرآن" كان من أهل الفضل والدين حسن الاعتقاد، وله مؤلفات حسان في الأدب، توفي سنة ٣١١هـ، أو نحوها. ينظر: "السير" ١٤/ ٣٦٠، و"إنباه الرواة" ١/ ١٩٠٤
(٦) "مقدمة البسيط" ص (٤٣٢).
[ ١ / ٣٨ ]
لقد كانت كل تلك الدراسات تهيئة من الواحدي لنفسه، وتدرجًا للوصول إلى علوم المقاصد، وهذا يظهر من حديثه عن نفسه في آخر تفسيره "البسيط"، حين قال: "وقد كنت تعبت دهرًا طويلًا، من عنفوان صباي إلى تناهي أيام شبيبتي في إحكام مقدمات هذا العلم" (١).
كما يظهر لنا من خلال حديث الواحدي مع شيخه أبي الفضل العروضي حين قال: "وقرأت عليه الكثير من الدواوين وكتب اللغة حتى عاتبني شيخي -﵀- يومًا من الأيام، وقال: إنك لم تبق ديوانًا من الشعر إلا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز، تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد، وتتركه أنت على قرب ما بيننا من الجوار؟ يعني: الأستاذ الإِمام أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي -﵀ (٢) - فقلت يا أبت إنما أتدرج بهذا إلى ذلك الذي تريد، وإذا لم أحكم الأدب بجد وتعب لم أَرْمِ في غرض التفسير عن كثب .. " (٣).
ولقد رضي عن جهده في هذا الباب حين قال: "وأظنني لم آل جهدًا في إحكام أصول هذا العلم على حسب ما يليق بزماننا هذا، ويسعه سِنُو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله تعالى وله الحمد، حتى اقتبست كل ما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه، وأخذته من معادنه" (٤).
ثم تفرغ من بعد ذلك -تبعًا-، لخطته، ومنهجيته التي ارتضاها لنفسه، وإنفاذًا لوصية شيخه - للقراءة على الإِمام: أبي إسحاق أحمد بن حمد بن
_________________
(١) "تفسير البسيط" ٥/ ٣٣٧ ب من نسخة عاطف أفندي.
(٢) ستأتي ترجمته لاحقًا في مبحث شيوخه.
(٣) مقدمة "البسيط" ص ٤١٩.
(٤) مقدمة "البسيط" ص ٤١٧.
[ ١ / ٣٩ ]
إبراهيم الثعلبي، وقرأ عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء، وتفسيره الكبير "الكشف والبيان" وكتابه "الكامل في علم القرآن" وغيرها، ولشدة ملازمته إياه عرف في الأوساط العلمية آنذاك بتلميذ الثعلبي.