لا يخفى أن أعظم عوامل رواج سوق العلم: هو تشجيع السلاطين وتحفيز الدول، وقيامها بإكرام العلماء وتقديرهم، وقضاء حوائجهم، وتبويئهم المكان اللائق، والمكانة المرموقة، مما يرغب الناس إلى دفع أولادهم إلى معاهد العلم، وتفريغهم لطلبه، والحرص عليه وقد حظي ذلك العصر بخلفاء ووزراء كانوا إما: من العلماء، أو من المحبين للعلم المشاركين فيه،
فالخليفة القادر بالله يعد من فقهاء الشافعية، وله تصانيف (٣)، والقائم بأمر الله يعد من العلماء الأدباء الكتاب البلغاء (٤).
والسلطان محمود بن سبكتكين كان عنده علم ومعرفة، وحب للعلم وأهله، وتقريب لهم، ومجلسه على الدوام عامر بهم على اختلاف فنونهم، وصنفت له التصانيف (٥).
_________________
(١) ينظر: "المنتخب من السياق" ص ١٤٦.
(٢) ينظر: "مختصر زبدة النصر ونخبة العصر" للبنداوي ص ٥٧ و"الكامل" ٨/ ١٤٣.
(٣) ينظر: "طبقات الشافعية" لابن الصلاح ١/ ٣٢٤، و"تاريخ الخلفاء" للسيوطي ص ٤١٧.
(٤) ينظر: "الكامل" ٨/ ١٢٠ و"البداية والنهاية" ١٢/ ١١٠.
(٥) ينظر: "المنتخب من السياق" ص ٤٤٦.
[ ١ / ١٢٦ ]
وسار ابنه السلطان مسعود سيرته (١).
وكانت الدولة السلجوقية مشهورة بتكريم العلماء ومحبتهم، حتى "أصبح كل واحد من العلماء بفضل تشجيع سلطان من سلاطين السلاجقة محطًَّا لأنظار العالمين" (٢).
وأما الوزير نظام الملك، فقد كان عالمًا مغرمًا بالعلم وأهله، وقد بقيت جهوده وآثاره في ذلك شامة في جبين التاريخ الإسلامي، يقول أبو الوفاء بن عقيل (٣) في الثناء عليه: "بنى المدارس، ووقَّف الوقوف، ونَعَش من العلم وأهله ما كان خاملًا مهملًا في أيام من قبله" (٤) ويصفه العماد الأصفهاني (٥) قائلًا: "ولم يزل بابه مجمعَ الفضلاء وملجأ العلماء، وكان نافذًا بصيرًا ينقب عن أحوال كل منهم، ويسأل عن تصرفاته وخبرته ومعرفته، فمن تفرس فيه صلاحية الولاية ولاّه، ومن رآه مستحقًا لرفع قدره رفعه وأعلاه، ومن رأى الانتفاع بعلمه أغناه، ورتب له من جدواه حتى
_________________
(١) ينظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي ١٧/ ٤٩٥، و"البداية والنهاية" ١٢/ ٢٨.
(٢) "راحة الصدور وآية السرور في تاريخ الدولة السلجوقية" للراوندي ص ٧٢.
(٣) علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي أبو الوفاء، شيخ الحنابلة في زمانه ببغداد عالم متقن ولد سنة ٤٣١، وله مصنفات أكبرها كتاب "الفنون"، قال الذهبي: لم يصنف في الدنيا أكبر منه، وله كتاب الجدل على طريقة الفقهاء، توفي سنة (٥١٣). ينظر: "شذرات الذهب" ٤/ ٣٥ و"الذيل على طبقات الحنابلة" ١/ ١٧١.
(٤) "المنتخب" ص ١٤٦.
(٥) محمد بن محمد صفي الدين ابن نفيس الدين حامد بن ألُهْ، أبو عبد الله عماد الدين الكاتب الأصبهاني، عالم بالأدب من كبار الكتاب ولد في أصبهان سنة ٥١٩، له كتب كثير، وله ديوان رسائل وديوان شعر، توفي سنة ٥٩٧. ينظر: "وفيات الأعيان" ٢/ ٧٤، "مرآة الزمان" ٨/ ٥٠٤.
[ ١ / ١٢٧ ]
ينقطع إلى إفادة العلم ونشره، وتدريس الفضل وذكره، وربما سيَّره إلى إقليم خال من العلم، ليُحْلِيَ به عاطله، ويحيي به حقه، ويميت باطله" (١).
ومن أشهر أعماله: تلك المدارس التي بناها، وأدرَّ عليها الأرزاق، وأثثها بما تحتاج إليه، كما تقدم.
ولأجل ذلك أطبق المؤرخون وأصحاب التراجم على الإشادة بما قام به هذا الوزير في هذا الباب (٢).