وأما أشعريته: فهي واضحة من خلال كتبه، فالمتتبع لمواضع الاختلاف بين أهل السنة والأشاعرة، أو بين المعتزلة والأشاعرة، يجده يقرر بكل وضوح عقيدة الأشاعرة، ولا غرو فهي العقيدة الغالبة على أهل بلده، وفي أشياخه أعلام كبار من حملة لواء العقيدة الأشعرية، ممن قرروا قواعده وأصّلوا أصوله، كأبي إسحاق الإسفراييني (٣) الذي أخذ عند عامة شيوخ نيسابور الأصول وعلم الكلام (٤)، وعبد القاهر البغدادي (٥) الذي يعَدّ -كذلك- من أئمة الشافعية الأشاعرة والمبرزين فيهم (٦).
ولعلي أضرب أمثلة من خلال تفسيريه "البسيط" و"الوسيط" تدل على، ذلك وتؤكده:
١ - فعند قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] قال: "قال أصحابنا: حقيقة الواحد في وصف الباري سبحانه
_________________
(١) ينظر: مبحث منهجه في آيات الأحكام.
(٢) ينظر: مبحث منهجه في آيات الأحكام.
(٣) ينظر ترجمته في مبحث شيوخه.
(٤) ينظر: "طبقات الشافعية" للسبكي ٤/ ٢٥٧. وينظر ترجمة أبي إسحاق في مبحث شيوخه.
(٥) ستأتي ترجمته لاحقًا في مبحث شيوخه.
(٦) انظر ترجمته في مبحث شيوخه.
[ ١ / ٤٩ ]
أنه واحد لا قسيم له في ذاته ولا بعض له في وجوده بخلاف الجملة التي يطلق عليها لفظ الواحد مجازًا كقوله: دار واحدة، وشخص واحد، وعبَّر بعض أصحابنا عن التوحيد فقال: هو نفي الشريك والقسيم والشبيه فالله واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في إثبات المصنوعات وواحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا يشبه الخلق فيها .. " (١).
ويقول أيضًا: وعند متكلمي أصحابنا: أن الإله من له الإلهية، والإلهيه القدرة على اختراع الأعيان .. " (٢) وهذا الذي قرره الواحدي هنا هو قول متكلمي الأشاعرة (٣)، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية وهو يتحدث عن التوحيد عند المتكلمين: " .. حتى يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع" (٤)، ثم قال بعد ذلك: "وليس المراد بـ"الإله" هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن "الإلهية" هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أنه لا إلله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه، بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد فهو إله بمعنى: مألوه، لا إله بمعنا آله .. " (٥).
ثم قال في موضع آخر (٦): وكثير من أهل الكلام يقول: التوحيد له
_________________
(١) انظر: "البسيط" (٣/ ٤٥٩).
(٢) انظر: "البسيط" عند تفسير البسملة ١/ ٤٦٣.
(٣) ينظر: "الاقتصاد في الاعتقاد" للغزالي ص ٤٥، "نهاية الإقدام" للشهرستاني ص ٩٠.
(٤) "الرسالة التدمرية" ص ١٨٠.
(٥) "الرسالة التدمرية" ص ١٨٥، ١٨٦.
(٦) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد الله النميري الحراني الدمشقي أبو العباس، شيخ الإِسلام ولد بحران سنة ٦٦١ طلب العلم وتبحر وفاق أهل عصره =
[ ١ / ٥٠ ]
ثلاث معان -ثم ذكر ما قرره الواحدي- ثم قال: وهذا المعنى الذي تتناوله هذه العبارة، فيها ما يوافق ما جاء به الرسول - ﷺ - وفيها ما يخالف ما جاء به الرسول، وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول - ﷺ -، بل التوحيد الذي أمَرَ به أمْرٌ يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى، فهذا من الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل، وكتم الحق، وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدًا بل ولا مؤمنًا، حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له، والإله بمعنى: المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس هو الإله بمعنى: القادر على الخلق، فإذا فسر المفسر الإله بمعنى: القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا هو أخص وصف الإله، وجَعَل إثبات هذا التوحيد هو الغاية في التوحيد، كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي ينقلونه عن أبي الحسن وأتباعه، لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله. فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كلِّ شيء، وكانوا مع هذا مشركين" (١).
كما أنه سار على مذهب الأشعرية في باب: صفا الله وذلك عند
_________________
(١) = وألف فأكثر وأبدع، ومن كتبه: "منهاج السنة"، و"تلبيس الجهمية"، وجمعت فتاواه ورسائله مرارًا. مات في سجن القلعة بدمشق فخرجت دمشق كلها في جنازته سنة ٧٢٨، وألفت في سيرته كتب. ينظر: "البداية والنهاية" ١٤/ ١٣٥ و"الدرر الكامنة" ١/ ١٤٤.
(٢) "درء تعارض العقل والنقل" ١/ ٢٢٥، وينظر: أيضًا ٣/ ٩٨ - ١٠٢ و"الرسالة التدمرية" ص ١٨٥ - ١٨٦.
[ ١ / ٥١ ]
تعرضه لها من خلال الآيات التي وردت فيها، فيؤوِّلها، ومذهب السلف في ذلك أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات وما أثبته له رسوله دون تأويل أو تحريف أو تعطيل، ولا يلزم من إثباتهم للصفات أي لازم باطل: من تشبيه الله بخلقه أو غير ذلك، فكما أنه سبحانه ليس كمثله شيء فكذلك صفاته.
٢ - فمن الآيات التي تعرض لها قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. ذكر الواحدي في تفسيرها وجهين:
أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، أن يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله، أو آيات الله، فجعل مجيء الآيات والعذاب مجيئًا له، تفخيمًا لشأن العذاب، وتعظيمًا له.
والثاني: المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، فحذف ما يأتي به تهويلًا عليهم .. (١). وهذا منه -﵀- تأويل وصرف للفظ عن ظاهره، مخالف لما كان عليه السلف الصالح من إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات، من غير تأويل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تكييف، وذلك جريًا على مذهب الأشاعرة في تأويك الصفات الخبرية.
٣ - وفي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ العَلىُّ العَظِيُم﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: فمعنى العلو في صفة الله تعالى: اقتداره وقهره واستحقاقه صفات المدح (٢). وهذا مخالف لمذهب السلف الذين يثبتون العلو لله بكل أنواعه.
_________________
(١) انظر: "البسيط" ٤/ ١٠٠، ١٠١.
(٢) المصدر السابق ٤/ ٣٧١.
[ ١ / ٥٢ ]
علو الذات وعلو القدر، وعلو القهر. وعلو ذاته ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف وبالفطرة والعقل (١)، وليس هذا موضع بسط الأدلة في ذلك.
٤ - وقال أيضًا في "تفسير البسيط": قال النحويون: وذكر اليد في قوله: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] تحقيق للإضافة، وإن كانت الكتابة لا تقع إلا باليد، وقد أُكدّت الإضافة بذكر اليد فيما لا يُرادُ باليد فيه الجارحة، كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١]. ومعناه: مما تولينا عمله، ولما توليت خلقه.
والأصل في هذا: أنه قد يضاف الفعل إلى الفاعل وغير الفاعل له، كقوله: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤] والمراد بذلك: أنه يأمر بالذبح فَيُمتثل أمره.
فلما كان الفعلُ قد يُضاف إلى غير الفاعل أُكِّدَت الإضافة بذكر اليد؛ ليتحقق وينتفي الاحتمال، ثم استعمل هذا التأكيد أيضًا في فعل الله تعالى وإن لم يجز في وصفه يد الجارحة؛ لأن المراد بذكر اليد تحقيق الإضافة على ما بيّنا (٢). اهـ.
٥ - وقال أيضًا عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]. نقل أقوال بعض العلماء في ذلك ثم قال: " .. والأصل في الاستواء الاستقامة وإنما قيل للقصد إلى الشيء استواء؛ لأن الاستواء يسمى قصدا .. "، ثم قال: "وأما استوى بمعنى
_________________
(١) ينظر: "الفتاوى" ١٦/ ١١٩، ١٢٣، ٣٥٨ و"مختصر الصواعق المرسلة" للموصلي ١/ ٧٥ و"شرح الواسطية" ص ٣٠٤
(٢) انظر: "البسيط" ٣/ ٩٢، ٩٣.
[ ١ / ٥٣ ]
استولى فقد يكون، وكأنه يقول: استوت له الأمور فاستولى ثم وضع "استوى" موضع "استولى" ". ويظهر رأيه وهو يتحدث عن آخر الآية ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيقول: "وقيل إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بوصفه بالعلم .. " (١).
ومذهب السلف في هذا إثبات الاستواء لله على وجه يليق بجلاله فهو مستو على عرشه بائن من خلقه، عال عليهم بذاته علوا يليق بجلاله، ولا يلزم من هذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء البشر ليس كمثله شيء (٢).
والحاصل أن هذا منهجه في تفسيره، كلما مر بآية من آيات العقائد تبع عقيدةَ الأشاعرة، ولينظر زيادة على ذلك ما قرره في الآيات التالية:
١ - ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] حيث أوَّل صفة الرحمة (٣).
٢ - وقوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] حيث أوَّل صفة الغضب لله (٤).
٣ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] حيث فسر الإيمان بالتصديق على طريقة الأشاعرة (٥).
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:
_________________
(١) انظر: "البسيط" ٢/ ٣٠٠، ٣٠١.
(٢) انظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية ٥/ ١٤٤، ٢٠٨، و"شرح الطحاوية" ص ٢١٨، و"التدمرية" ص ٨١.
(٣) "تفسير الوسيط" ١/ ٦٥.
(٤) "تفسير الوسط" ١/ ٧٠.
(٥) "تفسير الوسيط" ١/ ٧٩ و٢/ ٥٣٥
[ ١ / ٥٤ ]
١٧] حيث فسر الآية على طريقة الأشاعرة القائلين بالكسب في باب القدر (١).
٥ - وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] حيث أوّل الاستواء بالاستيلاء والاقتدار ونفوذ السلطان (٢).
٦ - وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] حيث أوّل اليد بالقدرة (٣).
٧ - وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] حيث أوّل المجيء، بمجيء أمره وقضائه (٤).
_________________
(١) "تفسير البسيط" تفسير سورة الأنفال.
(٢) "تفسير الوسيط" ٣/ ٣.
(٣) "تفسير الوسيط" ٣/ ٥٩٣
(٤) "تفسير الوسيط" ٤/ ٤٨٤
[ ١ / ٥٥ ]