مذهبه: لقد كان سائدًا في موطن الواحدي نيسابور مذهب الشافعي في الفقه، ومذهب الأشعرية (١) في العقيدة، وكانت هناك علاقة وثيقة بين المذهبين في نهاية القرن الرابع وأول الخامس، وهو العصر الذي عاش فيه الواحدي، وسبب تلك العلاقة والارتباط أن حاملي عقيدة الأشعرية معظمهم من الشافعية، خصوصًا في المشرق الإِسلامي، خلافًا لما كان
_________________
(١) الأشعرية نسبة لأبي الحسن، علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري ولد سنة ٢٦٠، وكان في أول أمره على مذهب المعتزلة، ثم تركه وتحول إلى هذا المذهب الذي ينسب إليه، ووقع الخلاف بين العلماء في رجوعه إلى مذهب السلف بعد ذلك، ومن كتبه: "اللمع"، و"مقالات الإِسلاميين"، و"الإبانة عن أصول الديانة"، توفي عام ٣٢٤. والمنتسبون إليه يُسمون: الأشعرية والأشاعرة، أو أن الأشعرية تطلق على المذهب، والأشاعرة على المنتسبين إليه، ومن أهم أصولهم: أن التوحيد عندهم هو توحيد الربوبية، ولا فرق بينه وبين توحيد الألوهية، والإيمان عندهم هو التصديق، وكلام الله تعالى معنى واحد أزلي، ويفرقون بين اللفظ والمعنى، ويقولون بالكسب في القدر، ويجمعون على إثبات سبع صفات، ويؤولون ما عداها، والسبع هي: الحياة والقدرة والعلم والإرادة والكلام والسمع والبصر، ومنهم من يضيف إلى السبع: اليد فقط، ويزيد بعضهم: البقاء، ومنهم من يتوقف في نفي ما سوى السبع، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها. ينظر: "الملل والنحل" للشهرستاني ١/ ٩٤ - ٩٧ و"مجموع الفتاوى" ٦/ ٣٥٨ و"معتقد الإِمام الأشعري" للأشقر ص ١٧ و"الرسالة التدمرية" ص ٣١، ١٧٩، ١٨٥، و"الأشاعرة" لمحمود صبحي. وينظر في ترجمة أبي الحسن الأشعري: "تاريخ بغداد" ١١/ ٣٤٦، و"سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٨٥، و"طبقات الفقهاء الشافعية" لابن كثير ١/ ٢١٠، والمراجع السابقة.
[ ١ / ٤٧ ]
عليه الحنفية في تلك البلاد إذ أغلبهم ماتريدية (١)، بينما غلب على الحنابلة في بغداد التمسك بمذهب السلف (٢).
تلك هي البيئة التي عاشها الواحدي، والغالب أن الإنسان لا يكاد ينفك عما عهد الناس عليه، وما كان سائدًا في بيئته، ومن ثم فإن الواحدي -﵀- كان شافعيًا أشعريًا بغير خلاف بين كافة مترجميه، فكونه شافعيًا أظهر من أن يُشهر، ويدل له أمور:
منها: تلقيب بعض مترجميه له بالشافعي، كالذهبي وابن العماد (٣).
ومنها: أن كتب طبقات الشافعية قد عدته ضمن علمائهم (٤).
ومنها: أن كتب الفقه الشافعي كانت تنقل أقواله مبينة أنه من أصحابهم (٥).
_________________
(١) نسبة للماتريدي محمد بن محمد بن محمود، أبي منصور الماتريدي السمرقندي، والماتريدي نسبة إلى (ماتريد) محلة قرب سمرقند، يلقب بإمام الهدى وإمام المتكلمين، وهو معاصر للأشعري، ومذهبه قريب من مذهبه، وهو في الفقه على مذهب أبي حنيفة، من كتبه: "تأويلات أهل السنة"، وكتاب "التوحيد"، وكتاب "المقالات"، توفي سنة ٣٣٣ على الأرجح. ينظر في ترجمته: "الجواهر المضية" للقرشي ٣/ ٣٦٠ ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده ٢/ ٩٦، ١٥١ وكتاب "الماتريدية" للحربي ص ٩٣ وما بعدها. وينظر في الفرق بين الأشعرية والماتريدية: "تاريخ المذاهب الإِسلامية" لأبي زهرة ١/ ١٩٥ - ٢١٠ وكتاب "نشأة الأشعرية وتطورها" لجلال موسى: ٣٠٧ وكتاب "الماتريدية دراسة وتقويمًا" لأحمد الحربي ص ١٣٣.
(٢) ينظر: "التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني في المشرق الإِسلامي" ص ١٢٨.
(٣) ينظر: "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ٣٣٩ و"شذرات الذهب" ٣/ ٣٣٠.
(٤) ينظر: "طبقات الشافعية" للسبكي ٥/ ٢٤٠، و"طبقات الشافعية" للإسنوي ٢/ ٥٣٨ و"طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة ١/ ٢٧٧ وغيرهم.
(٥) ينظر: "روضة الطالبين" للنووي ١٠/ ٢٢٧ و"المجموع" له ٣/ ٣٧١ وقال في "الأذكار" ص ٢٣٩: قال الإِمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا.
[ ١ / ٤٨ ]
ومنها: أنه يقول في كثير من المواضع في تفسيره هذا: وقال أصحابنا، يعني بهم الشافعية (١).
ومنها: أنه يقتصر في الغالب على قول الشافعي، ويُعْنى بذكره، من بين المذاهب (٢).