أما الأول فأبهم ولم يبين حيث قال: " وكان حقيقًا بكل احترام وإعظام، لولا ما كان فيه من غمزه وإزرائه على الأئمة المتقدمين، وبسطه اللسان فيهم بغير ما يليق بما فيهم، عفا الله عنا وعنه" (٣).
وأما الثاني: ففي كلامه ما يدل عل نوع الغمز والمعني به، حيث نقل عنه الذهبي أنه قال: وكان -أي الواحدي- حقيقًا بكل احترام وإعظام، لكن كان فيه بسط اللسان في الأئمة المتقدمين، حتى سمعت أبا بكر أحمد بن محمد بن بشار بنيسابور مذاكرة يقول: "كان علي بن أحمد الواحدي يقول: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (٤) كتاب "حقائق التفسير"
_________________
(١) ينظر: "مجموع الفتاوى" ١٣/ ٣٥٤ و"منهاج السنة النبوية" ٧/ ١٢، ٣١١، ٤٣٤، و"تدريب الراوي" للسيوطي ١/ ٢٨٩.
(٢) "مقدمة علوم الحديث " لابن الصلاح ص ٤٨.
(٣) نقله عنه ياقوت في "معجم الأدباء" ١٢/ ٢٦٠.
(٤) هو محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمي، شيخ الصوفية في زمنه،=
[ ١ / ١٠٠ ]
ولو قال: إن ذلك تفسير للقرآن لكفر به" (١).
قال الذهبي بعد هذا: صدق والله (٢). وقال في موضع آخر: الواحدي معذور مأجور (٣).
إن هذه التهمة الموجهة لأبي الحسن الواحدي إن كانت بسبب كلمته تلك فما أصاب من أتهمه، ولقد عاد نقده عليه، وحارت التهمة إليه، فهذا الذهبي يعد تلك الكلمة منقبة للواحدي فيقول: "وقد قال الواحدي كلمة تدل على حسن نقيته".
وذلك أن جماعة من الأئمة انتقدوا أبا عبد الرحمن السلمي في كتابه هذا، وبينوا غلطه فيما فعل، وحذروا من كتابه ومنهجه.
فهذا ابن الجوزي يقول: وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي في تفسير القرآن من كلامهم -أي الصوفية- الذي أكثره هذيان لا يحل نحو مجلدين سماها: حقائق التفسير ..، ثم ذكر ابن الجوزي أمثلة مما جاء في الكتاب منها: " .. قالوا: إنما سميت فاتحة الكتاب لأنها أوائل ما فاتحناك به من خطابنا، فإن تأدبت بذلك وإلا حُرمت لطائف ما بعد "، "وقال في قوله: ﴿وَإِن يَأتُوكُم أُسَرَى﴾ [البقرة: ٨٥]. "قال أبو عثمان: غرقى في الذنوب،
_________________
(١) = له تصانيف كثيرة بلغت المائة أو أكثر، كتب الحديث بنيسابور وغيرها من البلاد، وهو حافظ زاهد لكن ليس بعمدة في الرواية، توفي سنة ٤١٢، ينظر: "المنتخب من السياق" ص ١٩ و"لسان الميزان" ٥/ ١٤٠.
(٢) "تاريخ الإسلام" ٣١/ ٢٦٠. وينظر "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ٣٤٢، و"طبقات الشافعية" ٥/ ٢٤١.
(٣) "تاريخ الإسلام" ٣١/ ٢٦٠.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ٣٤٢.
[ ١ / ١٠١ ]
وقال الواسطي: غرقى في رؤية أفعالهم، وقال الجنيد: أسارى في أسباب الدنيا تغدوهم إلى قطع العلائق .. ". ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦]: "النفس .. ". "وقال في قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢]: قال الحسين: لا مكر أبين من مكر الحق بعباده حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال "، قال ابن الجوزي: "ومن تأمل معنا هذا علم أنه كفر محض، لأنه يشير إلى أنه كالهزء واللعب، ولكن الحسين هذا هو الحلاج وهذا يليق بذاك "، ثم قال - بعد أن ذكر مثالا آخر: "وجميع الكتاب من هذا الجنس ولقد هممت أن أثبت منه هاهنا كثيرا فرأيت أن الزمان يضيع في كتابه شيء بين الكفر والخطأ والهذيان .. " (١).
هذا كلام ابن الجوزي عن "حقائق التفسير" فماذا قال غيره، قال ابن تيمية في "منهاج السنة": "وكذلك جعفر الصادق قد كُذِب عليه من الأكاذيب ما لا يعلمه إلا الله وحتى نسب إليه أنواع من تفسير القرآن على طريقة الباطنية، كما ذكر ذلك عنه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب "حقائق التفسير" فذكر قطعة من التفاسير التي هي من تفاسيره وهي من باب تحريف الكلم عن مواضعه وتبديل مراد الله تعالى من الآيات بغير مراده، وكل ذي علم بحاله يعلم أنه كان بريئًا من هذه الأقوال والكذب على الله في تفسير كتابه العزيز" (٢).
وتكلم عنه كذلك في الفتاوى حين سئل عن كلام الواحدي في "حقائق التفسير" فأجاب بالتفصيل والشرح، وتكلم عن كتاب السلمي بنحو
_________________
(١) "تلبيس إبليس" ١/ ٤٠٣ وما بعدها.
(٢) "منهاح السنة النحوية في نقض كلام الشيعة والقدرية" ٤/ ١٤٦.
[ ١ / ١٠٢ ]
ما ذكر في "منهاج السنة" تركت نقله خشية الإطالة (١).
وقال الذهبي في ذلك: "ألف حقائق التفسير فأتى فيه بمصائب وتأويلات الباطنية نسأل الله العافية" (٢). وقال: "وفي "حقائق تفسيره" أشياء لا تسوغ أصلا، عدها بعض الأئمة من زندقة الباطنية، وعدها بعضهم عرفانا وحقيقة، نعوذ بالله من الضلال ومن الكلام بهوى .. " (٣)، وقال: "وحقائقه قرمطة وما أظنه يتعمد الكذب، بلى يروي عن محمد بن عبد الله الرازي الصوفي أباطيل وعن غيره .. " (٤).
بل نجد السبكي -وهو ممن نافح عن السلمي وحاول أن يدفع أقوال الذهبي (٥) - يقول: وكتاب "حقائق التفسير" المشار إليه قد كثر الكلام فيه من قبل أنه أقتصر فيه على ذكر تأويلات ومحال للصوفية ينبو عنها ظاهر اللفظ" (٦).
وبعد: فماذا سيقول الواحدي غير هذا في مثل هذا الكلام، وقد وافقه في ذلك أئمة وأعلام، ولقد أصاب الذهبي فإنه لما ذكر كلام الواحدي في السلمي قال: "فهو معذور" (٧)، وقال في موضع آخر: "قلت: الواحدي معذور مأجور .. " (٨)، ويتضح بهذا أن المقولة على الواحدي: أن فيه بسط اللسان في الأئمة لا تقوم لها حجة ولا مستند.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ١٣/ ٢٣١، ٢٤٠، ٢٤٢.
(٢) "تذكرة الحفاظ" للذهبي ٣/ ١٠٤٦.
(٣) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٢٥٢.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٢٥٥.
(٥) انظر كلامه في "طبقات الشافعية" ٣/ ٦٢.
(٦) "طبقات الشافعية" ٣/ ٦٢.
(٧) "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ٣٤١.
(٨) "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ٣٤٢.
[ ١ / ١٠٣ ]
ولقد حاول مؤلف "الواحدي ومنهجه في التفسير" أن يدافع عن أبي عبد الرحمن السلمي، بل يدافع عن منهج الصوفية في التفسير، وأصدر حكمه على الواحدي بقوله: "والواحدي متجن في حكمه -أيضا- لأن أبا عبد الرحمن لم يدع أن الظاهر غير مراد. ومن ثم كان موقف الواحدي من التفسير الصوفي من المآخذ التي تؤخذ عليه " (١). أقول بل هي من المآثر التي تحتسب له، كيف وقد وافقه جهابذة من العلماء ممن يتحرون في منهجنهم مسلك السلف الصالح من هذه الأمة.
وإذا تبينت حقيقة كتاب السلمي بذلك فما على الواحدي في كلامه من معتب، وكلامه فيه إنما هو بحق وعدل، وهو عين النصح لكتاب الله ﷿، لا يسع الواحدي ولا غيره أن يكتم ما علمه من ذلك الكتاب، إبراءً للذمة ونصحًا للأمة، وقد قال الله ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
_________________
(١) الواحدي ومنهجه في التفسير ص ٤٠٠.
[ ١ / ١٠٤ ]