كانت خراسان وبلاد ما وراء النهر تحت حكم الدولة السامانية (٣)
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ١٧٧.
(٢) هو أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني، ينظر: ديوانه ص ٥٩، وقيل: هما لشاعر الأندلس: محمد بن عمار. ينظر: "نفح الطيب" ١/ ٢١٣.
(٣) تنسب لـ"سامان خداه" وهو فارسي، أسلم على يد أسد بن عبد الله القسري، والي خراسان في أواخر عهد الأمويين، واشتهر من السامانيين: نصر بن أحمد، الذي ولاه الخليفة المعتمد سائر بلاد ما وراء النهر، ومن ثم تأسست الدولة السامانية، ثم توفي سنة ٢٧٩، خلفه أخوه إسماعيل الذي استطاع أن يضم إلى سلطانه بلاد خراسان وغيرها، وقد بقي الملك في أبناء إسماعيل، حتى زالت دولتهم سنة ٣٨٩، على يد الغزنويين في خراسان، وعلى يد أيلك خان ملك الترك في بلاد ما وراء النهر. ينظر: "تاريخ بخاري" للنرشخي ص ١٠٥، و"المنتظم" ٧/ ٢٠٢، و"الكامل" ٦/ ٣ و"العبر" ٢/ ١٧٣، و"تاريخ الإسلام السياسي" ٣/ ٧١ - ٨٢.
[ ١ / ١١٣ ]
التي قال فيها ابن الأثير (١): وكانت دولتهم قد انتشرت، وطبقت كثيرًا من الأرض، من حدود حلوان إلى بلاد الترك بما وراء النهر، وكانت من أحسن الدول سيرة وعدلًا، وكانت نهايتها عام (٣٨٩) على يد الدولة الغزنوية، التي بدأ ظهورها عام (٣٥١)، على يد (ألْبتِكِين)، أحد موالي الدولة السامانية الآنفة الذكر، حيث استولى هذا المولى على غزنة وبعض أعمالها، وأقام إمارة مستقلة عن الدولة السامانية، وقد حاربه السامانيون ليردوا ما معه إلى ملكهم، لكنه تغلب على جيشهم، بيد أنه لم يُمَكن، حيث توفي عام (٣٥٢) ولم يوطد ملكه، فخلفه ابنه الذي ثار عليه أهل غزنة، فاستعان بالسامانيين الذين أمدوه بجيش تمكن به من استرداد غزنة، وحكمها باسم السامانيين، ثم لم يلبث أن توفي، فورثه أحد موالي أبيه (٢) الى أن آل الأمر عام (٣٦٦) إلى رجل يقال له: "سُبُكْتِكين" مولى تركي لـ"ألبتكين" الآنف الذكر، وكان تابعًا للسامانيين بالاسم، قال ابن الأثير: "وكان عادلًا خيرًا كثير الجهاد، ذا مروءة تامة وحسن عهد (٣).
وقال الذهبي: وكان فيه عدل وشجاعة، ونبل مع عسف، وكونه كَرَّاميًا (٤).
_________________
(١) علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري أبو الحسن، عز الدين بن الأثير، المؤرخ الإمام الأريب، ولد عام (٥٥٥)، من كتبه: "الكامل في التاريخ" و"أسد الغابة في معرفة الصحابة"، و"اللباب" توفي سنة (٦٣٠). ينظر: "وفيات الأعيان" ١/ ٣٤٧، و"طبقات الشافعية" ٥/ ١٢٧.
(٢) ينظر: "الكامل" ٧/ ٥ و"تاريخ الإسلام السياسي" ٣/ ٨٥ و"تاريخ الإسلام في جنوب آسيا في العصر التركي" ص ٣٧ - ٣٩.
(٣) "الكامل" ٧/ ١٨٨.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٠٠. والكرامية: هم أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرَّام =
[ ١ / ١١٤ ]
ثم جرت بين سُبكْتكين وملوك الهند حروب عظيمة، استولى على إثرها على أجزاء من بلادهم، وفرض عليهم الجزية، ولنفوذه وقوة سلطانه استعان به السامانيون عام (٣٨٤) للقضاء على بعض القواد الذين ثاروا عليهم بنيسابور وغيرها، فتمكن من إعادتها إليهم، ولأجل ذلك ولَّوه خراسان، وسموه: ناصر الدولة (١).
وفي عام (٣٨٧) توفي سُبُكْتكين، وخلفه ابن ضعيف التدبير، يقال له إسماعيل، وفي عام (٣٨٨) خرج عليه أخوه محمود (٢)، وهو أكبر منه، فدار بينهما قتال، حتى آل الأمر إليه. واستقر ملك الغزنويين لـ"محمود"، الذي تمكن أيضًا من سحق جيش السامانيين، واستولى على خراسان، واستقر ملكه بها، وأزال عنها اسم السامانية، وخطب للخليفة القادر بالله، ولقبه الخليفةُ "يمين الدولة وأمين الملة"، وخلع عليه خِلَع السلطنة (٣).
_________________
(١) = أصله من سجستان، جاور خمس سنين ثم ورد نيسابور، أحدث مذهبًا تبعه عليه عالم لا يحصون بنيسابور وهراة ونواحيها، ومذهبه هذا مشهور في التشبيهه والتجسيم. ينظر: "الملل والنحل" ١/ ١٠٨ و"الفرق بين الفرق" ص ١٣١.
(٢) ينظر: "تاريخ العتبي" ١/ ٥٨ - ٨٩، و"الكامل" ٧/ ٨٥ - ٨٧.
(٣) هو السلطان المجاهد فاتح الهند، أبو القاسم محمود بن سبكتكين، ولد سنة ٣٦١، وتملك سنة ٣٨٨، وكان دينًا كثير الغزو، وفتوحه مشهورة، وكان مائلًا إلى السنة، إلا أنه كان كراميًّا، كما كان إلبًا على الرافضة والإسماعيلية والجهمية والمعتزلة والمشبهة وعامة المبتدعة، وقتل منهم جماعة، ونفى آخرين، وأمر بلعنهم على المنابر. توفي سنة ٤٢١، بعد مرض. ينظر: "المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور" ص ٤٤٦، و"المنتظم" ٨/ ٥٢، و"الكامل" ٧/ ٢٤٦، و"سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٤٨٣ - ٤٩٥.
(٤) ينظر: "تاريخ العتبي" ١/ ٣١٧ و"الكامل" ٧/ ١٩٦ و"سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٤٨٥.
[ ١ / ١١٥ ]
وقد اتسعت الدولة الغزنوية في عهد محمود، ووفقه الله في فتح بلاد واسعة، وفرض على نفسه غزو الهند كل سنة، وأقام فيها بدلًا عن بيوت الأصنام مساجدَ الإسلام، وعن مشاهد البهتان معاهد التوحيد والإيمان (١). ولم يزل كذلك -﵀- حتى توفي سنة (٤٢١)، وتولى بعده الملكَ ابنه محمد الذي لم يدم ملكه إلا أشهرًا (٢)، إذ قبض عليه أخوه "مسعود" (٣)، وتمكَّن من الملك، وتابع غزوَ الهند، ودانت له ممالك كثيرة، وجرت له مع السلاجقة حروب حتى هزموه بعد اضطراب جنده، وأخذوا منه خراسان سنة (٤٣١)، فأقام بغزنة، وقتل في طريقه إلى الهند عام (٤٣٢) (٤).
وقد بقيت الدولة الغزنوية فني غزنة وأعمالها والهند إلى أن زالت دولتهم عام (٥٤٣) كما ذكر ابن الأثير -﵀- (٥).