وبقيمت دولتهم إلى أن سقطت على أيدي السلاجقة سنة (٤٤٧ هـ) وهم من أهل السنة فقضوا على دولة بني بويه (١) الرافضية، وخلص الله بهم الأمة من شر البويهيين.
وكان للرافضة في عهدهم صولة وقوة. ذكر ابن كثير أنه في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كتبت الروافض على أبواب المساجد لعن بعض الصحابة. قال: وبلغ ذلك معز الدولة ولم ينكره، .. قبحه الله وقبح شيعته .. (٢).
وهذا في المشرق، فأما المغرب فبرز فيه حدثان:
الأول: قيام دولة العبيديين (٣) التي ادعت الخلافة وناوأت الخلافة
_________________
(١) انظر: "تاريخ الإسلام السياسي" للدكتور حسن إبراهيم ٣/ ٦٧، ٦٨.
(٢) "البداية والنهاية" ١١/ ٢٤٠.
(٣) مؤسس الدولة عبيد الله بن محمد المهدي وإليه تنسب الدولة، وكان أبوه قد نشر الدعوة الفاطمية في بلاد اليمن ومصر والمغرب وغيرهما، وواصل الابن طريق والده، ووسع نفوذه حتى قبض عليه اليسع بن مدرار أمير سلجماسة وسجنه، ثم واصل قائده أبو عبد الله الشيعي طريقه، حتى أزال دولة الأغالبة سنة (٢٩٦)، ثم سار إلى سلجماسة، فهرب حاكمها، فأطلق عبيد الله المهدي، وبايعوه، وتلقب بخليفة المسلمين، وهكذا استطاع القضاء على ملك الأغالبة، وآل رستم، والأدارسة، ودان له الشمال الإفريقي، واتخذ القيروان عاصمة ملكه، وفي سنة (٣٥٨) تمكن القائد الفاطمي جوهر الصقلي من الاستيلاء على مصر سلمًا، وبنى القاهرة والجامع الأزهر، ثم اتخذ المعز لدين الله الفاطمي القاهرة عاصمة لبلاده، سنة ٣٦٢، وامتدت بلادهم في فترة ازدهارهم، من نهر العاصي بالشام إلى حدود مراكش، ومن السودان إلى آسيا الصغرى، وقضى عليهم صلاح الدين الأيوبي، ومات العاضد آخر حكامهم سنة ٥٦٧، وقد ادعى عبيد الله المهدي أنه فاطمي من ذرية جعفر الصادق، والمحققون على أنه دعي، بل كان جده مجوسيًا، وكان هو =
[ ١ / ١١٠ ]
العباسية، وكادت تقضي عليها بعد أن زاحمتها في مواقع نفوذها، وانتسبت ظلمًا وزورًا لآل البيت، ونسل فاطمة الزهراء، وتسمت بالدولة الفاطمية، وانبث دعاتها في أطراف البلاد، واستمالوا أمراء البلدان، حتى خطب لهم بالإضافة إلى مصر والمغرب في بلاد كثيرة، كاليمن والشام والحجاز وفي أجزاء من العراق، بل خطب لهم في دار الخلافة (بغداد)، سنة (٤٥٠) عامًا كاملًا (١).
الثاني: زوال دولة الأمويين في الأندلس عام (٤٢٢) (٢) وظهور ما
_________________
(١) = باطنيًا خبيثًا حريصًا على إزالة دولة الإسلام، أعدم العلماء ليغوي الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه، فأباحوا الخمور والفروج، وأشاعوا الرفض، كما ذكر الباقلاني. وقال القاضي عياض: أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة، وقال الذهبي: كان العبيديون على ملة الإسلام شرًّا من التتر. ولم يعدَّهم السيوطي في تاريخ الخلفاء لعدم صحة إمامتهم. انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ١٤١ (٦٥)، و"البداية والنهاية" لابن كثير ١١/ ٢٦٦.
(٢) وكان ذلك في فتنة البساسيري عام ٤٥٠، ينظر في تفاصيل ذلك: "تاريخ بغداد" ٩/ ٤٩٩ و"المنتظم" ٨/ ١٩٠ و"الكامل" ٨/ ٨٢ و"البداية والنهاية" ١٢/ ٧٦.
(٣) هي أول دولة تنفصل عن جسم العالم الإسلامي، أسسها عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي، فر من العباسيين، ودخل الأندلس فلقب بالداخل، استتب له الأمر عام ١٣٨، بعد معارك حامية مع يوسف الفهري، وأرسل له أبو جعفر المنصور عدة جيوش للقضاء عليه، فلم يتمكن، ولقبه: صقر قريش إعجابًا به، ثم حاول المهدي قتاله فلم يفلح، فتركوه وشأنه، ومات سنة ١٧٢، ومن أبرز حكامها: عبد الرحمن الناصر (الثالث)، حكم من ٣٠٠ - ٣٥٠، وكانت له انتصارات عظيمة على ممالك النصارى، وفي عام ٣٦٦ آل الأمر إلى الحاجب المنصور العامري، لضعف بني أمية، وكان قويًا، غزا خمسين مرة، ولم يهزم قط، وهابه ملوك أوروبا، ثم توفي عام ٣٩٢، فتولى ابنه عبد الملك، وكان كأبيه، ثم أخوه عبد الرحمن، وكان ضعيفًا، فقتل عام ٣٩٩، ثم عادت السلطة لبني أمية، =
[ ١ / ١١١ ]