وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ إبانة عن سوء حال المكذب نبيًا من أنبياء الله في أنه بمنزلة من لم يستمتع بالدنيا؛ إذ حصل في العذاب وصار إلى الخسران.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾، هذا ابتداء منقطع من الفصل الأول، جملة من المبتدأ والخبر (١). قال ابن الأنباري: (ووقع التكرير لتعظيم الذم لهم و(٢) تفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم، فيقول الرجل [للرجل] (٣): أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا) (٤).
٩٣ - قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾، قال الكلبي: (خرج من بين أظهرهم ولم يعذب قومُ نبي حتى يخرج من بينهم) (٥).
_________________
(١) = (حجن) والبيت الأول في "الصحاح" ٥/ ١٠٩٧ (حجن)، و"الأفعال" للسرقسطي ٣/ ٥٥٤، وابن عطية ٦/ ٩، و"البحر" ٤/ ٣٤٦، وعند الأكثر هما لعمرو بن الحارث الجُرْهُمي، وقيل هما لمُضَاض بن عمرو الجرهمي، وقيل هما للحارث الجرهمي. (والحَجُون) جبل بأعلى مكة. انظر: "معجم البلدان" ٢/ ٢٢٥ (والصَّفَا) مكان مرتفع من جبل أبي قبيس بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق، انظر: "معجم البلدان" ٣/ ٤١١، والعواثر: جمع عاثرة، وهي الحادثة التي تعثر بصاحبها. انظر: "اللسان" ٥/ ٢٨٠٧ (عثر).
(٢) انظر: "البيان" ١/ ٣٦٨، و"التبيان" ١/ ٣٨٤، و"الفريد" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤، و"الدر المصون" ٥/ ٣٨٥ - ٣٨٧.
(٣) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٤) لفظ: (للرجل) ساقط من (ب).
(٥) ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" ٣/ ٢٣٣، وهو عند الرازي ١٤/ ١٨٢ بدون نسبة.
(٦) "تنوير المقباس" ٢/ ١١٢، وذكره الرازي في "تفسيره" ١٤/ ١٨٢.
[ ٩ / ٢٤٠ ]
وقال أهل المعاني: (أعرض عنهم إعراضَ آيِسٍ منهم لما نزل العذاب بهم، وذلك أنه كان مقبلًا عليهم بالوعظ والدعاء إلى الحق، فلما تمادوا في غيهم، فأخذهم الله ﷿ ببأسه، تولى عنهم) (١).
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. أي: كيف يشتد حزني (٢). يقال: أسِيت (٣) على الشيء آسَى (٤) أسًى إذا اشتد حزنه عليه.
قال امرؤ القيس:
يَقُولونَ لاَ تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ (٥)
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ استفهام معناه الإنكار، أي: لا آسى عليهم. ومعنى الآية: أن شعيبًا -﵇- يتسلى عنهم بما يتذكر من حاله
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٦، والسمرقندي ١/ ٥٥٦، وقد سبق لمثل هذا زيادة بيان.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٢٢، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٥٩، و"نزهة القلوب" ص ٧٣، و"معاني النحاس" ٣/ ٥٦.
(٣) الأسى مفتوح مقصور: الحزن. انظر: "العين" ٧/ ٣٣٢، و"الجمهرة" ١/ ٢٣٨، و"تهذيب اللغة" ١/ ١٦٣، و"الصحاح" ٦/ ٢٢٦٨، و"مقاييس اللغة" ١/ ١٠٦، و"المفردات" ص ٧٧، و"اللسان" ١/ ٨٢ (أسَى).
(٤) في (ب): (أسًا).
(٥) "ديوانه" ص ١١١، و"طبقات فحول الشعراء" ١/ ٥٩، و"الشعر والشعراء" ص ٦٤، و"جمهرة أشعار العرب" ص ٩٥، و"الصناعتين" ص ٢٢٩، وهو من معلقته المشهورة وأوله: وُقوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ قال النحاس في "شرح المعلقات" ١/ ٥: (الصحب الجماعة ومطيهم، واحده مطية وهي: الراحلة، والأسى: الحزن، وتجمل أي: أظهر جميلًا) اهـ. وانظر: "شرح القصائد" لابن الأنبارى ص ٢٤.
[ ٩ / ٢٤١ ]