٢٩ - وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قال أبو عمران الجَوْني: بلغني أن جبريل أتى النبي -ﷺ- فقال: إن سألوك أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: "أكثرهما وأفضلهما". وأيَّ الجاريتين تزوج؟ فقال: "الصغرى منهما" (١).
وقال القرظي: سُئل رسول الله -ﷺ-: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما وأتمهما" (٢).
وقال سعيد بن جبير: قال لي يهودي وأنا أتجهز للحج: يا سعيد إني أراك رجلًا تَتَبَّعُ العلم (٣)، أخبرني: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: قلت: لا علم لي، وأنا قادم على حبر العرب (٤)؛ يعني: ابن عباس، فسائله عن ذلك، فلمَّا قدمتُ مكةَ سألت ابن عباس عن ذلك، وأخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما: عشرًا؛ إن النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمتُ العراقَ فلقيت اليهودي، فأخبرته بقول ابن
_________________
(١) هذا حديث مرسل، ولم ينبه الواحدي على ذلك، وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٦ ب، وصدره بقوله: روي، ثم قال: فإن صح هذا الخبر فلا نعدل عنه. ذكر مقاتل في "تفسيره" ٦٥ أ، أن موسى -﵇-، قد تزوج الكبرى منهما، وهذا كله مما لا دليل عليه، ولا يترتب على العلم به فائدة.
(٢) وهذا أيضًا حديث مرسل، انظر ترجمة القرظي في "جامع التحصيل" للعلائي ٣٢٩، رقم: ٧٠٧. قال الزيلعي عن هذا الحديث: هذا حديث لا يصح. "تخريج أحاديث الكشاف" ٣/ ٣٠.
(٣) التَتَبُّع: أن يَتَتَبَّع في مهلة شيئًا بعد شيء، وفلان يَتَتَبَّعُ مَدَاقَّ الأمور. "تهذيب اللغة" ٢/ ٢٨٢ (تبع).
(٤) حبر، بفتح الحاء، وكسرها، لغتان، أي: الرجل العالم. "تهذيب اللغة" ٥/ ٣٣ (حبر).
[ ١٧ / ٣٨٠ ]
عباس، فقال: صدق، وما أنزل على موسى، هذا والله العالم (١).
وقال مجاهد ومقاتل: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ عشر سنين (٢) ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ وذلك أنه استأذن صهره (٣) في العود إلى مصر، لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله. وهذه الآية مفسرة في سورتي: طه، والنمل (٤).
قوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ فيها ثلاث قراءات: فتح الجيم، وضمها، وكسرها. وهي كلها لغات (٥). قال أبو عبيدة: الجذوة، مثل: الجِذمة؛ وهي القطعة الغليظة من الخشب، ليس فيها لهب. وأنشد قول ابن مُقْبلٍ:
باتت حواطبُ ليلى يلتمسن لها جَزْلَ الجذَا غيرَ خَوَّارٍ ولا دَعِرٍ (٦)
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، رقم: ٢٦٨٤، "فتح الباري" ٥/ ٢٩٠. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٦٨، والثعلبي ٨/ ١٤٤ أ، وفيه: والله العالم.
(٢) "تفسير مقاتل" ٦٥ أ. وأما خبر مجاهد فهو يدل على أنه مكث عشرًا أخرى زيادة، أخرج ذلك عنه ابن جرير ٢٠/ ٦٨، والثعلبي ٨/ ١٤٦ ب. ولفظه: مكث بعد ذلك عند صهره عشرًا أخرى، يعني: عشرين سنة. وظاهر الآية لا يؤيد هذا المعنى.
(٣) يقال: ختن الرجل: صهره، والمتزوج فيهم: أصهار الختن، والصهر: زوج بنت الرجل، وزوج أخته، والختن: أبو امرأة الرجل، وأخو امرأته. ومن العرب من يجعلهم أصهارًا كلهم. "تهذيب اللغة" ٦/ ١٠٧، و"اللسان" ٤/ ٤٧١ (صهر).
(٤) عند قوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ طه، الآيات: ١٠ - ١٢. وسورة النمل، الآيات: ٧ - ١٠.
(٥) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: ﴿جَذْوَةٍ﴾ بكسر الجيم، وقرأ عاصم: ﴿جَذْوَةٍ﴾ بفتح الجيم، وقرأ حمزة: ﴿جُذْوَةٍ﴾ بالضم. "السبعة في القراءات" ٤٩٣، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٤١٣، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٤١.
(٦) "مجاز القرآن" ٢/ ١٠٢، ونسب البيت لابن مقبل. وأنشده عن أبي عبيدة الأزهري ١١/ ١٦٧، ولم ينسبه. وأنشده ونسبه المبرد، "الكامل" ٢/ ٦٨٢، وعنه أبو علي =
[ ١٧ / ٣٨١ ]