بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾
صدق الله العظيم
[ ١ / ٢١ ]
السورة مكية بلا خلاف، والمشهور أنها الحادية عشرة في ترتيب النزول. نزلت بعد الفجر
والمفسرون مجمعون على أن سبب النزول، هو إبطاء الوحي في أوائله على الرسول - ﷺ - حتى شتق ذلك عليه، وقيل فيما قيل: ودع محمدًا ربه وقلاه.
ثم اختلفت أقوالهم - بعد عذا الإجماع - فيمن قالها:
ففي رواية أنه رسول الله - ﷺ -، وقد شكا إلى زوجة السيدة خديجة - ﵂ - إنقطاع الوحي وقال: إن ربي ودعني وقلاني. فقالت: كلا والذي بعثك بالحق، ما ابتدأك الله بهذه الكرامة إلا وهو يريد أن يتمها لك، فنزلت الآيات: "مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى".
وفي راوية ثانية، أنها السيدة خديجة، وقد رابها فتور الوحي
لكن رواية ثالثة تقول: إن "حمالة الحطب: أم جميلة امرأة أبي لهب" هي التي قالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلا قد تركك.
ورواية رابعة تقول: إن المشركين هم الذين قالوا في شماتة: قد قلاه ربه وودعه.
ولا نقف عندما اختلفوا فيه، فأسباب النزول لا تعدو أ، تكون قرائن مما حول النص، وهي بإعتراف الأقدمين أنفسهم لا تخلو من وهم، والإختلاف فيها قديم، وخلاصة ما انتهى إليه قولهم في أسباب النزول، أنها ما نزلت إلا أيام وقوعه، وليس السبب فيها، بمعنى السببية الحكمية العلية.
* * *
[ ١ / ٢٣ ]
﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾
وتستهل السورة بالقسم بالواو، والرأي السائد عند الأقدمين، أن هذا القسم القرآني يحمل معنى التعظيم للمقسم به، قال إبن قيم الجوزية:
(وإقسامه - تعالى - ببعض مخلوقاته، دليل على أنها من عظيم آياته".
وسادت هذه الفكرة، فألجأتهم إلى اعتساف في بيان وجه التعظيم في كل ما أقسم به القرآن الكريم بالواو:
ففي القسم بالليل مثلًا، قد يبدو وجه الإعظام إذا لحظوا فيه الحكمة الإلهية من خلق الليل وجعله لباسًا وسكنًا، ولكنهم لحظوا فيه كذلك - في آية الضحى - معنى الاستيحاش، وأنه وقت الغم، وربما تأولوه بسكون الموت، وظلمة القبور، والغربة، مما لا يظهر فيه معنى الإعظام إلا عن تكليف وقسر، واستكراه.
فالشيخ "محمد عبده" لم يجد صعوبة في بيان وجه العظمة في القسم بالضحى "فالقسم بالضياء للإشارة إلى تعظيم أمر الضياء وإعظام قدر النعمة فيه، وللفت أذهاننا إلى أنه آية من آيات الله الكبرى ونعمة العظمى" لكنه في القسم بالليل، اضطر - تحت سيطرة فكرة التعظيم بالقسم - إلى التماس وجه الإعظام فيه، في قسر يكفي لبيانه أن يرى في الليل أشبه بالجلال الإلهي. قال ﵀: "أما القسم بالليل فلأنه أمر يهولك ويدخل عليك من إنقباض النفس عن الحركة واضطرارها للوقوف عن الغمل وركونها إلى السكون ما لا تجد عنه مفرًا، فهذا سلطان من الخوف مبهم، لا تحيط بأسبابه ولا بتفصيل أطواره، فهو أشبه بالجلال الإلهي يأخذك من جميع أطرافك وأنت لا تدري من أين يأخذك، وهو مظهر من مظاهره، ثم في هذا السكون من راحو الجسم والعقل وتعويض ما فقداه بالتعب بياض النهار، ما لا تحصى فوائده"
* * *
[ ١ / ٢٤ ]
ويلاحظ عليهم هنا، أنهم التمسوا العظمة في الليل، مطلق الليل. مع أنه مقيد في الآية بـ ﴿إِذَا سَجَى﴾ وقد جاء مقيدًا في آيات أخرى بقوله تعالى:
﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ المدثر
﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ التكوير
﴿إِذَا يَسْرِ﴾ الفجر
﴿إِذَا يَغْشَى﴾ الليل
﴿إِذَا يَغْشَاهَا﴾ الشمس
ويلاحظ كذلك، أنهم في آية الضحى، وفي أكثر آيات القسم بالواو، خلطوا بين الإعظام، والحكمة في خلق المقسم به، وما من شيء من مخلوقات الله لم يخلق لحكمة. ظلهرة أو خفية. أما الإعظام فلا يهون القول به، لمجرد بيان وجه لظاهر الحكمة في المقسم به.
* * *
والذي اطمأنت إليه بعد طول تدبر وتأمل في السور المستهلة بهذه الواو، هو أن القسم بها يمكن أن يكون، والله أعلم، قد خرج عن أصل الوضع اللغوي في القسم للتعظيم، إلى معنى بياني، على نحو ما تخرج أساليب الأمر والنهي والاستفهام عن أصل معناها الذي وضعت له، لملحظ بلاغي. فالواو في هذا الأسلوب تلفت لفتًا قويًاإلى حسيات مدركة ليست موضع غرابة أو جدل، توطئة إيضاحية لبيان معنويات أو غيبيات لا تدرك بالحس.
فالقسم بالواو، في مثل (والضحى) غالبًا، أسلوب بلاغي لبيان المعاني، بالمدركات الحسية. وما يلمح فيه من الإعظام، إنما يقصد به إلى قوة اللفت. واختيار المقسم به تراعى فيه الصفة التي تناسب الموقف. وحين نتتبع أقسام القرآن في مثل آية الضحى، نجدها تأتي لافته إلى صورة مادية مدركة وواقع مشهود، توطئة بيانية لصورة أخرى معنوية مماثلة، غير مشهودة ولا مدركة، يماري فيها من يماري: فالقرآن الكريم في قسمه بالصبح إذا أسفر، وإذا تنفس، والنهار إذا تجلى، والليل إذا عسعس، وإذا يغشى، وإذا أدبر، يحلو
[ ١ / ٢٥ ]
معاني من الهدى والحق، أو الضلال والباطل، بماديات من النور والظلمة. وهذا البيان المعنوي بالحسي، هو الذي يمكن أن نعرضه على أقسام القرآن بالواو، فتقبلها دون تكلف أو قسر في التأويل.
وشرح هذا على وجه التفصيل، والتماس الشواهد والأدلة عليه، مما يتسع له بحث خاص مفرد، عن "القسم في القرآن" أما هنا - ومجال البحث محدود بموضوعه - فقد يكتفى ما يعرض لنا من أقسام قرآنية فيما اخترنا من سور، لكي نوضح الفكرة ونجلو الملحظ.
المقسم به في آيتى الضحى، صورة مادية وواقع حسي، يشهد به الناس في كل يوم تألق الضوء في ضحوة النهار، ثم فتور الليل إذا سجا وسكن. دون أن يختل نظام الكون أو يكون في توارد الحالين عليه ما يبعث على إنكار، بل دون أن يخطر على با أحد، أن السماء قد تخلت عن الأرض وأسلمتها إلى الظلمة والوحشة، بعد تألق الضوء في ضحى النهار، فأي عجب في أن يجيء، بعد أنس الوحي وتجلي نوره على المصطفى - ﷺ -، فترة سكون يفتر فيها الوحي، على نحو ما نشهد من الليل الساجي يوافي بعد الضحى المتألق!
هذا هو ما نطمئن إليه في التفسير البياني للقسم بالضحى والليل إذا سجا، ولا أعرف - فيما قرأت - أحدًا من المفسرين التفت إلى هذا الملحظ التفاتًا واضحًا متميزًا، وإن يكن بعضهم قد استشرق له من بعيد، لكن وسط حشد من تأويلات شتى، لا تخلو من تكلف وإغراب.
منهم "فخر الدين الرازي، ونظام الدين النيسابوري" فقد ذكرا في حكمة القسم بالضحى والليل إذا سجي، وجوهًا "منها: كأنه تعالى يقول الزمان ساعة فساعة، ساعة ليل وساعة نهار، ثم يزداد؛ فمرة تزداد ساعات الليل وتنقص ساعات النهار، ومرة بالعكس، فلا تكون الزيادة لهوى،
[ ١ / ٢٦ ]
ولا النقصان لقلى، بل للحكمة. كذا الرسالة وإنزال الوحي بحسب المصالح، فمرة إنزال، ومرة حبس، فلا كان الإنزال عن هوى ولا كان الحبس عن قلى.
"ومنها: أن الكفار لما أدعوا أن ربه ودعه وقلاه، قال: هاتوا الحجة، فعجزوا، فلزمه اليمين بأنه ما ودعه ربه ما قلاه!
"ومنها، كأنه تعالى يقول: أنظر إلى جوار الليل مع النهار، لا يسلم أحدهما عن الآخر. بل الليل تارة يَغلب، وتارة يُغْلب، فكيف تسلم عن الخلق"؟.
وقال "الشيخ محمد عبده" بعد الذي نقلنا من عبارته في وجه الإعظام بالقسم باليل: "وقد جاء في الصحيح أن النبي - ﷺ -، حزن لفترة الوحي، جزنًا غدا منه مرارًا كي تتردى من رءوس شزاهق الجبال، ولكن كان يمنعه تمثل الملك له وإخباره بأنه رسول الله حقًا. فذلك هو القلق والفزع الذي يحتاج إلى ما به تكون الطمأنينة، فآتاه الله ما كان في شوق إليه، وثبته بالوحي وبشره أن تلك الفترة لم تكن عن ترك ولا عن قلى، وأقسم له على ذلك، وأشار في القسم إلى أن ما كان من سطوع الوحي على قلبه أول مره، بمنزلة الضحى تقوى به الحياة وتنمو الناميات، وما عرض بعد ذلك فهو بمنزلة الليل إذا سكن لتستريح فيه القوى وتسعد فيه النفوس لما يستقبلها من العمل. ومن المعلوم أن النبي لاقى من الوحى شدة في أول أمره، فكانت فترة الوحي، أي فتوره، لتثبيته ﵇، وتقوية نفسه على إحتمال ما يتوالى منه، حتى تم به حكمة الله تعالى في إرساله إلى الخلق".
ويوشك الملحظ البيلني، أن يتوه وسط هذا الكلام في الضحى تقوى به الحياة وتنمو الناميات، وفي الليل تستريح فيه القوى وتستعد فيه النفوس.
وكان "إبن قيم الجوزية" أقرب إلى إدراك الملحظ البياني في القسم، لولا أن غلب عليه التأثر بفكرة الإعظام التي قررها أصلًا في كل أقسام القرآن. فجعل موضع القسم هنا للدلالة على ربوبية الله وحكمته ةرحمته، مع أنه السياق
[ ١ / ٢٧ ]
لا يشير من قريب ـأو بعيد، إلى أن الموقف كان ارتيابًا من المشركين في ربوبية الله وحكمته ورحمته، وإنما كان - على قول المفسرين في سبب النزول - كلامًا في أن الله قد ودع محمدًا - ﷺ - وقلاه. ونص عبارة إبن القيم: "أقسم بآيتين عظيمتين من آياته، دالتين على ربوبيته، وهما الليل والنهار فتأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافى بعد ظلام الليل، للمقسم عله وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه".
* * *
ومن المفسرين من وقف طويلًا عند تقديم الضحى هنا، وأبعد في تأويله فقال: "إنه إشارة أن الحياة أولى للمؤمن من الموت إلى أن تحصل كمالاته الممكنة. وأيضًا أنه ذكر الضحى حتى لا يحصل اليأس من روحه - تعالى - ثم عقبة بالليل حتى يحصل الأمن من مكره! ".
ولم يتعرض "إبن جرير الطبري" لبيان ارتباط المقسم به بالمقسم عليه، ومثله "الزمخشري" في الكشاف، وإنما اقتصرا على بيان كل من طرفي القسم. وكذلك سكت "أبو حيان" في (البحر) عن هذه الصلة المعنوية بينهما، وشغل عنها ببيان أوجه الصناعة النحوية.
كما لم تعرض أي مفسر - فيما قرأت - لمقابلة هذا القسم الإلهي بالواو، على ظاهرة نفي القسم الصريح حيثما جاء في القرآن الكريم مسندًا إلى الله تعالى.
* * *
ونعرض بعد هذا، لأقوالهم في تفسير: الضحى، والليل إذا سجا، فنقرأ في "الطبري" اختلاف أهل التأويل في الضحى:
فهم النهار كله، وهو ساعة من ساعات النهار.
كما نقرأ أختلافهم في الليل إذا سجا: فهو الليل إذا أقبل، أو إذا جاء. وهو
[ ١ / ٢٨ ]
الليل إذا ذهب، وهو الليل إذا استوى، وهو الليل إذا استقر وسكن.
واختار "الطبري" من هذه الأقوال في الضحى: أنه النهار، لأنه ضوء الشمس الظاهرة. وأختار في سجا اللي: معنى السكون بأهله.
والزمخشري، يقول في الضحى: هو صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقى شعاعها، وقيل: أريد بالضحى النهار.
وقال في سجا: سكن وركد ظلامه، وقيل معناه سكون الناس والأصوات فيه.
وعند أبي حيان: سجا الليل أدبر، وقيا: أقبل. وقال الفراء: أظلم ورك، وقال إب الأعرابي: أشتد ظلامه.
وأجاز "النيسابورى" أن يكون معنى سجا، سكن الناس فيه، فيكون الإسناد مجازيًا.
وقال الشيخ محمد عبده في الضحى: هو ضوء الشمس في شباب النهار. وفي سجا الليل: هو ما تجده من سكون أهله وإنقطاع الأحياء عن الحركة فيه.
* * *
فلننظر فيها اختلف فيه المفسرون في معنى الضحى: أهو النهار كله، أم ساعة منه. والليل إذا سجا: هل معناه أقبل، أو أدبر، وأشتد ظلامه وسكن، أو سكنت الناس والأصوات فيه؟
وإذا كان اللفظ لغة يحتمل أكثر من معنى على ما ذكروا في ضحى وسجا، فإن البلاغة لا تجيز إلا معنى واحدًا في المقام الواحد، يقوم به لفظ بعينه، لا يقوم به سواه.
واللغة قد عرفت الضحى وقتًا بعينه من النهار، وبه سميت صلاة الضحى لوقوعها فيه، والضاحية من الإبل التي تشرب ضحى، وقالوا ضحى فلان غنمه إذا رعاها الضحى، وضحى بالشاة ذبحها ضحى يوم النحر - وهذا
[ ١ / ٢٩ ]
هو أصل الاستعمال فيما ذكر لسان العرب - وقال "يعقوب" في الأضحى: يسمى اليوم أضحى بجمع الأضحاة وهي الشاة تذبح ضحى النحر، وهي أيضًا الأضحية والضحية.
ودلالة الوضوح هي الملحوظة في كل الإستعمالات الحسية للمادة: فالضاحية السماء، ومنه قيل لما ظهر وبدا ضاحية. والمضحاة الأرض التي لا تكاد تغيبر الشمس عنها، وضحا الطريق: بدا وظهر. وقالوا لمن يبرز للشمس: ضحا ضَحوًا وضُحوا وضحيا؛ كما قالوا لمن ضربته الشمس ضحا كذلك، والضحياء الفرس الشهباء.
ومن هذا الوضوح والظهور الملحوظين في الاستعمالات الحسية للمادة، قيل: فعل فلان كذا ضاحية، أي علاية. على أن أكثر ما يستعمل الضحى في القوت المعين من صدر النهار، فويق ارتفاع النهار، حيت يتم وضوح الشمس. ومنا ما يستعمل في كل ما وقع أو فعل في هذا الوقت بعينه، فيقال أضحى فلان إذا صار في الضحى، وأتيتك ضحوة، وضحى.
* * *
وفي الاستعمال القرآني، نرى القرآن الكريم استعمل الضحى مقابلًا للعشية في آية النازعات ٤٦:
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ .
ومعها الآية ٢٩:
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ .
كما استعمله ظرف زمان، لهذا الوقت بعينه من النهار في آية الأعراف ٩٨:
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾؟
وآية طه ٥٩:
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ .
فتراه هنا عين للموعد يومًا هو يوم الزينة، ثم خص منه بالتحديد،
[ ١ / ٣٠ ]
هو ضحى، مما يبعد تفسير الضحى بأنه النهار كله.
وتبعده كذلك آية "الشمس" التي أقسم القرآن فيها بالشمس وضحاها، حيث لا نرى المعنى يستقيم لو فسرناه بالنهار فقلنا: والشمس ونهارها، وإنما هو "وقت إنبساط الشمس" كما اطمأن "الراغب" في المفردات، أو هو "صدر النهار حين ترتفع الشمس ويظهر سلطانها" كعبارة "النيسابور" في الغرائب.
* * *
وأما سجا الليل، فالسكون أو الفتور هو ما يلائم الموقف بيانيًا، وليس الإقبال ولا الإدبار، كما قال مفسرون. ولم تأت مادة "سجا" في القرآن كله في غير هذا الموضع، إلا أن مقابلتها للضحى، تجعلنا نطمئن إلى أن سجو الليل هو فترة هدوئه وسكون، وعلى ما تعرف العربية في استعمالها لطرف ساج وبحر ساج، والسجواء وهي الناقة التذ إذا حلبت سكنت.
والسكون هو المعنى الذي ذكره "الراغب" في مفرداته، وقال "النيسابورى": هو بمنزلة الضحى من النهار.
* * *
وقد قلنا في القسم بالضحى والليل إذا سجا: إنه بيان لصورة حسية، وواقع مشهود، يمهد لموقف مماثل، غير حسي ولا مشهود، هو فتور الوحي بعد إشراقه وتجليه، لكن من الفسرين من أجهدوا أنفسهم لالتماس السبب الذي من أجله أوثر الضحى هنا بالقسم، فالزمخشري يقول إنه تعالى: "أقسم بالضحى، لأنها الساعة التي كلم فيها موسى ﵇، وكانت موعده لمعارضة السحرة".
ونستبعد أن يكون الوحي قد خاطب النبي ﵇ والسلام في آية الضحى بما تفسره آيات نزلت بعدها بزمن، في موعد حشر السحرة بآية طه التي نزلت بعد الضحى بست وثلاثين سورة، وكلام الله تعالى لموسى ﵇ - ولم يحدد القرآن ساعته - بآيات الأعراف والنساء، المدنية.
وأضاف النيسابوري، والرازي كذلك: "أن الضحى ساعة من النهار
[ ١ / ٣١ ]
توازي جميع الليل، كما أن محمدًا - ﷺ - يوازي جميع الأنبياء وأممهم".
ولا نقف بعد هذا عند تأويلات الإشاريين بأن الضحى وجه محمد، - ﷺ - والليل شعره، أو أن الضحى هم ذكور أهل بيته ﵇ والليل إناثهم ويحتمل أن يقال: الضحى نور علمه الذي يعرف به المستور من الغيوب، والليل عفوه الذي يستر به جميع العيوب، أو هي إشارة بالضحى إلى إقبال الإسلام بعد أن كان غربيًا، وبالليل إلى أنه سيعود غريبًا كما بدأ إلى آخر هذه التأويلات الإشارية التي لا موضع لها في تفسير بياني للنص الكريم.
* * *
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ .
والقراءة بالدال المشددة هي قراءة الجمهور، وقرأ بعضهم: "مَا وَدعَكَ" بالتخفيف، مع تصريحهم بأن العرب استغنت في فصيح كرمها عن: ودع، ووزر، وودْع، ووزْر، وقد ذكر الزمخشري هنا شاهدًا من قول "أبي الأسود الدؤلى":
ليت شعرى عن خليلي ما الذي غاله في الحب حتى ودعه
وقال آخر:
وثم ودعنا آل عمرو وعامر فرائس أطرف المثقفة السمر
ولكن الجوهري في (الصحاح) صرح بأن مثل هذا ربما جاء في ضرورة شعرية، ومثله قول "خفاف بن ندبة":
إذا ما استحمت أرضه من سمائه جرى وهو مودوع وواعد مصجق
أي متروك. وقال في: دع ذا، أي اتركه: "وأصله ودع يدع، وقد أميت ماضيه، لا يقال: ودعه، وإنما يقال: تركه".
[ ١ / ٣٢ ]
وقد نازعه محشى القاموس، في القول بأن "ماضى ودع أميت غير أنهذه المنازعة لا تدفع ما قاله: أبو حيان" من أن العرب استعنت في فصيح كلامها عن ودع.
والودع: الترك، وقد استعمل حسيًا في الوديعة، تترك في مكان أو لدى من يرجى أن يؤتمن عليها، وأستعمل التوديع في الترك لفراق، وقال الومخشري: "التوديع مبالغة في الدةع، لأن من ودعك مفارقًا فقد بالغ في تركك" وذلك ما تحكم به قواعدهم؛ لولا أن العربية استغنت عن الثلاثى من (ودع) في فصيح كلامها.
ولم يجيء من المادة في القرآن، بصيغة الفعل الماضي إلا آية الضحى وجاء منها فعل الأمر في آية الأحزاب ٤٨:
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ .
زجاءت صيغة مستودع مرتين، عطفًا على مستقر، في:
آية الأنعام ٩٨: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ .
وآية هود ٦: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ .
والقلى: البغض، وربما كان القلق المادى، أسبق في الدلالة الحسية للمادة، حيث نلحظه بوضوح فيما جاء من استعمالات حسية لها: فالقلا والمقلى، عودان يلعب بهما الصبيان، وقلا الإبل ساقها شديدًا، واللحم أنضجه في المقلى والمقلاة.
ومن القلق الملحوظ أصلًا في المادة، جاء معنى التجافي والإرتحال، فيقال: أقلولى الرجل: قلق، ورحل، وتجافي. وأكثر ما تستعمل المادة يائية، في البغض والكره غاية الكراعة، (القاموس) وقد انتهى "إبن سيده" بالبغض الشديد إلى الترك والهجر، فقال في (المحكم): "قليته قلى أبغضته وكرهته غاية الكره فتركته".
[ ١ / ٣٣ ]
والمادة جاءت في القرآن مرتين: آية الضحى، وآية الشعراء ١٦٨:
"قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ .
ودلالتها على البغض والكراهية الشديدة والنفور واضحة.
وبشدة البغض، فسرها "الراغب" في (المفردات) في الموضعين.
* * *
ووقفوا طويلًا عند حذف ضمير الخطاب: في قلىَ، فقال الزمخشري: إنه اختصار لفظي، لظهور المحذوف، ونظر له بقوله تعالى:
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾
وهو قريب من قول الطبري في تعليل الحذف: "إنه إكتفاء بفهم السامع لمعناه، إذ كان قد تقدم ذلك قوله: ما ودعك، فعرف بذلك أن المخاطب به نبي الله - ﷺ -﴾ .
كذلك ذهب "أبو حيان" إلى أن الحذف للإختصار.
لكن النيسابوري أضاف سببًا آخر، وهو رعاية الفاصلة: والضحى سجى وقال مثل ذلك في الآيات بعدها: فآوى. فهدى فأغنى.
وعد "الرازي" في حذف الكاف ثلاثة وجوه:
* الاكتفاء بالكاف الأولى في "ودعك".
* أن اتفاق الفواصل، أوجب حذف الكاف.
* فائدة الإطلاق، أي أنه ما قلاك ولا أحدًا من أصحابك، ولا أحدًا ممن أحبك إلى يوم القيامة.
وفي الإطلاق، على ما بينه الرازي، توسع لا يعطيه صريح السياق خطابًا للمصطفى - ﷺ - بعد فتور الوحي.
[ ١ / ٣٤ ]
وأما تعليل الحذف برعاية الفاصل، فليس من المقبول عندنا أن يقوم البيان القرآني على اعتبار لفظي محض، وإنما الحذف لمقتضى معنوي بلاغي، يقويه الأداء اللفظي، دون أن يكون الملجظ الشكلي هو الأصل. ولو كان البيان القرآني يتعلق بمثل هذا، لما عدل عن رعاية الفاصلة في آخر سورة الضحى:
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .
وليس في السورة كلها ثاء فاصلة، بل ليس فيها حرف الثاء على الإطلاق، ولم يقل تعالى: فخبرْ، لتتفق الفواصل على مذهب أصحاب الصنعة ومن يتعلقون به.
ويبقى القول بأن الحذف لدلالة ما قبله على المحذوف، وتقتضيه حساسية معنوية مرهفة، بالغة الدقة في اللطف والإيناس، هي تحاشي خطابه تعالى لحبيبه المصطفى في مقام الإيناس: ما قلاك. لما في القلى من الطرد والإبعاد وشدة البغض. أما التوديع فلا شيء فيه من ذلك. بل لعل الحس اللغوي فيه يؤذن بالفراق على كره، مع رجاء العودة واللقاء.
* * *
وقد سبق في هذا التوديع عند سبب النزول.
ولا نرى أن نقف هنا عندما ورد في بعض كتب التفسير من تحديد سبب الإبطاء في الوحي، كالذي ذكره "الرازي" و"النيسابورى" من أن اليهود سألوا النبي عن ثلاث نسائل: الروح، وذي القرنين واصحاب الكهف. فقال - ﷺ -: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله: أو أن الوحي أبطأ، لأن جرةًا للحسن والحسين، - ﵄ -، كان في بيت النبي ﵊، فقال جبريل: "أما علمت أنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة؟ " أو أنه كان فيهم من لا يقلم الأظفار
وحكاية الجرو هذه، وردت كذلك في (البحر المحيط لأبي حيان) ولا أدري كيف فاتهم أن الحسن والحسين - ﵄ - ولدا بعد الهجرة
[ ١ / ٣٥ ]
بثلاث سنوات وأربع، وسورة الضحى من أوائل الوحي، نزلت بمكة قبل الهجرة بسنين. والذي يعطيه ظاهر النص، أن فتور الوحي ظاهرة طبيعية، شأنها شأن سجو الليل بعد إشراق الضحى. وهذا يغنينا عن تقديم أسباب والتماس علل للإبطاء في الوحي، لم يتعلق القرآن بذكرها.
كذلك لا نرى وجهًا للوقوف عندما ذكر مفسرون في تحديد مدة الإبطاء، باثنى عشر يومًا، أو خمسة عشر، أو خمسة وعشرين، أو أربعين، إذ يغنينا عن مثل هذا، سكوت القرآن عن تحديد فترة الوحي باليوم أو بالشهر، ولو كان البيان القرآني يرى حاجة إلى هذا التحديد، ليزيد في اليقين النفسي، لما أمسك عن ذلك التحديد؛ لأن مقتضى البيان أن يستوفى كل ما يدعو إليه المقاك مما يتصل بغايته، فإذا أمسك هنا عن ذكر سبب الإبطاء وتحديد مدته، فلأن الذي يعنيه هو جوهر الموقف لا تفصيلاته الجزئية، فسواء أكان السبب هو ما ذكره المفسرون ام غيره، وسواء أكانت فترة إبطاء الوحي أثنى عشر يومًا أم أربعين، وسواء أقال قائل - منْ كان - ودع محمدًا ربه وقلاه، أم أنه - ﷺ - شعر بالاستيحاش لفتور الوحي. فالمهم هنا هو جوهر الموقف، ولا شيء من جزئياته بذي جدوى على المعنى.
* * *
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ .
الآخرة تأتي غالبًا، مقابل الدنيا. والمعنى الأول في المادة هو التأخير، كما ان المعنى في الدنيا هوالدنو. فإذا اقترنت الآخرة بالدار، أو باليوم، غلب أنها اليوم الآخر، أما إذا أطلقت، فهي ذات دلالة أعم، يدخل فيها: النهاية، والمصير، والعقبي، سواء في هذه الحياة، أو فيما بعدها.
وفي آية الضحى، يرجع أن الآخرة هي الغد المرجو، مجيئها مع ﴿لَكَ﴾ خاصة بمحمد - ﷺ -. وقد أكد الله بهذا الخير الموعود، نفى التوديع والقلى، ليذهب عن رسوله أثر فتور الوحي. والصلة بين هذه الآية والآيات
[ ١ / ٣٦ ]
قبلها، أوضح من أن نتكلف لها الأسباب والوجوه على نحو ما فعل بعض المفسرين كالرازي الذي ذكر فيها وجوهًا ثلاثة:
أحدها: أن إنقطاع الوحي لا يجوز أن يكون لعزل عن النبوة، بل أقصى ما في هذا الباب أنه أمارة الموت، والموت خير لك لما أعد لك عند الله في الآخرة.
والثاني: انه لما نزل قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، حصل له تشريف عظيم، فكأنه أستعظم هذا التشريف، فقيل له إن ما لك عند الله في الآخرة خير وأعظم.
والثالث: وقد صدره الرازي بقوله: وهو ما يخطر ببالي - وللأحوال الآتية خير لك من الماضية.
ثم عقب على هذا، بذكر طرق يعرف بها أن الآخرة خير له من الأولى، وهي:
* لأنك في الدنيا تفعل ما نريد، ولكن الآخرة خير لك لأنا نفعل ما تريد.
* وأن الآخرة خير لك، إذ تجتمع عندك أمتك.
* وهي خير لك لأنك أشتريتها، أما هذه الدنيا فليست لك.
* وفي الأولى يطعن الكفار فيك، أما في الآخرة فأجعل أمتك شهداء على الأمم، وأجعلك شهيداُ على الأنبياء، ثم أجعل ذاتي شهيدًا عليك.
* إن خيرات الدنيا قليلة مشوبة منقطعة، ولذات الآخرة كثيرة خالصة لك.
وفسر "الشيخ محمد عبده" الآخرة والأولى بالبداية والنهاية، قال: "ولنهاية أمرك خير لك من بدايته" ثم زاد إيضاحًا: "إن كرة الوحي ثانيًا، ستكمل الدين وتتم بها نعمة الله على أهله، وأين بداية الوحي من نهايته؟ " فكأنه يريد أن يحدد الآخرة، بنهاية الوحي.
[ ١ / ٣٧ ]
وفي القرآن الكريم وردت الكلمة مائة وثلاث عشرة مرة، فيما أحصيت يغلب أنها للدار أو الحياة الآخرة، مقابلة للدنيا. على أنها قد تأتي لغيرها بدلالة من صريح السياق، مثل آية (ص ٧):
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ .
ونستأنس في فهم آية الضحى، بآيات مثلها جاءت فيها الآخرة مقترنة بالأولى: بواو العطف:
النجم ٢٥: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ .
النازعات ٢٥: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ .
القصص ٧٠: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ .
الليل ١٣: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ .
فنرى آية الضحى تنفرد عنها بأنها خاصة بمحمد - ﷺ -، في حالة بعينها هي توهم توديع الله إياه في أولاه، وقد نفى الله تعالى هذا التوديع، ثم أكد له أن أخراه خير من أولاه. وجاءت الآية بعدها:
﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ .
يتكامل بها التجلي الإلهي على المصطفى: ما تركك فيما مضى، وللآخرة خير لك من الأولى
ولا وجه عندنا لتحدبد المقصود بالعطاء في الآية، بما ذكره "الرازي" أو غيره بل نؤثر إطلاقه، مسايرة للبيان القرآني الذي يشأ أن يحدده. فحسب الرسول - ﷺ - الإعطاء الذي يرضيه، وليس وراء الرضى مطمح، ولا بعدم غاية، وما كان لنا أن نحتكم بأذواقنا وأمزجتنا وشخصياتنا، وظروفنا وأحوالنا، في تحديد هذا الذي يرضي الرسول، أو نشغل عن تدبر سر البيان في إطلاقه العام وإنتهائه إلى الرضى، بمثل ما شغل به كثير من المفسرين: فمن قائل في العطاء الموعود: "إنه ألفقصر في الجنة، في كل قصر ما ينبغي من الأزواج والخدم" على ما نقل الطبري بإسناده عن إبن عباس، وتلقفه مفسرون من بعده لم يكفهم هذا التحديد بالنوع والعدد، بل زادوا فحددوا مواد البناء: فهي
[ ١ / ٣٨ ]
ألف قصر من لؤلؤ، ترابهن المسك، وفيهن ما يصلحهن. عن إبن عباس أيضًا.
وأختاروا اللون كذلك، فقالوا إن القصور الألف من لؤلؤ أبيض. وما أرى ألف قصر في الجنة، أو ألف ألف، من لؤلؤ أو غير لؤلؤ، ترابهن المسك أو العنبر. بالغة في تقدير العطاء الموعود ما تبلغه الكلمة القرآنية "فَتَرْضَى﴾ بما تمضي في العطاء، إلى غاية الرضا.
وآخرون، ذهبوا في تفسير العطاء إلى أنه إشارة إلى ما سوف يعطى الله رسوله من الظفر بأعدائه، وفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، والفتوح الكبرى على أيدي خلفائه.
كما قيل في العطاء كذلك: إنه الشفاعة والمغفرة "لأن الله أمره بالاستغفار للمذنبين، ويرضيه - ﷺ - أن يجاب طلبه. ولأن مقدمة الآية مناسبة لذلك، كأنه تعالى يقول: لا أودعك ولا أبغضك، بل لا أغضب على أحد من أصحابك وأتباعك وأشياعك طلبًا لمرضاتك" كما استدلوا بأن الأحاديث الكثيرة الواردة في الشفاعة، دالة على أن رضى الرسول في العفو عن المذنبين من أمته.
رده "إبن القيم" قائلًا:
"وأما ما يغير به الجهال من أنه - ﷺ -، لا يرضى وواحد من أمته في النار، فهذا من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم، فإنه صلوات الله وسلامه عليه، يرضى بما يرضى به ﵎، وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة، ولا يشفع الرسول عنده إلا بإذنه".
ويميل: إبن القيم" إلى تعميم العطاء "فهو يعم ما في الدنيا من القرآن والهدى والصر وكثرة الأتباع ورفع ذكره وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته".
[ ١ / ٣٩ ]
ووقف الشيخ محمد عبده، مثل هذا الموقف، فحمل على "ما للمفسرين هنا من كلام في الشفاعة، وفي تكريم آل بيت النبوة، حشروه في التفسير حشرًا، وأكثره بعيد عن روح الدين الذي جاء به القرآن، والأليق به كتب المذاهب التي ساء بها حال المسلمين وتفرقت بسببها كلمتهم".
وفسر العطاء بنحو ما فسره به "إبن القيم: فقال:: إنه "توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك، ومن ظهور دينك وعلو كلمنك وإسعاد قومك بما تشرع لهم، وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة".
ونرى مع هذا، أن في تحديد العطاء، جورًا عليه. والأليق بجلال الموقف أن يكتفي فيه بالرضى على ما أراد البيان القرآني، فوق كل تحديد، ووراء كل وصف!
* * *
في الصنعة الإعرابية، أثار بعض المفسرين هنا مشكلات ما أغنى البيان القرآني عنها: القاعدة النحوية أن اللام في (سوف) إن كانت للقسم، لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد، وإن كانت اللام للإبتداء فإنها لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر
لابد إذا من تكلف وإحتيال، لتسوية الصنعة!
وقد رأى "الزمخشري" أنه "لآبد من تقدير مبتدأ محذوف، وأن يكون أصل العبارة: ولأنت سوف يعطيك ربك فترضى.
وكذلك قال "أبو حيان": إن اللام هنا لام إبتداء أكدت مضمون الجملة على إضمار مبتدأ أي: ولأنت سوف يعطيك.
وندرك جور الصنعة الإعرابية على هذا البيان العالي، إذا احتكمنا
[ ١ / ٤٠ ]
إلى حس العربية، ووازنًا بين التعبير القرآني ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وذلك التأويل المقدر، الذي قال عنه "الزمخشري" إنه الأصل: ولأنت سوف يعطيك.
وأراهم جاوزوا قدرهم، حين يؤولون الآية المحكمة من البيان الأعلى، فيقول قائلهم: لابد من تقدير كذا لأن اصل التعبير كذا!
وكان يكفي أن يأتي التعبير في الكتاب العربي المبين، ليكون هو الشاهد والحجة، والأصل الذي تعرض عليه كل قاعدة لغوية أو بلاغية، لا أن نحكم فيه قواعد للنحاة والبلاغيين، في دراستهم للعربية علمًا وصنعه!!
وأثار بعضهم كذلك مشكله أخرى:
كيف يجتمع التوكيد المستفاد من اللام، مع التسويف الصريح في ﴿سَوْفَ﴾؟ ثم أجابوا بأن العطاء كائن لا محالة إن تأخر، لما في التأخير من مصلحة.
وربطه الشيخ حمح عبده بإكمال الدين فقال: "إن إكمال الدين لم يتم إلا في عشرين سنة، ونزلت الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فاستعمال حرف التسويف لذلك".
وهم هنا، كدأبهم، يثيرون مسائل ثم يتكلفون لها الجواب. تأكيد المستقبل ليس بموضع سؤال، ولا هو ببعيد عن مألوف العربية. والبيان إنما يتسق هنا ويتكامل بلفظ ﴿سَوْفَ﴾ إيناسًا للرسول المصطفى بأنه كان سوف يظل موضععناية ربه: في أمسه وغده، في أولاه وأخراه
* * *
[ ١ / ٤١ ]
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ .
مناسبة ارتباط هذه الآيات لما قبلها واضح، فهو تعالى يبث في نفس الرسول الطمأنينة ويثبت قلبه بلفته إلى ما أسبغ الله عليه في اولاه من نعم: كان يتيمًا، بل مضاعف اليُتم، فأواه ووقاه مسكنه اليتم، وكان ضالًا حائرًا، فهداه تعالى إلى دين الحق، وكان عائلًا فأغناه بفضله وكرمه، أفما يكفي هذا ليطمئن المصطفى إلى أن الله غير تاركه ولا مودعه؟ وهل تركه حين كان صبيًا يتيمًا معرضًا لما يتعرض له الصبية اليتامى من قهر وضياع؟ وهل قلاه حين كان ذا عيلة، حائرًا يرهقه التفكير في ضلال قومه ثم لا يدرى سبيل النجاة؟
لكن الآيات البينات لم تفهم بهذا اليسر، وإنما ذهب المفسرون إلى تأويلات شتى، لتحديد المقصود باليتم، والغنى، والضلال.
ونعرض أولًا أقوالهم في اليتم والإيواه، والعيلة واإغناء، والضلال والهدى، ثم نحتكم فيها إلى القرآن الكريم:
ففي اليتم والإيواء، قال "الرازي": إنه من قولهم درة يتيمة، والمعنى: ألم يجدك واحدًا في قريش عديم النظير، فآواك أي جعل لك من تأوى إليه وهو أبو طلب، وقرئ: فأوى - بالتخفيف، أى رحم.
ويقول الزمخشري، محقًا: "إن تفسير يتيم هنا بالدرة اليتيمة، من بدع التفاسير" وإنما اليتم عنده فقدان الأب، ومثله أبو حيان في البحر، وقال: "الراغب" في المفردات: اليتم - في آية الضحى - إنقطاع الصبي من أبيه قبل بلوغه.
وهذا هو الأصل في اليتم لغة، ثم قيل لكل منفرد: يتم، ومنه الدرة اليتيمة أي المفردة.
والقرآن استعمل اليتم، مفردًا ومثنى وجمعًا، ثلاثًا وعشرين مرة، كلها بمعنى اليتم الذي هو فقدان الأب.
[ ١ / ٤٢ ]
ويلحظ فيه اقتران اليتم بالمسكنة في أحد عشر موضعًا:
البقرة ٨٣، ١٧٧، ٢١٥، والنساء ٨، ٣٥، والأنفال ٤١، والحشر ٧ والدهر ٨، والفجر ١٧، والبلد ١٥، والماعون ٢.
كما ذكر فيه من آثار اليتم: الجور، وأكل المال
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ . النساء ١٠- ومعها: الأنعام ١٥٢ والإسراء ٣٤ والنساء ٢، ٦.
وعدم الإكرام: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ . الفجر ١٧.
والدع. الذي هو الدفع العنيف مع جفوة:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ . الماعون ١: ٣.
والقهر، في آية الضحى.
وأما هذا التتيع، لا نملك إلا أن نستبعد تفسير اليتم بغير ذاك الذي في القرآن، وقد ولد محمد يتيمًا، ثم تضاعف يتمه بموت أمه وجده، لكنه تعالى نجاه من آثار اليتم التي هي، بشواهد من آيات الكتاب الكريم: الدع والقهر، والإنكسار والجور. مما كان مظنه أن يكسر نفسه. فذلك هو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ ترشيحًا بهذا الإيواء الإلهي - غير المقيد بمتعلق - إلى ما بعده من نعمة الهداية بعد حيرة وضلال، وتهيئة لحمل الرسالة الكبرى.
وقد جاء الفعل من ﴿آوَى﴾ في القرآن، أربع عشرة مرة، لا يخطئ الحس فيها جميعًا معنى المأمن والحمى والملاذ، إما حقيقة، وإما على سبيل الرجاء، وهو ما سوف نزيده تفصيلًا، في سورة النازعات.
* * *
[ ١ / ٤٣ ]
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ .
أصل الضلال في الاستعمال اللغوي، من فقدان الطريق: أرض مضلة، يضل فيها. والضلة الحيرة.
ونقيض الضلال: الهدى، وقد استعملته العربية حسيًا في الصخرة الناتئة في الماء يؤمن بها العثار، وفي وجه النهار، يكشف معالم الطريق فيؤمن الضلال. ثم جاء الاستعمال المعنوي للضلال والهدى، ملحوظًا فيهما الأصل الحسي، والاستعمال في المصطلح الديني للضلال والهدى بمعنى الكفر والإيمان، وقوى هذا الاستعمال الاصطلاحي حتى كاد يكون هو المتبادر، عند الإطلاق.
والقرآن الكريم، قد استعمل الضلال بمعنى الكفر والباطل ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ مع بقاء الملحظ الحسي اللغوي الذي هو ضلال الطريق، بدليل إقتران الضلال بالسبيل، عشرين مرة، ومعها آية السجدة ١٠:
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ .
ويؤيد هذا الملحظ، استعمال العمى في الضلال، في آية النمل ٨١:
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ .
وفي آية الإسراء ٧٢:
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ .
ومن المفسرين من قالوا في آية الضحى: إن الضلال هنا هو الكفر، ذكره "الرازي" معزوًا إلى الكلبي والسدي ومقاتل، بمعنى أن محمدًا - ﷺ - كان على أمر قومه أربعين سنة.
وأنكره جمهور المفسرين، وردوه بأن الأنبياء يجب أن يكونوا معصومين، قبل النبوة وبعدها، من الكبائر والصغائر الشائبة، فما بال الكفر؟!
وذهبوا بعد ذلك في تأويل الضلال، مذاهب شتى بلغت، في تفسير
[ ١ / ٤٤ ]
الرازي وحده، عشرين تأويلًا! منها الضلال عن القبلة، ومنها الضلال عن الهجرة متحيرًا في يد قريش يتمنى فراقهم ولكن لا يمكنه الخروج بغير إذن من ربه، ومنه الضلال عن أمور الدنيا وشئون التجارة، فهداه الله فربحت تجارته!
وقد نعلم من السيرة النبوية وتاريخ عصر المبعث، أن سيدنا محمدًا كف عن شواغل التجارة قبل المبعث منذ آثر الاعتكاف والخلوة في غار حراء، وأنه - ﷺ -، لم يتجه إلى الهجرة من مكة، إلا في عام الحزن، قبل الهجرة بثلاث سنوات، أي بعد نزول آية الضحى بسنين وصريح نصها، فيما كان من ماضي حال المصطفى ﵊، لا فيما يستقبل من أمره.
وذكر الزمخشري وأبو حيان في تفسير الضلال، أن سيدنا محمدًا "ضل في شعاب مكة وهو صغير، فرده الله إلى جده، وقيل ضلاله من حليمة مرضعته، وقيل ضل في طريق الشام."
واستطرد أبو حيان يقول: إنه فكر طويلًا في هذه الآية، غير مطمئن إلى أقوال المفسرين فيها، وشغل بها في منامه، فإذا به يقول: وجدك ضالًا فهدى، أي وجد رهطك ضالًا فهداه بك. على حذف المضاف، أي رهط. ونظيره عنده، قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهلها.
وما بنا حاجة إلى كل هذه التأويلات، ما ذكرناه منها وما لم نذكر، بل يكتفي في الرد على من فسروا الضلال بالكفر، أن الاستعمال القرآني لا يلتزم دائمًا هذا المعنى الاصطلاحي، وإنما لحظ فيه - كما رأينا - الأصل اللغوي من ضلال الطريق، أو عدم الإهتداء إلى الصواب:
قال إخوة يوسف لأبيهم" ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ وقالوا: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
وليس الضلال هنا كفرًا، وإنما هو الشغف بيوسف.
[ ١ / ٤٥ ]
وقالت النسوة في امرأة العزيز ويوسف: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ .
وفي آية الشعراء (٢٠) حكاية عن موسى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ .
وفي شهادة رجل وامرأتين على الدين بآية (البقرة ٢٨٢): ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ .
وليس شيء من هذه الآيات بالذي يحمل الضلال فيه، على معناه الاصطلاحي وهو الكفر.
فالاحتكام إلى القرآن الكريم نفسه، يعفينا من التزام المصطلح في لفظ الضلال بمعنى الكفر، وهو أيضًا يعفينا من تلك التأويلات العشرين التي تكلفوها في تفسير الآية لينفوا الكفر عن سيدنا محمد قبل أن يبعث.
وغريب عندنا كذلك، أن نتصور أن الله منَّ على رسوله، بأنه رده إلى أهله حين ضل في شعاب مكة، أو عند حليمة، أو في طريق الشام! وإن من صغار الأطفال من يضل فيرده إلى أهلهم راد، ربما كوفئ ببضعة دراهم (حلاوة) نظير معروفة!
ومثله في الغرابة، أن تكون نعمة الله على من اصطفاه لرسالته، أن ربحت تجارته، بعد ضلالة في أمورها وفي شئون الدنيا!
وقد قال: "الراغب" في تفسير الضلال: إنه ترك الطريق المستقيمة عمدًا كان أو سهوًا، قليلًا كان أو كثيرًا.
ولا نقول هنا إلا ما قاله الله تعالى لنبيه المصطفى: "مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ فقد كانت حالته قبل المبعث حالة حيرة: عاف حال قومه وأنكرها، ولكن أين الطريق المستقيم؟ وكيف المخرج والنجاة؟
[ ١ / ٤٦ ]
ولبث على حيرته أمدًا، حتى جاءته الرسالة فهدته إلى الدين القيم وأبانت له سواء السبيل بعد طول حيرة وضلال.
وإلى مثل هذا، ينتهي رأي "الشيخ محمد عبده".
ونحن بهذا في غنى عما لجأ إليه أبو حيان في رؤياه، من افتراض مضاف محذوف، على تقدير: وجد رهطك ضالًا فهداه بك. . .
* * *
﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ .
العيلة في اللغة الفاقة والعوز. يقال: عالني الشيء، إذا أعوزني. ومنه قالوا للرجل: عائل، إذا كثر عياله لأنهم عالة، ولحظ فيه مع كثرة العيال ثقل العبء مما يظن معه الضيق المادي والعوز، ومن ثم قيل: عال، بمعنى أفتقر.
ولم ترد المادة في القرآن إلا مرتين:
آية الضحى، وآية التوبة ٢٨:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ .
وهي في المرتين، كلتيهما، مقابلة بالغنى.
فما الغنى؟
أخذه مفسرون بمعنى الإثراء، وهو المعنى القريب المتبادر، ففسروا آية الضحى بأن الله تعالى: ﴿أغناه في صباه بتربية أبي طالب، ولما اختلت أحواله أغناه بمال خديجة، ولما أختل ذلك أغناه بمال أبي بكر، ولما أختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار، ثم أمره بالجهاد وأغناه بالغنائم".
وأختصر الشيخ محمد عبده هذه السلسة من الاختلال والإغناء، مكتفيًا بربح التجارة، ومال السيدة خديجة، قال:
[ ١ / ٤٧ ]
"وكان الرسول فقيرًا لم يترك لم والده من الميراث إلا ناقة وجارية، فأغناه الله بما ربحه في التجارة، وبما وهبت له خديجة من مالها".
وأحسبه بهذا الإكتفاء، أراد أن يتقى المشكلة الزمنية التي أحوجت مفسرين إلى تأول بعيد. فالسورة مكية مبكرة بلا خلاف، وهذا الغنى بالأنصار والغنائم قد كان بعد الهجرة، ومن ثم قالوا: "إن هذا كله كان من معلوم الله، وهو كالواقع، فيكون من قبيل الإخبار بالغيب، وقد وقع بعد ذلك فيكون معجزًا".
على أنهم ذكروا مع غنى المال، احتمال أن يكون الغنى هو القناعة، وغنى القلب، والصبر، والكفاف.
وجعل "الراغب" الغني ضروبًا: فهو عدم الحاجات وليس ذلك إلا لله، وهو غنى النفس، وكثرة المقتنيات، والتعفف.
* * *
وأول ما نلحظه حين نحتكم إلى القرآن، أن الغنى فيه غير مرادف للثراء الذي لم يستعمله القرآن قط. وأسند الغنى إلى غير المال في مثل آيات:
الأعراف ٤٨: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ ومعها الأنفال ١٩.
هود ١٠١: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
يونس ٣٦: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ . ومعها أية النجم ٢٨.
يونس ١٠١: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ومعها آية القمر: ٥
[ ١ / ٤٨ ]
يوسف ٦٧: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ .
الطور ٤٦: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ .
المرسلات ٣١: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ .
الغاشية ٧: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ .
النجم ٣٦: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ومعها يس ٢٣ والتحريم.
الجاثية ١٩: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ .
عبس ٣٧: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ .
إبراهيم ٢١: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؟ ومعها آية غافر ٤٧.
ولا يمكن أن يفسر الإغناء في أي موضع منها بالإثراء.
* * *
وجاء الغنى بمعنى الاستغناء، في مثل آيات:
التغابن ٦: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
عبس ٥: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ .
العلق ٧: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ .
[ ١ / ٤٩ ]
وفرق القرآن بين الغنى والمال، فقد يكون الغنى مع الفقر المالي كما في:
آية البقرة ٢٧٣: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ .
ونظيره نفى الغنى مع المال والثراء، في مثل آيات:
المسد ٢: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ .
الحاقة ٢٨: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ .
الليل ١١: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ .
الجاثية ١٠: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾ .
ومعها ىية الحجر ٨٤. وآيات آل عمران ١٠، ١١٦ والمجادلة ١٧: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ .
والغني، من أسماء الله الحسنى، ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ . وقد ورد في القرآن سبع عشرة مرة، وليس من أسمائه تعالى "الثري".
وأن يكن القرآن استعمل الغنى للمال في مثل آيات (النساء ٦، ١٣٠، ١٣٥ وآل عمران ١٨١ والتوبة ٩٣ والحشر ٧) فلسنا نعرف أن الرسول - ﷺ - قد أثرى بعد المبعث أو اقتنة مالًا، بل لا نعرف أن مستوى حياته قد تغير ماديًا، بعد أن أفاء الله عليه ما أفاء من غنائم، فحمل الغني على الثراء المالي، ولا يعين عليخ ما نعلم من سيرة الرسول - ﷺ - من تعفف وتجمل مع فقر، ومن قناعة وزهد وتواضع في المأكل والمشرب والمسكن، بعد أن سعت إليه الدنيا. ولو كان غنى المال مما يعده الله من نعمه على رسوله في الدنيا، لكان هناك من كشركي قريش، أمثال أبي لهب وأبي سفيان، وأبي جهل بن هشام، من هم أولى بذاك، على ما نعلم ويعلم المفسرون مما قاسى المصطفى من فقر مالي، في صباه، ثم بعد المبعث في محنة الحصار يشعب أبي طالب، وعلى ما صحت به الأخبار من بساطة حياته - ﷺ -، بعد أن أتم الله عليه بالنصر نعمته.
[ ١ / ٥٠ ]
وإنما أغناه الله بالتعفف وسد الحاجة، فلم يذله فقر المال، كما لم يكسر اليتم نفسه، بل وقاه الله وقاية نفسية معنوية من آثار اليتم والفقر والضلال، وليست وقاية مادية ترد إليه آباه الذي مات قبل مولده، وتملأ خزانته بالمال، وتهييء له رغد العيش.
واليتم مظنة الضياع والقهر:
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ .
والفقر مظنة الذل والعوز، وقد وجد الله محمدًا يتيمًا عائلًا، فأعفاه سبحانه، منذ كان، من تلك الآثار البغيضة، وسلم جوهرهُ من الآفات التي كان معرضًا لها بحكم يتمه وعيلته، وبذلك تم فيه الاستعداد النفسي لتلقي الرسالة الكبرى التي بعث بها لقي الناس من المذلة والهوان والضلال.
واستعمل القرىن في الآيات الثلاث، الفعل ﴿وَجَدَ﴾ وهو من أفعال القلوب ولم يقل مثلًا: أما كنت يتيمًا، وكنت عائلًا، فسيطر الجو المعنوي النفسي على الموقف، وتهيأت للرسول الطمأنينة الوجدانية لتلقى الآيات الكريمة.
وفي حذف كاف الخطاب من: "فآوى، فهدى، فأغنى" قال مفسرون بالحذف لرعاية الفواصل. وهو ما لا نرى البيان العالى يتعلق به. وأولى منه قول من قالوا بالحذف لدلالة صريح السياق على المخاطب. ونضيف إليها فائدة الإطلاق، فتحتمل: فآواك وآوى برسالتك اليتامى والمستضعفين، فهداك وهدى بك أمتك، فأغناك وأغناها بك.
* * *
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .
قال المفسرون هنا في قهر اليتيم: لا تغلبه على ماله وحقه لضعف حاله.
وقال أبو حيان: إنه التسلط بما يؤذى، ومنع اليتيم حقه.
[ ١ / ٥١ ]
ونرى الإيحاء النفسي للكلمة القرآنية ﴿فَلَا تَقْهَرْ﴾ أعمق وأدق من أن يضبط بهذه التفسيرات المحدودة، فلا الظالم، ولا التسلط بما يؤذى، ولا منع الحق، ببالغ في التأثير ما يبلغه قوله تعالى: فلا تقهر. إذ يجوز أن يقع القهر، مع إنصاف اليتم، وإعطائه ماله، وعدم التسلط عليه بالأذى: لأن حساسية اليتم، بحيث تتأثر بالكلمة العابرة، واللفتة الجارحة عن غير قصد، والنبرة المؤلمة بلا تنبة، وإن لم يصحبها تسلط بالأذى أو غلبة على ماله وحقه.
والقهر في اللغة: الغلبة، وقد جاء من المادة في القرآن صيغة القهر (الأنعام ١٨، ٦١) وقاهرون (أعراف ١٢٧) والقهار (يوسف ٣٩، الرعد ١٦، ص ٦٥، الزمر ٤، إبراهيم ٤٨، غافر ١٦) .
وكل قاهر، وقهار، وفي القرآن الكريم، من صفات الله تعالى، مع إقتران القهار بالواحد، في الآيات الست التي وردت فيها: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ .
وفي هذا ما يؤذن بأن المخلوق لا يحل له أن يتسلط بالقهر على مخلوق مثله، فكيف باليتيم المحتاج إلى الرعاية والعطف؟!
وجاء منه ﴿قَاهِرُونَ﴾ على لسان فرعون في آية الأعراف:
﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ انتحالًا لصفة الربوبية ممن حشر فنادى ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ .
أما الفعل من القهر، فلم يأت في القرىن كله، في غير آية الضحى، خاصة باليتيم، وجاء دع اليتيم تكذيبًا بالدين في آية الماعون:
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ بما في الدع من قسوة الدفع والزجر.
وآية الفجر: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ .
* * *
وفي "السائل" قيل: هو المستجدي، وقيل هو طالب العلم (الزمخشري والنيسابورى) وصرح غبن القيم بأن ﴿آية الضحى تتناولهما معًا" يعني: سائل المعروف والصدقة، وطالب العلم.
[ ١ / ٥٢ ]
واختار "الطبري" كل ذي حاجة.
واختار الشيخ محمد عبده: المستفهم عما لا يعلم، وهو عندنا أولى بالمقام، ويؤيده الاستئناس بالاستعمال القرآني لمادة ﴿سْأَلُ﴾ حيث ترد كثيرًا في هذا المعنى، كما يرجحها سياق الآيات قبلها.
* * *
أما النعمة، فهي النبوة عند جمهرة المفسرين، وخصها قوم بالقرآن، واتجه بها الشيخ محمد عبده إلى الغنى بعد عيلة في نسق السورة، مقابلة لقوله تعالى" ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ .
قال: "وقد يقال إن المراد بالنعمة النبوة، ولكن سياق الآيات على أن هذه الآية مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ فتكون النعمة بمعنى الغنى، ولو كانت بمعنى النبوة لكانت مقابلة لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ".
أما الزمخشري، فرد النعمة إلى ما سبق من إيواء، وهداية، وإغناء.
وعم بعضهم بها جميع النعم.
واالفظ - لغة - يحتمل هذا، ففي العربية من الاستعمالات الحسية للمادة: الناعمة الروضة، والتنعيمة شجرة ناعمة الورق، والنعم الإبل والشاء. ومن معاني النعمة: الفرح والمسرة، والإكرام، والحفض، والدعة، والرفاهة، والعطية، واليد البيضاء الصالحة.
وتتبع المادة في القرآن، لا يمنع - والله أعلم - شيئًا مما قاله المفسرون، وإن كنا نلمح لها في آية الضحى دلالة خاصة، يوحى بها السياق. وقد التفت "الزمخشري" - كما رأينا - إلى صلتها بما قبلها من إيواء وهدى وإغناء، وبقى ملحظ آخر، وهو ما تعلق بالنعمة: "فحدث" وفيه ما يوجه إلى دلالة خاصة للنعمة في هذه الآية.
قال المفسرون في التحديث بالنعمة: إنه شكرها وإشاعتها، واحتاط
[ ١ / ٥٣ ]
جماعة - منهم الزمخشري والفخر الرازي وتابعهما الشيخ محمد عبده - فذكورا في التحدث بنعمة الله "أنه إنما يحسن حين لا يكون ذلك عن رياء أو تشبه بأهل السمعة".
وهو احتياط في غير موضعه، فماذا كان يظن به - ﷺ - أن يقول في التحدث بنعمة الله مما يشتبه بالرياء والسمعة؟ ومن أي السبل يمكن أن نتصور احتمال الرياء والتشبه بأهل السمعة، ممن اصطفاه الله تعالى خاتمًا للنبين، وقال فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟
وحمل التحدث هنا على الشكر، إذا سمح به الاستعمال اللغوي، فإن السياق لا يعين عليه، وإنما التحدث هنا، هو صريح ما تعلق به مما يتصل بمهمة الرسول التي اصطُفى لها، وهو أن يبلغ رسالة ربه. ومن هنا نؤثر أن تكون النعمة هنا، مهما يكن من دلالاتها المعجمية اللغوية، هي الرسالة، أكبر النعم التي يؤثر بها نبي مرسل.
وقد التفت "الرازي" إلى ملحظ، يتصل بترتيب الآيات الثلاث الأخيرة في السورة، ولكن على غير الوجه الذي ذكره الشيخ محمد عبده فيما نقلنا له من قول.
ففي الآيات الثلاث، قدم الله النهي عن قهر اليتيم، ونهر السائل، على التحدث بنعمته تعالى، ويقول الرازي في ذلك "إن الله أخر حق نفسه وهو الشكر، وقدم حق اليتيم والسائل، لأنه غني وهما محتاجان، وتقديم حق المحتاج أولى"، كما لحظ اعتبارًا آخر، وهو: "أنه تعالى وضع في حظهما الفعل، ورضى لنفسه بالقول" يعني التحدث بنعمته.
ولا بأس بالملحظين كليهما. وقد نرى في ترتيب الآيات، أنع تعالى، نبه رسوله الكريم إلى أن إصلاح الجماعة، يأنى في المنزلة الأولى من الإعتبار والتقدير، حين أجمل له في هذه الآيات الكريمة من مهمة رسالته: أن تدفع ذل الفاقدين، وقهر اليتامى، وحيرة السائلين، ففي رسالة إصلاح وهداية أمر النبي - ﷺ - بالتحدث بها وتبليغها "فهل عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ"؟
[ ١ / ٥٤ ]