بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾
صدق الله العظيم
[ ٢ / ٧٣ ]
السورة مكية مبكرة، والمشهور في ترتيبها أنها الثالثة عشرة في النزول. نزلت بعد الشرح وقبل العاديات.
* * *
والمعنى الأصلي للعصر لغة: الضغط لاستخلاص العصارة. استعملته العربية حسيًا في عصر العنب ونحوه لاعتصار خلاصته. ومنه المعصرة آلة العصر، والمعصرة مكانه. والعواصر ثلاثة أحجار كانوا يعصرون بها.
وسميت السحب الممطرة معصرات لما تعتصر من المطر، وأعصر القوم أمطروا.
كما أطلق الإعصار على الريح الشديدة تسوق السحب.
واستعمل العصر مجازيًا في الحبس بملحظ من الضغط. ومنه القتال المعصر التي ادركت وبلغت سن الحجر. كما استعمل مجاتزيًا في استخلاص المال على وجه العطية أو بالضغط وقيل لكريم النسب: كريم العصر لما فيه من طيب الخلاصة والعنصر.
ومن هذه الدلالة اللغوية الأصلية على الضغط والإعتصار، سمي الدهر عصرًا، بملحظ من استخلاصه عصارة الإنسان بالضغط والتجربة والمعاناة.
كما سمى وقت الأصيل إلى غروب الشمس عصرًا، ملحوظًا فيه مع الدلالة الزمنية أنه تصفية للنهار. وفي المصطلح الديني الإسلامي، سميت صلاة العصر لوقوعها في هذا الوقت من النهار، كما سميت سائر الصلوات الخمس باسماء أوقاتها.
* * *
والذي في القرآن الكريم من المادة:
الْعَصْرِ، بمعناه اللغوي الأول في اعتصار الخمر بآية يوسف ٣٦:
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ .
والمعصرات، للسحب الممطرة في آية النبأ ١٤:
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ .
ومعهما آية يوسف ٤٩:
[ ٢ / ٧٥ ]
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ .
والإعصار في آية البقرة ٢٦٦.
والعَصْرُ، في سورة العصر.
* * *
وقد اختلف أهل التأويل في العصر:
قيل هو الدهر، أو الوقت بعينه من النهار. وعليهما اقتصر "الإمام الطبري" في تفسيره، ثم اختار الدهر.
وقيل أنه صلاة العصر، على حذف المضاف، أو هو عصر النبوة. وقد ساق "الرازي" هذه الأقوال في العصر دون ترجيح بينها، إلا أن يفهم ضمنيًا من إيرادها على الترتيب المذكور آنفًا.
ويبدو أن "الزمخشري" يختار القول بأنها "صلاة العصر لفضلها، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وقول الرسول - ﷺ -: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله". ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجارتهم ومكاسبهم آخر النهار، واشتغالهم بمعايشهم".
نقله أبو حيان في (البحر المحيط) .
وعبارة الزمخشري أوجز وأقرب، من قول الشيخ محمد عبده: "وكان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر، ويتحادثوا ويتذكروا في شئونهم، وقد يكون في حديثهم ما لا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضًا فيتوهم الناس أن الوقت مذموم، فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب، وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل الممقوتة".
وهذا، توسع في أحد الوجوه التي ساقها الفخر الرازي في تفسيره الكبير، والنيسابوري في غرائب القرآن.
والراجح عند "ابن قيم الجوزية" أنه الدهر، قال: "وأكثر المفسرين على أنه
[ ٢ / ٧٦ ]
الدهر. وهذا هو الراجح. وتسمية الدهر عصرًا أمر معروف".
وهو ما نطمئن إليه - كما اطمأن الإمام الطبري - مستأنسين بسياق الآية في السورة، إذ اللفت إلى ما يعتصر الزمن من خلاصة الإنسان، بالضغط والمعاناة، فيكشف عن خيره أو شره.
* * *
والسورة تبدأ بواو القسم وهو عندهم على أصل استعماله اللغوي، لتعظيم المقسم به. ولم يتعلق "الطبري" هنا بفكرة العظمة التي سيطرت على جمهرة المفسرين بعده، فراحوا يتأولون وجه العظمة في العصر على اختلاف الأقوال في تفسيره.
جمع الرازي ستة وجوهٍ في عظمة العصر بمعنى الدهر، وثلاثة أوجه في عظمته بمعنى الوقت المعين من النهار، وستةً في صلاة العصر، ثم بين وجه عظمته إن كان مرادًا به عصر النبوة.
وقد نقلت آنفًا، تأويل الشيخ محمد عبده للقسم بوقت العصر. ولا نعلم أن هذا الوقت في المألوف والعادة وقت اجتماع الناس وتذاكرهم وتحدثهم. بل لعل وقت المساء أولى بهذا. ثم إن احتمال التحدث بما لا يليق وما يؤذي، لا يمكن في تصورنا أن يختص به وقت العصر دون غيره من الأوقات، وإنما هو مما يحتمل وقوعه في أي وقت من ليل أو نهار!
* * *
ومن حيث آثرنا مع الطبري وابن القيم، وأكثر المفسرين، أن يكون العصر بمعنى الدهر والزمن، نكتفي هنا بعرض ما قالوه في عظمة العصر بهذا المعنى.
ولا تكاد أقوالهم تخرج عما استوفاه الفخر الرازي من وجوه عظمة العصر أي الدهر. قال:
"إن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء والصحة والسقم والغنى والفقر، بل فيه ما هو أعجب من كل عجيب، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم فإنه مجزأ مقسم بالسنة والشهر واليوم، ومحكوم عليه بالزيادة
[ ٢ / ٧٧ ]
والنقصان، وكونه ماضيًا ومستقبلًا فكيف يكون معدومًا؟ ولا يمكنه - يعني العقل - أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة، والماضي والمستقبل معدومان، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود؟
"إن بقية عمر المرء لا قيمة لها، فلو ضيعت ألف سنة، ثم ثبت في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد، فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في هذه اللمحة. فكان الدهر والزمان من جملة أصول النعم.
"إن الزمان أعلى وأشرف من المكان، فكان القسم بالعصر قسمًا بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته.
" إنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان.
" إنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عين الخسران. فكأن المعنى: والعصر العجيب أمره حيث يفرح الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح، مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر".
والتفت "ابن القيم" إلى مكان العبرة فيه، قال: "فإن مرور الليل والنهار على تقدير قدرة العزيز العليم، منتظم لمصالح العالم على أكمل ترتيب ونظام، وتعاقبهما مع اعتدالهما تارة وأخذ أحدهما من صاحبه تارة، واختلافهما في الضوء والظلام والحر والبرد، وانتشار الحيوان وسكونه، وانقسام العصر إلى القرون والسنين والأشهر والأيام والساعات وما دونها، آية من آيات الرب تعالى وبرهان من براهين قدرته وحكمته. فأقسم بالعصر الذي هو زمان أفعال الإنسان ومحلها، على عاقبة تلك الأفعال وجزائها، ونبه بالمبدأ وهو خلق الزمان والفاعلين وأفعالهم، على المعاد، وأن قدرته كما لم تقصر عن المبدأ لم تقصر عن المعاد".
وأضاف "النيسابوري" من إشارياته: "أن آخر النهار يشبة تخريب العالم وإماتة الأحياء كما أن أول النهار يشبه بعث الأموات وعمارة العالم. وفيه إشارة إلى أن عمر
[ ٢ / ٧٨ ]
الدنيا ما بقى إلا بقدر ما بين العصر إلى المغرب، فعلى الإنسان أن يشتغل بتجارة لا خسران فيها فإن الوقت قد ضاق وقد لا تدرك ما فات".
كما ذكر "من أعجايب الدهر الدالة على كمال قدره خالقها: أن الدهر موجود يشبه المعدوم ومتحرك يضاهى الساكن وأن عمر الإنسان كبعض منه:
* إذا ما مر يوم بعضى *
و"لشيء أنفس من العمر. وفي تخصيص القسم به إشارة إلى أن الإنسان يضيف المكاره والنوائب إليه، ويحيل شقاءه وخسرانه عليه، فإقسام الله تعالى به دليل على شرفه، وأن الشقاء والخسران إنما لزم لعيب فيه - أي الإنسان - لا في الدهر، ولذلك قال - ﷺ -: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر".
* * *
وترى أنهم حملوا لفظ العصر كل هذه التأويلات الفلسفية والإشارية مما لا نتصور أن القرآن الكريم لفت إليه بلفظ ﴿وَالْعَصْرِ﴾ . وفي البيان القرآني من آيات الليل والنهار ما يجلو الحكمة فيهما بما يفهمه الناس بأيسر ملاحظة وتأمل، ونكتفي هنا بآيتى القصص:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ٧١، ٧٢.
وندع استقراء آيات الليل والنهار، إلى ما يأتي من تفسيرنا لسورة "الليل" وأسلوب القرآن في بيان الآيات وضرب الأمثال للناس، يجعلنا لا نطمئن إلى أن ىية العصر ذكرت هذا اللفظ، وأرادت به كل هذه التأويلات الفلسفية والإشارية
وأولى من هذا كله أن نقف عند لفظ "العصر" لترى وجه العدول فيه عن لفظ "الدهر" الذي قال المفسرون في حكمته وعظمته ما قالوا.
[ ٢ / ٧٩ ]
والفاصلة بكلا اللفظين، العصر والدهر، مرعية، عند من يتعلقون بهذه الصنعة البديعية ويقفون عند الملحظ الشكلي.
وقد قال الرازي في وجه إيثار العصر بذكر: "ولعله تعالى لم يذكر الدهر لعلمه أن الملحد مولع بذكره وتعظيمه".
على حين يذهب النيسابورى إلى أن وجه الإقسام بالعصر هنا "لشرف الدهر" ويروى الحديث: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر".
* * *
ونخلص من هذا كله لنتدبر آية العصر بعيدًا عن فلسفة المتكلمين وتأويلات الإشارببن، فنرى في استقراء مواضع استعمال القرآن لمادة "عصر" ما يهدي إلى ملحظ إطلاق العربية العصر على الدهر، بما يعتصر من خلاصة الإنسان بالضغط والإبتلاء.
وبهذا الملحظ المألوف لدى العرب في عصر المبعث، والعربية لغتهم، تأتي كلمة العصر في سياقها من السورة، لافتة إلى إبتلاء الإنسان بالعصر الذي يصهره بالمعاناة ويعصره بالتجربة والإبتلاء.
والواو هنا في موضعها الذي تطرد به الظاهرة الأسلوبية في اللفت إلى حسى مدرك، توطئة إيضاحية لبيان معنوي غير محسوس ولا مدرك، وهو ما شرحناه بمزيد تفصيل في تفسير سور (الضحى، والعاديات، والنازعات) في الجزء الأول من هذا النفسير، ونغرض له مرة أخرى فيما يلي من تفسير سورتى (الليل، والفجر) .
وبهذا اللفت الموجه إلى ضغطة العصر إبتلاءً، تأتي الآية بعده:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ .
وللمفسرين في الإنسان قولان: إنه لعموم الجنس، أو: إن (ال) للعهد مرادًا بالإنسان جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب، ف راوية عن ابن عباس. وقيل نزلت في أبي لهب، وفي خبر مرفوع أنها نزلت في أبي جهل
"وذلك لأنهم كانوا يقولون: إن محمدًا لفي خسر، فأقسم تعالى بالضد
[ ٢ / ٨٠ ]
مما يتوهمون".
ولا نقف عندما اختلفوا فيه، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي نزلت فيه الآية. والسياق على ظاهره لا يخص الإنسان بفلان أو بآخر. والتعميم فيه مستفاد صراحة من الإطلاق ثم استثناء ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا الاستثناء ينقطع إذا ما كان الإنسان خاصًا بالمعهودين الذين ذكروهم، وليس فيهم من يخرج بالإستثناء مع الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
"وإنما استثنى الذين آمنوا من الإنسان، لأن الإنسان بمعنى الجمع لا بمعنى الواحد" كما قال الإمام الطبري "وللجنس بعامة" كما قال الزمخشر، أو "اسم جنس يعم" كما ذهب أبو حيان، ويوشك أن يكون هذا هو ما اطمأن إليه ابن القيم في (التبيان) .
* * *
وبقى أن نتدبر موضع الإنسان هنا، لنلمح سر الدلالة لهذا اللفظ، لا يقوم مقامه هنا لفظ آخر كالناس أو الإنس، على القول بترادفها.
فاستقراء هذه الألفاظ في كل مواضع استعمالها القرآني. يشهد بأن لكل منها ملحظًا خاصًا في الدلالة، إلى جانب الملحظ الدلالي المشترك فيها جميعًا بحكم تقارب مادتها اللغوية في الأصل:
فالناس لعامة الجنس:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات ١٣)
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ (الرعد ١٧)
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر ٢١)
ويأتي لفظ الإنس في القرآن في ثمانية عشر موضعًا، كلها مع الجن، فشهد ذلك بأن دلالة الإنسية، بما تعني من نقيض الوحشية، هي المتعينة في الإنس.
[ ٢ / ٨١ ]
أما "الإنسان" فإلى جانب كونه من الناس، ومن الإنس نقيض الجان (الحجر ٢٦ والرحمن ١٤) يتميز بدلالة خاصة على الإنسانية. وتتضح هذه الدلالة باستقراء آيات الإنسان في القرآن وعددها خمس وستون آية، في سياق الأهلية لاحتمال تبعات التكليف، والابتلاء بالخير والشر، والتعرض للغواية، وما بلابس ذلك من غرور وطغيان.
والإنسان في القرآن الكريم، لا الإنس، هو الذي أختص بالعلم، وبالبيان والجدل، كما أنه الذي يتلقى الوصية ويحمل الأمانة.
فشهد ذلك بأن الإنسان ليس مجرد فرد من الإنس أو الناس، وإنما مناط الإنسانية فيه معنوية ترقى به من مجرد الإنسية البشرية، إلى حيث يحتمل تبعات التكليف والإدراك والرشد، وأمنه الإنسان.
وللراغب الأصفهاني ملحظ دقيق في اشتقاق لفظ الإنسان، يربطه باجتماعيته التي تجعلخ يأنس إلى الجماعة. وهو ملحظ يقبله حس العربية في الإنس والإنسان معًا، ثم تتخصص الإنسية بدلالتها على نقيض التوحش، وتأخذ الإنسانية دلالتها على خصائص الإنسان وأهليته لاحتمال الإنسانية، على ما هدى إليه استقراء آيات الإنس والإنسان في البيان القرآني.
وبهذه الدلالة الخاصة، يأتي لفظ "الإنسان" في سورة العصر، في سياق ما يحتمل من تبعات التكليف ومسئولية الإنسان الفردبة والاجتماعية.
والخُسر لغة نقيض الربح، استعمل ماديًا في التجارة الخاسرة أو الصفقة المغبونة، ومنه جاء بمعنى النفص والجور والضعف والخيانة والغدر، ثم نقل إلى المجال الديني بمعنى الضلال عن الحق وهو أفدح الخسر.
ووردت المادة في القرآن الكريم في أربعة وستين موضعًا، منها ثلاثة في الخسر بمعناه المادي في التعامل التجاري مع الوزن والكيل:
[ ٢ / ٨٢ ]
﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين ٣)
﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن ٩)
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الشعراء ١٨١)
وجات المادة في الخسر المعنوى، في إخوة يوسف:
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ (يوسف ١٤)
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة ٣٠)
والغالب لأن يأتي الخسر بالمعنى الديني، في سياق النذير بسوء العقبى وعذاب الآخرة: للكافرين، والضالين، والمنافقين، والمكذبن بآيات الله وبلقائه والمشركين، والظالمين، والمبطلين، والذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، ومن يتخذ الشيطان وليًا، ومن يبتغي غير الإسلام دينًا، والذين قتلوا أولادهم سفهًا بغير علم
ويؤذن السياق فيها بأن الخسر يتعلق بالنفس والمال والأهل والعمل، فهو خسر الدنيا والآخرة، وأكثر ما يكون الخسر يوم القيامة حيث يدرك الضالون أنهم خسروا الدنيا والآخرة.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر ٧٨)
﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الشورى ٤٥)
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الزمر ١٥)
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة ٥)
[ ٢ / ٨٣ ]
﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المجادلة ١٩)
وأنظر معها آيات: (المؤمنون ١٠٣، والتوبة ٦٩) .
وجاء "الأخسرون" أربع مرات للذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا وبالآخرة هم كافرون:
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (هو ٢٢)
ومعها: (النمل ٥، الكهف ١٠٣، الأنبياء ٧٠، هود ٤٧)
أما المصدر منه فجاء بصيغة خسران ثلاث مرات، موصوفًا فيها بالمبين:
﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (النساء ١١٩)
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الحج ١١)
ومعما آية الزمر ١٥.
وبصيغة الخسار، ثلاث مرات كذلك، في قوم نوح: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ والظالمين: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ الإسراء ٨٢. والكافرين ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ فاطر ٣٩.
ومرة واحدة بصيغة تخسير في آية هود:
﴿يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ٦٣.
وأما صيغة خسر فجاءت مرتين: آية العصر، وآية الطلاق:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ ٩.
والخسر فيها هلاك ما حق، عن ضلال وعتو، والعبرة فيها لأولي الألباب.
وهذا الاستقراء يتيح لنا أن نقول إن الخسر يأتي في القرآن بالمعنى الديني في الضياع
[ ٢ / ٨٤ ]
وسوء العقبى، مع ملحظ من معناه الأصلي في الصفقة الخاسرة لمن يشترون دنياهم بأخراهم فيخسرون الآخرة والأولى.
مل لم يعين السياق غير ذلك، كما في آيات المطففين والرحمن والشعراء، مع الوزن والكيل وبخس الناس أشياءهم.
وهذا الاحتياط هو ما فات "الراغب" حين قال في (المفردات): "وكل خسران ذكره الله تعالى في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير، المتعلق بالإيمان، دون الخسران المتعلق بالقنيات الجنيوية والتجارات".
* * *
ونفهم الخسر في آية العصر، بما يؤنس إليه سياق النكوص عن تبعات التكليف والتفريط في مسئولية الإنسان.
فلا نستريح إلى تأويل الزمخشري بأن المعنى "أن الناس في خسران من تجارتهم، إلا الصالحين وحدهم لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوت، ومن عداهم تحروا خلاف تجارتهم فوقعوا في الخسارة، والشقاوة".
كما لا نتعلق بما ساقه "الفخر الرازي" من احتمال "أن الإنسان لا ينفك عن خسر" لأن الخسر تضييع رأس المال، ورأس ماله عمره: إن أنفقه في المعصية فلا شك في الخسران، وإن أنفقه في المباحات فالخسران أيضًا حاصل لأنه كان متمكنًا أن يعمل فيه عملًا يبقى أثره دائمًا، وإن أنفقه في الطاعات فلا طاعة إلا يمكن الإتيان بها على وجه أحسن لأن مراتب الخشوع غير متناهية، كما أن مراتب جلال الله وقهره غير متناهية".
وصريح النص في الآية بعد الخسر، يؤذن بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وبالصبر، ليسوا في خسر أبدًا.
وحرف "في" يأخذ موضعه في هذا البيان المعجز، بما يفيد من معنى الظرفية، في الغمر والإحاطة والإغراق.
[ ٢ / ٨٥ ]
وليس تنكير "خسر" من المبالغات كما ذهب النيسابورى.
وإنما التنكير، فيما يفهم من السياق، على أصله البياني من الإطلاق غي المحدود بقيد أو عهد. وقد يحتمل كذلك معنى التهويل، على ما قال الرازي. ووجهه عنده، أنه "خسر عظيم لا يدرك كنهه إلا الله".
* * *
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
الإيمان نقيض الكفر، وفي دلالته اللغوية الأصلية حس الأمن والأمانة. والصلاح ضد الفساد، وتستعمل الصالحات في المجال الديني، نقيضًا للسيئات. وواضح هنا أن على الإنسان مسئوليته فردًا بالإيمان وعمل الصالحات، ومسئوليته عن الجماعة بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
ويقترن العمل الصالح بالإيمان في القرآن الكريم نحو خمس وسبعين مرة، مع الوعد والبشرى بأن من يعمل صالحًا وهو مؤمن، فلا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، ولا كفران لسعيه، له جزاء الحسنى، وحياة طيبة.
والذين يؤمنون بالله ويعملون الصالحات، وقليل ما هم، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم الدرجات العلى، ولهم أجرهم عند ربهم، أجر كريم، عظيم كبير، غير منون. ولهم مغفرة ورزق كريم، وليستخلفنهم الله في الأرض، ويزيدهم من فضله، وسبجعل لهم الرحمن ودًا، وهو خير البرية، وأصحاب الجنة، طوبى لهم وحسن مآب.
ويأتي العمل الصالح مسندًا إلى رسل الله، كما يأتي الصالحون مع النبيين والشهداء في آيات (النساء ٦٩، الأنبياء ٧٢، ٨٦) وفي دعاء يوسف (١٠١) وإبراهيم (الشعراء ٨٣) وسليمان (النمل ١٩) .
وعطف النهي عن الشرك على العمل الصالح في آية الكهف ١١٠:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .
كما جاء مقابلًا للكفر في آية الروم ٤٤:
[ ٢ / ٨٦ ]
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ .
وفي هذا الاستقراء إيذان صريح بأن عمل الصالحات قرين الإيمان، ومنه نقول في آية العصر إن الإيمان ينبغي أن يقترن بعمل الصالحات، لكي ينجو الإنسان من الخسر.
لكن من المفسرين من لم يأخذوها بمثل هذه البساطة واليسر، بل أثاروا فيها عددًا من المسائل. منها جدل للمتكلمين لا يعنينا هنا في تفسيرنا البياني، كالذي ثار بين المعتزلة والأشعرية من خلاف حول تسمية الأعمال بالصالحات: هل لكونها في نفسها مشتملة على وجوه الصلاح؟ أو لأن الله سبحانه أمر بها؟
ومنها ما يتصل بموضوعنا في أسرار التعبير، كالوقوف عند عطف عمل الصالحاتعلى الإيمان، احتج به من ثال بأن العمل غي داخل في مسمى الإيمان بالله: "إذ لو كان ذاخلًا فيه لكان تكريرًا ولا يمكن أن يقال إن هذا التكرير واقع في القرآن، ولا يحتج له بمثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ لأن هذا حسن فيه إعادة ما هو أشرف أنواع الكلى، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع الإيمان، فبطل هذا التأويل".
ورد عليهم بما في سورة العصر نفسها من عطف التواصي بالحق وبالصبر على عمل الصالحات، فكان جوابهم: "لا نمنع التكرير لأجل التأكيد. ولكن الأصل عدمه".
ونتدبر القرآن الكريم فيهدينا استقراء آياته المحكمات - على ما قدمنا - إلى أنه كثيرًا ما يعطف العمل الصالح على الإيمان، فلا يكون هذا تكريرًا للتأكيد، بقدر ما هو إيذان بأن الإيمان بفترن بالعمل الصالح.
فعمل الصالحات في ىية العصر، إذا عده بعضهم داخلًا في الإيمان - وآية الروم تؤنس إليه - فليس العطف تكريرًا لمجرد التأكيد، وهو مألوف في العربية، وإنما يكون
[ ٢ / ٨٧ ]
فيه تنبيه إلى قيمة عمل الصالحات وموضعها من الإيمان، فكأنه من التخصيص بعد التعميم.
وليس لقائل أن يقول في البيان المعجز: "لانمنع التكرير للتأكيد ولكن الأصل عدمه" إذ أن هذا القرآن هو الأصل والحجة!
* * *
وبالإيمان وعمل الصالحات تتعين مسئولية الإنسان فردًا، مع مسئوليته عن الجماعة:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
الحق هنا نقيض الباطل.
والعربية قد استعملته حسيًا في الطعنة لا زيغ فيها. والمحقق من الثياب المحكم النسيج، والحق من الإبل الذي اشتد وأستحق أن يركب.
وبملحظ من صدق النفاذ، أطلق على العدل والحزم والصدق والأمر المقضى والموت.
والحق، واحد الحقوق. وتحقق الخبر صح وصدق. ومن ثم شاع استعماله في نقيض الباطل. ونقل بهذا الملحظ إلى المحال الديني اسمًا من أسماء الله الحسنى، وكثر استعماله بمعنى الوحي ورسالات الدين.
وفي القرآن الكريم وردت المادة بصيغة الفعل الثلاثي تسع عشرة مرة، فيما حف من قول الله وعذابه ووعيده على الكافرين، ومرتين على البناء للمجهول في آيتى الانشقاق:
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ .
وجاء المضارع من الرباعي أربع مرات، كلها مسندة إلى الله تعالى:
﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾
(الأنفال ٨، ومعها: الأنفال ٧، ويونس ٢٤، والشورى ٢٤)
وجاء فعل الاستحقاق مرتين في آية الدين (المائدة ١٠٧) ولا يخلوسياقها من ملحظ الحرمة الدينية في أداء الشهادة.
[ ٢ / ٨٨ ]
أما صيغة الحق فجاءت نحو مائتين وسبع وعشرين مرة، كلها في المعنى الديني، إما مقابلة للباطل، أو اسمًا من أسماء الله الحسنى، أو للوحي والدين. ويوصف بالحق وعد الله، وقوله، وكلماته.
ولا يخرج عن هذا السياق الديني، ما فرض الله على ذوي المال من حق معلوم لمن يستحقونه، وما شرع من حقوق في الميراث والزواج والطلاق، بما لهذه الحقوق من حرمة دينية تجعلها من حدود الله.
وسمى يوم القيامة: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ .
وذلك كله مما يضفى على كلمة "الحق" مهابة وجلالًا، ويؤكد حرمتها في التواصي بالحق.
والتواصي: أن يوصى بعضهم بعضًا.
والأصل اللغوي للمادة يعطي معنى قوة الإرتباط والإتصال: فالوصاة والوصية جريدة النخل يحزم بها. ووصت الأرض أتصل نباتها. ومن جاءت الوصية فيما يعهد به الموصى ليصل إلى من ينبغي أن يتلقاه: أوصاه ووصاه، عهد إليه. وتواصى القوم بأمر أوصى به أولهم آخرهم. والوصية ما يتركه الآباء وذوي القربى
وفي القرآن الكريم جاء الفعل وصى وأوصى، اثنتى عشرة مرة، فيما أوصى به سبحانه رسله وعباده. وغلب مجئ الوصية بمعناها المعروف فيما يوصي به الراحلون عن الدنيا، مع حرمة دينية يسبغها القرآن على الوصية بالحق في حدود ما أمر به الله.
أما التواضي فجاء في القرآن خمس مرات، كلما بصيغة الفعل الماضي. وإحداها في سياق الاستفهام الإنكاري لموقف أمم خلت من رسل الله إليهم، وكأنهم تواصوا بالتكذيب:
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (الذاريات ٥٣)
والأربع الباقيات في مسئولية الإنسان عن الجماعة، بآية العصر:
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وآية البلد.
[ ٢ / ٨٩ ]
﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ .
والسورتان مكيتان، ففيهما تقرير لما هو من أصول الدعوة الإسلامية.
* * *
والصبر في العربية نقيض الجزع.
ومن استعماله في الحسيات: عصارة شجر مر، واللبن إذا اشتدت حموضته إلى المرارة، والحجارة الغليطة المجتمعة.
وبملحظ من الشجة والمرارة، قيل للحرب الشديدة وللداهية: أم صبور. والصبارة شدة البرد.
والبر الحبس، والقتل صبرًاُ أن يحبس المرء ويرمى حتى يموت.
ثم كثر استعماله في الصبر على الشدائد والمكاره. والصبور الحليم الذي لا يعاجل العصاه بالنقمة، بل يضبط أمره فيعفو أو يمهل.
ولم يذكر القرآن الكريم في آيتى العصر والبلد متعلق الصبر الذي يتواصى به المؤمنون، وقد فسره الإمام الطبري بالصبر على العمل بطاعة الله. وقال الومخشري في الكشاف: هو الصبر عن المعاصي وعلى الطاعات وعلى ما يبلو به الله عباده. وقريب منه ما جاء في البحر المحيط لأبي حيان. وفصله الفخر الرازي فقال فيما قال:
"إن التواصي بالصبر يدخل فيه حمل النفس على مشقة التكليف في القيام بما يجب وفي اجتناب ما يحرم. إذ الإقدام على المكروه والإحجام عن المراد كلاهما شاق شديد ودلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي بالصبر".
وكلها اقوال متقاربة مقبولة، ولا يكاد يخرج عنها ما في تفسير الشيخ محمد عبده لسورة العصر.
* * *
ونستقرئ آيات الصبر في القرآن، فنجد الأمر الإلهي للمصطفى بالصبر، في نحو
[ ٢ / ٩٠ ]
عشرين موضعًا. ويتعلق فيها بما يحتمل - ﷺ -، من أعباء تبليغ رسالته، ما يلقى من تكذيب وأذى بالقول أو بالفعل.
وأمر الله المؤمنين بأن يستعينوا بالله، وبالصبر والصلاة، في آيات:
(البقرة ٤٥، ١٥٣، والأعراف ١٢٨) كما أمرهم بالصبر في الجها والثبات عند لقاء العدو:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . (آل عمران ٢٠٠)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال ٤٦)
ووصف أنبياء بالصبر في آيتى (الأنبياء ٨٥، ص ٤٤)، وجاء الصبر مسندًا إلى أولي العزم من الرسل (الأحقاف ٣٥) ورسل من قبلك (الأنعام ٣٤) وأئمة يهدون بأمر الله (السجدة ٢٤) والمؤمنين والفائزين بنعيم الآخرة:
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد ٢٤)
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت ٣٥)
وآيات الصبر في القرآن الكريم لا تتجه إلى غير هذه الصفوة من الرسل والمؤمنين، إلا أن تجئ نذيرًا للخاسرين كالذي في آيات:
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (إبراهيم ٢١)
﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الطور ١٦)
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ ! (البقرة ١٧)
[ ٢ / ٩١ ]
وقريب منها صبر المشركين على آلهتهم، وعلى ضلالهم وكفرهم، في مثل آيات: (فصلت ٢٤، الفرقان ٤٢، ص ٦) .
ومما يتعلق به صبر المؤمنين:
الابتلاء: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة ١٥٥)
والمصائب: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ (الحج ٣٥)
و﴿فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ (البقرة ١٧٧)
وفي الجهاد ولقاء العدو، وهو من أكثر مما يتعلق به صبر المؤمنين:
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ .
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ وهو سبحانه: ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
* * *
والسكوت عن ذكر متعلق الصبر الذي يتواصى به الذين آمنوا وعملوا الصالحات، في ىية العصر - وآية البلد - يعطيه دلالة الإطلاق والتعميم في حدود ما ورد في القرآن الكريم مما يصبر عليه المؤمنين من تكاليف الإيمان، والإبتلاء، وفي السراء والضراء وحين البأس، وفي الجهاد ولقاء العدو.
وتلك هي مسئولية الإنسان الإجتماعية، تلزمه دينًا أداء حق الجماعة من التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
* * *
وموقف القرآن من هذه التبعية، يقطع برفض السلبية التي يتصور فيها الإنسان أنه يكفي لنجاته من الخسر، أن يؤمن بخالقه ويعمل صالحًا، دون أن يقضي حق الجماعة.
وبعيدًا عن جدل علماء الكلام، نقول إن الإيمان وعمل الصالحات يجدى على الجماعة بصلاح أفرادها، وتحرجهم من اقتراف ما يسئ إلى أخوانهم وأمتهم. ولكن الإنسان مظنه أن يتوهم أن الإيمان يكفي فيه النطق بالشهادتين وأداء العبادات واجتناب
[ ٢ / ٩٢ ]
الكبائر، ومن هنا كانت عناية القرآن الكريم بتقرير المسئولية الاجتماعية، أصلًا من أصول الدين.
فبمثل هذا التقرير الحاسم في سورتى العصر والبلد، تتقرر مسئولية الإنسان الاجتماعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في آيات أخرى محكمات:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران ١٠٤)
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران ١١٠)
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران ١١٤)
﴿ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة ١١٢)
ومعها آيات (الأعراف ١٥٧، التوبة ٧١، والحج ٤١، ولقمان ١٧) .
وكماى جعلنا القرآن الكريم مناط خيرية أمتنا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعن الذين تخلوا عن هذه التبعة الكبرى من كفار بني إسرائيل:
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (المائدة ٧٩)
كما لعن الله المنافقين والمنافقات:
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة ٦٧)
وهيهات لشريعة وضعية أن ترقى بالإنسان إلى مثل هذا المستوى من احتمال مسئوليته الاجتماعية التي يجعلها الإسلام مناط الخير والإيمان. وعلصمًا من الخسر والهلاك:
﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
صدق الله العظيم
[ ٢ / ٩٣ ]