بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ .
صدق الله العظيم
[ ٢ / ٩٥ ]
السورة مكية مبكرة، والمشهورفي ترتيب نزولها أنها تاسعة السور، نزلت بعد سورة الأعلى، ثم نزلت بعدها على الترتيب سورتا الفجر والضحى.
وقد ربطها بعضهم بسورة الشمس التي قبلها في ترتيب المصحف، قالوا: "ولما ذكر فيما قبلها، أي الشمس: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ذكر هنا من الأوصاف ما يحصل به الفلاح وما تحصل به الخيبة، ثم حذر النار وذكر من يصلاها ومن يتجنبها".
وهذا الربط قديلفت إلى ملحظ في ترتيب السورة في المصحف ووضعها بعد الشمس. وأما من حيث النزول فإن سورة الشمس نزلت بعد الليل لا قلبها، فهي السورة السادسة والعشرون على المشهور في ترتيب النزول، فبينها وبين سورة الليل قبلها، ست عشرة سورة.
وقيل إنها نزلت في أبي بكر الصديق وإنفاقه ماله على المسلمين، وأمية بن خلف وبخله وكفره. وفي قول آخر إنها نزلت في أبي الدحداح الأنصاري، ورووا قصة النخلة التي عرض الرسول - ﷺ -، على أحد المنافقين، أو اليهود، أن يبيعها بنخلة في الجنة فأبى، واشتراها أبو الدحداح.
والعبرة على كل حال بعموم اللفظ، والسياق صريح التوجيه إلى عامة الناس ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .
وتقارب سور (الليل والفجر والضحى) في النزول، يجلو الظاهرة الأسلوبية التي يعمد فيها البيان القرآني إلى جلاء المعنويات بماديات من النور والظلمة في مختلف درجاتهما على مدى اليوم الواحد، من غشية الليل وتجلي النهار، وإشراق الضحى وسجو الليل، وتألق الفجر ومسرى الليل وتنفس الصبح.
ويتتابع الوحي من بعد ذلك فيؤصل هذه الظاهرة البيانية فيما يجلو من معوويات الهدى والضلال، بحسبات النور والظلمات.
* * *
[ ٢ / ٩٧ ]
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ .
الغشية في اللغة الغطلء، والغاشية الغشاء الذي يغلف القلب. واستغشى ثوبه وبثوبه، تغطى به لكي لا يرى ولا يسمع، ومن غشية النعاس المعطلة للحس والإدراك، جاءت غشية الإغماء فقيل الإغماء أغشى عليه إذا فقد وعيه وحسه كأنما عليهما غطاء. وكذلك يقال للغافل: على بصره أو على سمعه غشاوة، أي غطاء يحجب الرؤية ويعمي البصيرة ويعطل السمع والإدراك.
والغواشي الأهوال، أو الظلمات تلقى لفاعها الأسود. ومنه جاءت الغاشية اسمًا للقيامة أو للنار تغشى المعذبين.
وفي الاستعمال القرآني، جاءت الغاشية على معناها في استغشاء الثياب حاجزًا دون السمع والبصر، كناية عن الصد، في آية نوح ٧:
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ . ومعها آية هود ٥.
وفي النور الدافق والجلال الغامر بآية النجم: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ .
وجاءت الغشية في النعاس في آيتى.
(آل عمران ١٥٤، والأنفال ١١)
وفي الإغماء بآيتى (الأحزاب ١٩، ومحمد ٢٠)
وفي الغشاوة على القلب والسمع والبصر بآيتى
(البقرة ٧، والجاثية ٢٣)
وكثر مجئ الغشية في الحديث عن يوم القيامة:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؟
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
وفي الوعيد بعذاب الآخرة في آيات:
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ (العنكبوت ٥٥)
[ ٢ / ٩٨ ]
﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (إبراهيم ٥٠)
﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف ٤١)
كما جاءت في غشية الموج، وغشية الظلمات وتراكمها في آيات:
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾
(النور ٤٠)
﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ (يونس ٢٧)
وآيات (لقمان ٣٢، طه ٧٨، الرعد ٣، الأعراف ٥٤، الشمس ٤)
وآية الليل، والغشية فيها غطاء من ظلمات داجية.
* * *
والتجلي لغة الظهور والإنكشاف. ومن الاستعمال الحسي للمادة: الجلا انحسار مقدم الشعر، والجلاء الكحل يجلو البصر، وجلوة العروس عرضها مجلوة في زينتها.
وجلا السيف والمرآة صقلهما وأزال ما قد يكون غطاهما من صدأ وغبار.
ومن دلالة الانحسار جاء الجلاء عن مكان، وجلا الهم عنه أذهبه.
ومن ملحظ الكشف: جلا الأمر أوضحه وبينه فانجلى وتجلى، والجلى الأمر البين، والتجلي الإشراق والتألق.
وفي الاستعمال القرآني: جاءت المادة في خمية مواضع، إحداها آية الحشر في الجلاء عن الأرض: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ ٣.
والمرات الأربع الباقية في تجلي النور الإلهي بآية الأعراف ١٤٣:
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾
وأمر الساعة، بآية الأعراف ١٨٧:
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾
وفي إشراق النهار، آيتى الشمس: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ .
[ ٢ / ٩٩ ]
والليل: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ .
والآية لم تذكر مفعول ﴿يَغْشَى﴾ وقد تأولوه إما على تقدير: يغشى النهار كله، كقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ .
أو يغشى الشمس، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾
وقيل الأرض وجميع ما فيها. يغشاها الليل بظلامه.
ومثله وقوف من وقف عند ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ليتأول سبب التجلي "إما بزوال ظلمة الليل، وإما بنور الشمس".
ونرى أن القرآن الكريم في إمساكه عن ذكر متعلق ليغشى أو تحلى، يصرفنا عن تأويل محذوف أو مقدر، لنلتفت إلى أن الغشية والتجلي، من الليل والنهار، هما المقصودان بالتنبيه والالتفات، بما أعنى عن ذكر مفعول أو متعلق
* * *
وسورة الليل مبدوءة بواو القسم، وهو عند المفسرين للإعظام، على أصل استعماله في اللغة. والذي أطمئن إليه، هو أن البيان قد يعدل عن هذا الأصل لملحظ بلاغي في التعبير، كمثل عدوله في الاستفهام والأمر والنهي عن أصل استعمالها الأول، إلى تقرير أو إنكار، أو زجر ووعيد، أو سخرية وتوبيخ، أو تعجيز وإفحام على ما هو مألوف ومقرر في علم البيان.
لكن المفسرين لم يلتفتوا إلى احتمال أن يكون القسم بالواو هنا، وفي نظائرها من الآيات المستهلة بالواو، قد جاء على غير استعماله اللغوي الأول، لملحظ بياني، وإنما هو عندهم جميعًا على أصله من الإعظام والتعظيم، ومن ثم شغلوا بتأول وجه العظمة في الليل والنهار.
نقل الطبري عن قتادة: "أن الله أقسم بهما لعظم شأنهما، فهما آيتان عظيمتان يكورهما الله على الخلائق".
وقال "أبو حيان" في البحر المحيط: "أقسم بالليل الذي فيه كل حيوان يأوى إلى مأواه، وبالنهار الذي تنتشر فيه".
والتفت "ابن القيم" إلى اختلاف أحوال الليل والنهار في أقسام القرآن، وتأويله بأن
[ ٢ / ١٠٠ ]
الله سبحانه يقسم باللسل في جميع أحواله، إذ هو من آياته الدالة عليه.
وزاده الفخر الرازي تفصيلًا فقال: "أعلم أنه تعالى أقسم بالليل الذي يأوى فيه كل حيوان إلى مأواه ويسكن الخلق عن الاضطراب ويغشاهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعاشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكامنها، فلو كان الدهر كله ليلًا لتعذر المعاش، ولو كان نهارًا كله لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما".
ولا يكاد يخرج عنه ما ذكره الشيخ محمد عبده في سورتى الليل والضحى، من (تفسير جزء عم) .
وهذا الكلام في المصلحة من تعاقب الليل والنهار، هو من قبيل الحكمة التي تتحقق في كل ما خلقه الله، وما من شيء خلق عبثًا. والقرآن حين يقصد إلى أن يلفت إلى آيتى الليل والنهار، فإنه يجلو وجه هذه الحكمة بمثل آيات:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؟ (القصص ٧١، ٧٢)
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (الروم ٢٣)
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ (الفرقات ٤٧)
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ (الإسراء ١٢)
[ ٢ / ١٠١ ]
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (يونس ٦)
وأنظر معها آيات: (الأنعام ٩٦، يونس ٦٧، النمل ٨٦، آل عمران ١٩٠، الجاثية ٥) .
وليس على هذا النحو من بيان الحكمة، تأتي آيات القسم بالواو بالليل وبالنهار التي عنى المفسرون بتأويل ما في خلقهما من حكمة وما في تعاقبهما من مصلحة.
غير ملتفتين إلى أن هذا التأويل حين يصدق على الليل مطلق الليل والنهار مطلق النهار، فإن الليل والنهار في سورة الليل مقيدان بالغشية والتجلي. وفي آيات أخرى يأتي القسم، بالواو، بالليل إذا سجى، وإذا عسعس، وإذا يسر، وإذا وقب، وإذا أدبر. وبالفجر، والصبح إذا أسفر، وإذا تنفس، والضحى.
ولابد أن يكون لكل قيد منها ملحظ في الدلالة يختص به.
وإذا لم يتعلق البيان في آيتى (الليل) بغير غشية الليل وتجلي النهار، نلمح السر البياني فيما تلفت إليه الواو من تقابل واضح محسوس ومدرك، بين غشية الليل بظلماته، وتجلي النهار بضيائه.
ومثله في الوضوح، التفاوت بين خلقه الذكر والأنثى:
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ .
تأولها المفسرون على احتمال أن تكون (ما) بمعنى من، فيكون القسم بمن خلق الذكر والأنثى، أو أن يكون ﴿مَا خَلَقَ﴾ في موضع المصدر، أو على توهم المصدر، فيكون المعنى: وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، ونظروا له بقول الشاعر:
تطوف العفاة بأبوابه كما طاف بالبيعة الراهب
بجر الراهب على توهم النطق بالمصدر، أي كطواف الراهب بالبيعة.
والجر هنا أقرب عندي إلى أن يحمل على المجاورة.
ولا يبدو لي وجه لهذا التنظير، وفي الآية "ما" وليست في الشاهد من قول الشاعر.
[ ٢ / ١٠٢ ]
ثم اختلفوا في المقصود بالذكر والأنثى:
ففي تفسير الرازي والبحر المحيط، أنهما آدم وحواء، أو هما كل ذكر وأنثى من بني آدم، أو من كل حيوان على اختلاف أنواعه، ذكره وأنثاه.
والتفت ابن القيم إلى التقابل بين المقسم به في آيتى (الليل) واتجه به إلى بيان وجه الإعظام، قال:
"قابل بين الذكر والأنثى، كما قابل بين الليل والنهار. وكل ذلك من آيات ربوبيته، فإن إخراج الليل والنهار بواسطة الأجرتم العلوية، كإخراج الذكر والأنثى في الأجرام السفلية".
على أنه عاد فربط بين هذه المتقابلات على وجه آخر، هو أنه سبحانه "أقسم بزمان السعي وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى، على اختلاف السعي وهو الليل والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى، على اختلاف السعي كما اختلف الليل والنهار والذكر والأنثى، وسعيه وزمانه مختلف وذلك دليل على اختلاف جزائه وثوابه".
وهذا على قربه، لا يبدو متصلًا بما ذره آنفًا من أجرام علوية وسفلية.
* * *
ونركز اهتمامنا على تدبر ما يسيطر على السورة كلها من ملحظ التقابل والتفاوت، يبدأ باللفت إلى ما هو حسي مدرك في تفاوت ما بيت غشية الليل وتجلي النهار، وخلقه الذكر والأنثى، توطئة إيضاحية لبيان تفاوت مماثل في سعي الناس: بين من أعطى وأتقى وصدق بالحسنى، ومن بخل واستغنى وكذب بالحسنى، ثم تفاوت الثواب والعقاب في الأخرى: بين الأشقى يصلى نارًا تلظى، والأتقى الذي يجنبها بما ابتغى وجه ربه الأعلى، ولسوف يرضى.
فعلى نحو ما يتفاوت الليل إذا يغشى بظلماته، والنهار إذا تجلى بضيائه يتفاوت سعي الناس في الدنيا بين ذلال وهدى:
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .
والسعي في اللغة المشى، لحظ فيه أن الساعي يبتغي عملًا أو يتجه إلى مقصد يدأب فيه، فكان السعي بمعنى العمل مع القصد والدأب.
[ ٢ / ١٠٣ ]
وفي الاستعمال القرآني للمادة، نجد الدلالة الأولى للسعي بمعنى المشي والحركة، على الحقيقة أو التخييل والمجاز، في آيتى (طه) عن عصا موسى ألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ وحبال السحرة وعصيهم ألقوها ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وفي آيتى التحريم والحديد، في نور المؤمنين ﴿يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يوم القيامة.
كما نجد دلالة السعي على العمل مع الدأب في آيات:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ (الأنبياء ٩٤)
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (الإسراء ١٩)
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف ١٠٤)
ودلالة القصد أوضح في آيات:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (البقرة ١١٤)
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (المائدة ٣٣، ٦٤)
وواضح أن السعي في آية الليل، هو من العمل الكسبي مع القصد والدأب، ومثله السعي في آيات (الإنسان ٢٢، النجم ٤٠، الغاشية ٩) .
وأصل الشت في اللغة التفرق والاختلاف، ماديًا ومعنويًا، وقد سبق استقراء آياته في القرآن، في تفسير آية الزلزلة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ فهدى إلى أن اشتاتا تأتي بدلالة التفرق المقابل للتجمع. أما شتى، فمن الاختلاف والتباين.
* * *
ولا نحتاج إلى تأول مقصد القرآن الكريم بتباين سعيكم، فقد تولت الآيات بعده بيانه:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ .
[ ٢ / ١٠٤ ]
وهذا هو تفاوت السعي، يأتي بعد أن مهد له اللفت إلى التفاوت المدكوك بالحس، بين غشية الليل وتجلي النهار، بين خلقة الذكر وخلقة الأنثى.
والحسن في اللغة الجمال، ويغلب استعماله في الماديات نقيضًا وفي المعنويات مقابلًا للسوء. والحنى ضد اليوأى، صيغتا تفضيل للدلالة على غاية الحسن الذي لا حسن بعده، والسوء الذي لا يماثله سوء.
وفرق الراغب فب (المفردات) بين الحسن والحسنة والحسنى، فقال إن الحسن يستعمل ي الأعيان وفي الأحداث، وكذلك الحسنة إذا كانت وصفًا، أما إذا كانت اسمًا ففي الأحداث. والحسنى لا تستعمل إلا في الأحداث.
وأكثر ما جاء في القرآن من الحسن، فللمستحسن من جهة العقل والبصيرة والشرع، لا من جهة الحسن.
وقد تأول المفسرون الحسنى بحسن العاقبة، وبالإيمان بوحدانية الله وبما يخلفه الله تعالى على المنفق.
وهي وجوه متقاربة، وربما كان حسن العاقبة يؤديها جميعًا، إذ فيه معنى الإيمان بالله، والتصديق بالخلف.
ولم تحدد الآيات ماذا أعطى التقى، ومن اتقى، وبم بخل البخيل، وعم وعمن استغنى؟
ونذهب مع أبي حيان في فهم حذف مفعولي أعطى "بأن المقصود الثناء على المعطى دون تعرض للمعطى والعطية، وظاهرة بذل المال في واجب ومندوب ومكرمة".
فالإعطاء في الآية، مقابل بالبخل، وكل بخل في القرآن يتعلق بالمال وبما آتى الله من فضل، باستقراء مواضع وروده في المصحف وعددها أحد عشر موضعًا، ستة منها متلوة بغنى الله، والله الغني وأنتم الفقراء، ولله ميراث السموات والأرض، فإن الله هو الغني الحميد.
[ ٢ / ١٠٥ ]
وإنه لكذلك، الإعطاء للمال والبخل به، في آيتى الليل:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾
بشاهد من النص بعدهما:
فيمن بخل: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ .
وفيمن أعطى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ .
وإعطاء المال أو البخل به، إنما يكونان فيما يجب أن ينفق فيه المال من وجوه الخير، وأداء حق الله فيه إلى من يستحقونه، زكاة وصدقة وبرًا، على ما هو بين من تدبر الاستعمال القرآني للمال والأموال.
* * *
وللمفسرين في مفعول ﴿اتَّقَى﴾ ثلاثة أقوال:
ففي قول عن ابن عباس أنه: "اتقى البخل".
ويرد عليه أن لفظ ﴿أَعْطَى﴾ قبله يفيد هذا المعنى، كما أن السياق بعده، يأتي بالبخل وبالتكذيب في مقابل الإعطاء والإتقاء، مما يبعد أن يكون اتقى بمعنى اتقى البخل.
والقولان الآخران هما: اتقى الله، أو اتقى الحساب والعذاب.
والوجهان متقاربان، فمن اتقى الله عذابه في الآخرة، ولا يتقى الحساب والعذاب إلا من اتقى الله.
والوقاية في الأصل الحفظ مما يضر ويؤذى، ومنه في القرآن آية (النحل ٨١) وجاءت التقوى في تجنب الإثم والمعصية، ابتغاء مرضاة الله ووقاية من غضبه وعذابه. ويهدى تدبر استعمال القرآن للاتقاء، أنه يذكر المفعول دائمًا مع فعل الأمر. وقد جاء ثلاث مرات خطابًا للواحد والمتقي هو الله، وخطابًا للجمع (اتقوا) نحو سبعين مرة: خمس منها في اتقاء النار، وعذاب الآخرة، ويوم ترجعون فيه إلى الله، لا تجزى نفس عن نفس شيئًا.
[ ٢ / ١٠٦ ]
ومرتان في اتقاء فتنة، واتقاء ما بين ايديكم.
والمتقى في بقية الآيات، هو الله سبحانه.
وأما الفعل الماضي والمضارع، فقد يمسك فيهما عن ذكر المفعول به، وحين يصرح به فالمتقى هو الله ﷾.
وهذا الاستقراء يؤذن بأن الاتقاء في القرآن يغلب أن يكون اتقاء الله واتقاء حسابه وعقابه.
ومن المهم أن نشير إلى أن التقوى، كاخشوع، من أفعال القلوب. بمعنى أنها لا تكون إلا في القلب ومن القلب، فالعبرة بتقوى القلوب، وهو ما يبدو بوضوح في مثل آيات:
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج ٣٢)
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج ٣٧)
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الحجرات ٣)
﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (المجادلة ٩)
وجاءت التقوى نقيضًا للفجور في:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس ٨)
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (ص ٢٨)
* * *
والصدق في الأصل: مطابقة القول للواقع أو لما في الضمير. ويستعمل في صدق الفعل، وصدق النية والعقيدة. وأكثر ما يكون التصديق في القرآن الكريم بمعناه الديني في التصديق بالله وآياته ورسله وكلماته، ولقائه
و"الحسنى" جامعة لكل ما قال المفسرون في تأويلها: الخلف في الدنيا والآخرة، والجنة والثواب، والتوحيد
وإن كان الأولى إطلاقها لتعم فلا تختص بوجه من هذه الوجوه.
[ ٢ / ١٠٧ ]
واليسر ضد العسر، وقد سبق استقراء آياتهما في (سورة الشرح) بالجزء الأول من هذا الكتاب.
وفسروا الآية بأنها التهيئة للحالة التي هي أيسر على المصدق بالحسنى، في الدنيا والآخرة.
وقال الزمخشري: "سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر، كما سمى طريقة الشر العسرى لأن عاقبتها العسر، أو أراد بهما طريقى الجنة والنار، أي: فسنهديهما في الآخرة للطريقين".
والتيسير لليسرى هو وعد الله للباذلين المعطين المتقين، ولم تأت "اليسرى" في القرآن إلا مع التيسير مسندًا إلى الله ﷻ، وذلك في آيتين:
آية الأعلى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ خطابًا للمصطفى ﵊.
وآية الليل في ﴿مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ . تأتيه البشرى بمثل ما يشر به المصطفى ﵊، من تيسير إلهي لليسرى.
أما العسرى فلم تأت بهذه الصيغة إلا في آية (الليل)، وإن جاء العسر مقابلًا لليسر في آيات (البقرة ١٧٥، والطلاق ٧، والشرح ٥، ٦) كما جاءت صيغتا وعسر وعسير، صفة ليوم القيامة بخاصة، في آيات (القمر ٨، المدثر ٩، الفرقان ٢٦) وهذا الاختصاص يجلو حس البيان القرآني للعسر الذي استعملته العربية في قديمها الجاهلي اسمًا لقبيلة من الجن أو أرض يسكنونها. ثم قيل العسر للشكس الشرس، وللأنثى عسر ولادها.
واعتسار الفرس ركوبه قبل ترويضه.
وغير مقبول قول من قال إن "العسرى" جاءت في آية الليل لمجرد رعاية الفاصلة، فما يجوز في البيان العالي التعلق بملحظ شكل في اللفظ لا يقتضيه المعنى.
وقال "الزمخشري" في التيسير للعسرى: فسنخذله ونمنعه الإلطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه وأشد، ولمح "أبو حيان" في هذا التأويل "دسيسة اعتزال".
وقلما يفرق المعجميون في الدلالة بين العسر والعسرى حين تسوقونهما سردًا في مصادر
[ ٢ / ١٠٨ ]
الفعل عسر. مع أن العربية من صيغ المصدر لملحظ خاص في الدلالة، كالرأي والرؤيا والرؤية: مصادر رأى، والوجود والوجد والموجدة والوجدان: مصادر وجد، والسعي والمسعى والسعاية: مصادر سعى.
نرى أن استعمال العسرى، كاستعمال اليسرى، ليس ملحوظًا فيه المصدرية كالعسر واليسر، وإنما الملحوظ فيهما، بصيغة الفعلى، أقصى اليسر وأشد العسر، أو هما اليسر الذي لا يسر مثله، والعسر الذي ما بعده عسر. ونظيرهما في القرآن من غير المادة: البطشة الكبرى، والنار الكبرى.
واستعمال التيسير مع العسرى، مبالغة في الوعيد والنذير لمن بخل واستغنى. وقد نظر له "الراغب" في (المفردات) بقوله تعالى:
﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والآية وعيد للذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله. (التوبة ٣٤)
ومثلها آيات: (النساء ١٣٨، والتوبة ٣، ولقمان ٧، والجاثية ٨، وآل عمران ٢١، والانشقاق ٢٤) .
وفيها التبشير بعذاب أليم، للمنافقين، والكفار، والمستكبرين، والباغين.
كالتيسير للعسرى: مبالغة في الردع والنذير لمن بخل واستغنى.
* * *
﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ .
سبق استقراء الغنى في القرآن، في تفسير آية الضحى ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، وقد هدى إلى الفرق بين الغنى والثراء، إذ يغلب أن يكون الغنى غنى النفس وإن لم يوجد المال، ولا يكون الثراء إلا بالمال، ما لم يستعمل مجازيًا.
والردى في اللغة الهلاك، ومن استعمالاته الحسية ألأولى: الرداة الصخرة، ورداه وأرداه رماه بها وصدمه، وتردى في البئر سقط، ثم استعمل في مطلق الهلاك.
[ ٢ / ١٠٩ ]
و﴿تَرَدَّى﴾ في القياس الصرفي مطاوع الفعل أردى، بمعنى أهلك وأوقع في الردى وفي القرآن الكريم: يأتي الفعل الثلاثي لازمًا غير متعد في آية:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (طه ١٦)
وجاء الفعل الرباعي متعديًا، في آيات:
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (فصلت ٢٣)
﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (الصافات ٥٦) و(الأنعام ١٣٧)
وجاء التردى، بصيغة اسم الفاعل "المتردية" في آية (المائدة ٥) وفعلًا ماضيًا في آية الليل.
وهذا هو كل ما في القرآن من المادة.
وبه نستأنس في فهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ بأنه التردى في مهواة الهلاك.
وقول الطبري: "إنه التردى في جهنم لأن ذلك هو المعروف من التردى" أقرب إلى المعنى والسياق من قول قوم، فيما نقل أبو حيان "بأنه التردى بالأكفان" أخذوه من الرداء، ونظروا له بقول "مالك بن الريب":
وخطا بأطراف الأسنة مضجعى وردًا على عينى فضل ردائيا
وقول الآخر:
نصيبك مما تجمع الدهر كله رداءان تلوى فيهما وحنوط
وهذا التأويل بعيد من سياق النذير في آية الليل، لأن التردى برداء الكفن لا يختص به كافر دون مؤمن.
[ ٢ / ١١٠ ]
وفي التوجية الإعرابي للآية، جوزوا أن تكون (ما) فيها نافية، وأن تكون استفهامية.
والنفي عندنا أولى، لما فيه من ملحظ التقرير لعدم غنى المال عن البخيل المكذب، إذا تردى.
* * *
﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ .
الهدى الإرشاد إلى الطريق المستقيم، وأكثر ما يجيء في القرآن الكريم، نقيضًا للضلال والكفر.
والآخرة والأولى في الاستعمال اللغوي النهاية والبداية، أو المصير والمبتدأ، ملحوظًا فيهما الإتيان في الآخر، وفي الأول.
وتأتي الآخرة والأولى في المصطلح الديني بمعنى الحياتين الآخرة والدنيا. والأول والآخر من أسماء الله تعالى الحسنى.
وفي آية الليل، فسر "الطبري" الآخرة والأولى، بأن "لنا ملك ما في الدنيا والآخرة، نعطى منهما من أردنا من خلقنا ونحرم من شئنا. وإنما عنى بذلك جل ثناؤه أنه يوفق لطاعته من أحب من خلقه فيكرمه بها في الدنيا ويهيئ له الكرامة والثواب في الآخرة. ويخذل من شاء خذلانه من خلقه عن طاعته، فيهينه بمعصيته في الدنيا ويخزيه بعقوبته في الآخرة".
وأقتصر فيهما الزمخشري في (الكشاف) على ثواب الدارين للمهتدى.
ومثله "أبو حيان" في (البحر المحيط) .
ونقل الرازي قول من قالوا في تأويل الآية: "إن لنا كل ما في الدنيا والآخرة فليس يضرنا ترككم الإهتداء بهدانا، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم، بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم، ولو شئنا لمنعاكم من المعاصي، إذ لنا الدنيا والآخرة".
[ ٢ / ١١١ ]
ورأى فيه ما يخل بالتكليف.
كما نقل ما ذكرنا من تأويل الطبري، وصرح بأن هذا الوجه من التأويل أوفق لقوله.
ونرى أن قصر معنى الآية في تفسير الزمخشري على "ثواب الدارين" يمنعه العموم المستفاد من صريح السياق في البشرى والنذير معًا.
ودون خوض في مشكلة الجبر والاختيار، نطمئن في الآية إلى أن الله سبحانه إليه المصير كما له المبتدأ. وهو تعالى يهيئ لخلقه في الدنيا طريق الحق والهدى، وبقدر ما يستجيبون لداعى الهدى أو يصدون عنه، تكون النهاية والمصير إلى الخالق في الآخرة.
ونلتفت إلى ملحظ بياني في الآية، هو العدول عما هم مألوف من تقديم الأولى على الآخرة. وليس التعلق برعاية الفاصلة هو الذي اقتضى تقديم الآخرة هنا على الأولى، وإنما اقتضاه المعنى في سياق البشرى والنذير، إذ الآخرة خير وأبقى وعذابها أكبر وأشد وأخزى وأبقى، وأن الآخرة هي دار القرار.
وكذلك قدمت الآخرة على الأولى في سياق البشرى للمصطفى ﵊، بآية الضحى:
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ .
كا قدمت الآخرة على الأولى في سياق الوعيد لفرعون إذ أدبر وتولى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ بآية النازعات.
* * *
وفي مثل هذا السياق من الوعيد، تتقدم الآخرة على الأولى في آية الليل، متلوة بهذا النذير:
﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ .
واللظى في العربية اللهب الخالص، والتلظى تسعر النار واحتدام توقدها.
وفي الاستعمال القرآني جاءت "لظى" للجحيم في آية المعارج ١٥:
[ ٢ / ١١٢ ]
﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ .
والإنذار بنار تلظى، في آية الليل، عام كالعموم المستفاد من الآية قبله:
﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ .
ثم تأتي الآية بعده فتخص من يصلاها، وهو - كما في آية المعارج - من كذب وتولى:
﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ .
قيل في تفسير ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾: "معنها لا يصطلي بها إلا الأشقى".
وهو ما لا يطمئن إليه حس العربية في استعمالها الصلى للشي في النار أو بها: صلى اللحم صليًا ألقاه في النار وضواه. وصلى النار وبالنار: قاسى حرها ولهيبها. وينقل مجازيًا إلى: صلى نار الحرب.
أما الاصطلاء فقلما يستعمل إلا في التماس الدفء من النار، على وجه التخصيص.
وهذا الفرق بين الصلى والاصطلاء، هو ما يهدي إليه البيان القرآني، حين يستعمل الاصطلاء في الدفء بخاصة، في قول موسى لأهله حين آنس نارًا:
﴿امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (القصص ٢٩، النمل ٧)
على حين يأتي الصلى والتلية، في التعذيب بالنار ومقاساة حرها ولهيبها، باستقراء مواضع استعمالهما بالقرآن الكريم، وعددها ثلاثة وعشرون.
ويختص الصلى فيها جميعًا، فعلًا ومصدرًا واسم فاعل، بنار الجحيم.
وعيدًا للكافرين والمكذبين والمغرورين المفتونين بالمال والجاه والبنين، فهم صالو الجحيم، يصلون سعيرًا، وسقر، والنار الكبرى، ونارًا ذات لهب، جهنم يصلونها وبئس القرار، فبئس المهاد، فبئس المصير.
وبهذا كله نستأنس في فهم ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ فلا يكون بمعنى الاصطلاء
[ ٢ / ١١٣ ]
الذي يحمل دلالة الاستدفاء، وإنما هو الصلى بمعنى الشي والتعذيب باللهب المستعر في الجحيم.
* * *
والشقاء لغة نقيض السعادة. وأصل استعماله في الشدة والعسر، والشاقى من الجبال الحاد الميل الطويل.
وحين تستعمل العربية الشقاء في التعب، فإن ذلك يكون بملحظ من الشدة والعسر، دون أن يترادف الشقاء والتعب، وهو ما نبه إليه "الراغب" بقوله في المفردات: كل شقاوة تعب، وليس كل تعب شقاوة.
ويأتي الشقاء في الاستعمال القرآني خاصًا بمحنة الضلال، إما بصريح اللفظ كما في آيتى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (طه ١٢٣)
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ (المؤمنون ١٠٦)
وإما بدلالة السياق كما في الآيتين:
﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (هود ١٠٥، ١٠٦)
وليس بعيدًا من معنى الضلال، عصيان أمر الله، في قوله تعالى خطابًا لآدم وزوجه:
﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ وآيات مريم:
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ .
﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ .
وجاءت صيغة "أشقى" في ثلاث آيات، آية الشمس:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ .
والإضافىة تقيده بالمضاف إليه، فهو أشقى ثمود وأضلها وأطغاها.
والأشقى، معرفة بأل، في آيتى الأعلى والليل، والسياق فيهما متشابه، وعدم
[ ٢ / ١١٤ ]
الإضافة فيهما يطلق "الأشقى" من كل قيد، فلا مجال لمفاضلة بين أي شقي، وهذا الأشقى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ نارًا تلظى ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ .
* * *
والأشقى في آية الليل: ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ .
الكذب في العربية، عدم مطابقة القول للواقع أو لما في الضمير، ومنه الآية في إخوة يوسف: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ . ويستعمل في إخلاف الظن والرجاء.
والتكذيب نقيض التصديق. ولا يأتي التكذيب في الاستعمال القرآني، إلا بالمعنى الديني في التكذيب بالله وآياته وآلائه ورسالاته ورسله، ولقائه، واليوم الآخر.
والتولى: الإعراض والإدبار.
وقد جاء قرينًا للكفر والتكذيب، مع مثل هذا الوعيد بالعذاب، في آيات:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ (الغاشية ٢٢)
ومعها آيات:
﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (القيامة ٣٢)
﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (طه ٤٨)
﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ (المعارج ١٥)
والإدبار فيها إعراض وصد عن الحق.
* * *
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ .
تنفرد الآية هنا بصيغة "الأتقى" معرفة بأل، وجاء أتقى مضافًا إلى ضمير المخاطبين، الناس، في آية الحجرات:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .
فقيد بهذا الإضافة إلى ضمير الناس المخاطبين، لا على الإطلاق في "الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى".
[ ٢ / ١١٥ ]
وأصل الزكاة في اللغة النمو، ومنه زكا الثمر بمعنى طاب حين ينضج ويؤتي أكله.
ويستعمل في المعنويات بملحظ من الخير والبركة.
وزكى الشيء أو الشخص شهد له بالخير والصلاح والتقوى، ومنه في القرآن الكريم آية النجم ٣٢:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ .
والتزكية أيضًا التهذيب والتطهير، ومنه في القرآن الكريم آيتا آل عمران ١٦٤، والجمعة ٢:
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ .
وقد نقلت الزكاة إلى المصطلح الشرعي فيما يؤتيه المؤمن من ماله فريضة، فيزكو المال ببركة الله وثوابه.
وتأتي صيغة الزكاة في القرآن الكريم خاصة بالفريضة، في كل مواضع ورودها وعددها اثنان وثلاثون موضعًا.
وفي المال أيضًا جاء فعل التزكية بآية التوبة ١٠٣:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ .
ومثله التزكى في آية الليل، مع إيتاء المال.
والإيتاء هو البذل.
وأصله في اللغة الإعطاء مع سهولة ويسر: فالأتى السيل. وتأتي الأمر سهل وتهيأ، مأتاه جهته التي يسهل إتيانه منها. وآتت الشجرة أكلها أعطته في يسر وسخاء، ومنه في القرآن الكريم آية البقرة ٢٦٥:
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ .
ومعها آيات (الرعد ٣٥، وإبراهيم ٢٥، والكهف ٣٣) .
والملحظ اللافت في البيان القرآني، أنه إذ يعلق الزكاة مرة واحدة بفاعلين في آية المؤمنين ٤:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ .
[ ٢ / ١١٦ ]
يجئ بها سائر الآيات مع الإيتاء، مصدرًا.
﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ في آيتى (النور ٣٧، والأنبياء ٧٣)
واسم فاعل في آية النساء ١٦٢: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ .
وفعلًا ماضيًا. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ في آيات (البقرة ١٧٧، والتوبة ١١، ١٨، والنور ٥٦) .
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ في آيات (البقرة ٤٣، ٨٣، ١١٠، ٢٧٧، والنساء ٧٧، والتوبة ٥، ١١، والحج ٤١، ٧٨)
﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ في (المائدة ١٢، والروم ٣٩) .
وكذلك الفعل المضارع وفعل الأمر، في كل مواضع استعمالها.
وبكل هذه الآيات نستأنس في غهم الآية: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ بملحظ من دلالة الإيتاء على يسر الإعطاء وسماحة البذل.
وفي الصنعة الإعرابية قالوا: إن جملة ﴿يَتَزَكَّى﴾ على النصب في موضع الحال.
وأجاز الزمخشري ألا يكون لها موضع من الإعراب، لأنه جعل يتزكى بدلًا من صلة الموصول في ﴿الَّذِي يُؤْتِي﴾ .
وهو كما لاحظ "أبو حيان" إعراب متكلف.
والحالية عندنا أولى بالمقام.
* * *
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ .
تعلق بعض المفسرين بالصنعة البديعية في مجئ ﴿تُجْزَى﴾ على البناء للمجهول.
فحملوه على مجرد رعاية الفاصلة. قال أبو حيان:
"وجاء تجزى مبنيًا للمفعول لكونه فاصلة، وكان أصله: نجزيه إياها أو نجزيها إياه".
وهذا ملحظ شكلي من الزحرف البديعي لا نقول بمثله في البيان الأعلى، وإنما جاء البناء للمجهول لمقتضى معنى، وهو أن البذل هنا لم يكن عن قصد جزاء لأحد أو من أحد، على الإطلاق، وإنما هو خالص لوجه الله تعالى.
[ ٢ / ١١٧ ]
وواضح من الآية أن هذا المال المبذول، لم يؤته الذي يتزكى جزاء على نعمة سبقت لأحد عنده، أو ابتغاء لأحد يجزيه بها على هذا البذل. لكن من المفسرين فيما نقل الإمام الطبري - من وجهها على خلاف هذا، فتأول الآية: وماله عند أحد فيما أنفق من نعمة يلتمس ثوابها وجزاءها.
وليس الأولى، فصريح النص ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ﴾ لا يأذن بتأويله على قولهم:
وما له عند أحد.
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .
القراءة بنصب ابتغاء، هي قراءة الجمهور.
والنصب فيه عندهم، إما على الاستثناء، أو مفعولًا لأجله كما ذهب "الفراء" و"الزمخشري" في الكشاف. ويؤنس إليه غلبة مجئ ابتغاء، مفعولًا لأجله في الآيات التي استعملت هذه الصيغة على النصب.
وأما القراءة بالرفع، فتأولوه فيها على البدل من نعمة، وهي من الصنعة الإعرابية في موضع رفع، وحرف الجر قبلها زائد (البحر المحيط) .
والإبتغاء في اللغة، التماس بغية يجتهد في طلبها.
ويكون في الشر بملحظ من البغي والعدوان وتجاوز الحد. ومنه في القرآن الكريم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلهة (التوبة ٤٨، وآل عمران ٧) والعدوان (المؤمنون ٧، والمعارج ٣١)
وابتغاء عرض الحياة الدنيا (النساء ٣٤، والرعد ١٧) .،
ويكون الابتغاء في الخير، بملحظ من الجأب في التماسه والاجتهاد في طلبه، وهو ما يبدو بوضوح في آيات السعي في البر والبحر ابتغاء فضل الله ورزقه:
(النحل ١٤، والإسراء ١٢، ٦٦، والقصص ٧٣، والروم ٢٣، ٤٦، وفاطر ١٢، والجاثية ١٢، والمزمل ٢٠، والجمعة ١٠) .
كما يبدو ملحظ الدأب في العبادة، والجهاد، ابتغاء فضل الله ورضوانه في مثل آيات:
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح ٢٩)
﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ (الممتحنة ١)
[ ٢ / ١١٨ ]
﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر ٨)
ومثله الدأب في الخير، إنفاقًا للمال وسعيًا في معروف وإصلاح بين الناس ابتغاء مرضاة الله، كالذي في آيات:
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء ١١٤)
ومعها آيات: (البقرة ٢٦٥، ٢٧٢، والرعد ٢٢) .
ولا مجال للخوض هنا فيما تعلق به المجسمة من لفظ "وجه" وما حلفت به كتب الكلاميين من تأويل له، وإنما نوجه همنا إلى التفسير البياني، فنقول:
الوجه في اللغة ما يستقبلك من كل شيء، وأكثر ما يستعمل حسيًا للوجه المعروف من الجسم، ومنه في القرآن الكريم، آيتا يوسف ٩٣، ٩٦:
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ .
زآية الذاريات في حديث إبراهيم:
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ ٢٩.
وآيات الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾
والتيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (المائدة ٧)
والقبلة: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (البقرة ١٤٤)
والعربية تطلق الوجه، مرادًا به الذات، من حيث كان الوجه هو الذي يميز الشخص ويحدد ملامحه. ومن جاء استعمال الوجوه لأعيان القوم.
وبملحظ من كون الوجه هو أول ما يستقبل الجسم، جاء الوجه بمعنى القصد والإتجاه.
[ ٢ / ١١٩ ]
وقد جاء "وجه" مضافًا إلى الله سبحانه في إحدى عشرة آية من القرآن الكريم، ثمان منها فيما ينفق المؤمنون إبتغاء وجه الله، وفي المتقين من عبادة يريدون وجهه تعالى.
وآيات:
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (البقرة ١١٥)
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن ٢٧)
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (القصص ٨٨)
قيل في تأويلها إن لفظ وجه "في كل هذا زائد، والمعنى: فثم الله، كل شيء هالك إلا هو، وابتغاء الله".
وأنكره بعضهم وقالوا: "إنما الوجه من معنى القصد والتوجه".
ونقتصر هنا في التفسير البياني، على ما ألفته العربية في إطلاقها الوجه مقصودًا به الذات، وفيما جرى بيانها من مثل: وجه الحق، ووجه الأمر ووجه الرأى، ووجه النهار دون أي ملحظ ينم عن تجسيد!
* * *
وأشار الرازي في تفسيره إلى ما يتعلق به الملحدة في "ربه الأعلى" من اقتضاء أن يكون هناك رب آخر دونه في العلو.
وذلك من عقم الحس فيهم، يغيب عنه سر العربية في إطلاق هذه الصيغة دون قيد بمفضول، وإنما القصد إلى المضي بالعلو إلى نهايته القصوى، على ما التفتنا إليه في تدبر صيغ: الحسنى واليسرى والعسرى، والأشقى.
ونظيره في الإطلاق بغير حدود ولا قيود، قوله تعالى في سورة الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ لا يعني أن هناك ربًا عاليًا دونه، وإنما هو إطلاق للعلو إلى أقصى مداده، دون ملحظ من المفاضلة بين أعلى وعالٍ.
* * *
[ ٢ / ١٢٠ ]
وأكثر المفسرين على أن فاعل "يرضى" المضمر، هو الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى.
ونؤثر أن نبقيه على إطلاقه، فيحتمل رضى الأتقى، ورضى الأعلى.
والبيان القرآني يأتي بهذين الوجهين من الرضى متلازمين، في مثل آية الفجر:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ .
وآيات: البينة في خير البرية، والمجادلة في حزب الله، والمائدة في الصادقين:
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ .
وفسروا رضى العبد عن ربه في آية الليل، بأنه لا يكره ما يجرى به قضاؤه تعالى.
(مفردات الراغب) .
وهذه العبارة تقصر عن جلال الآية: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ .
ولن تكون غاية رضى الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى ابتغاء وجه ربه الأعلى، إلا أن يرضى عنه ربه، ولسوف يرضى.
وإنها لكما قال "ابن القيم" أعلى الغايات وأشرف المطالب.
* * *
وعلى هذا النسق من البيان المعجز، يتم الربط بين المقسم به في أول السورة:
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾
والمقسم عليه من تفاوت سعى البشر في الأولى، بين إعطاء خير وتقوى وتصديق بالحسنى، وبخل خاسر وتكذيب بالحسنى.
ثم التفاوت في الأخرى، بين مصير الأشقى الذي يصلى نارًا تلظى، والأتقى ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾
صدق الله العظيم
[ ٢ / ١٢١ ]