بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
له الحمد، وبه المستعان
لك لغة روائع من آدابها، تعتبرها النماذج العالية لذوقها الأصيل، والمثل الرفيعة لفنها القولى. وقد غبرت الأجيال منا تتجه إلى نصوص مختارة من شعر العربية ونثرها، تضعها بين أيدي القراء أو تقدمها إلى التلاميذ والطلاب وشغلنا نحن أصحاب الدرس الأدبي، أو شغلت الجمهرة منا، بالمعلقات والنقائض والمفضليات، ومشهور الخمريات والحماسيات والمراثي والمدائح والغزليات، ومأثور الرسائل والأمالي والمقامات، شغلنا بهذا ومثله عن "القرآن الكريم" الذي لا جدال في أنه كتاب العربية الأكبر، ومعجزتها البيانية الخالدة، ومثلها العالي الذي يجب أن يتصل به كل عربي أراد أن يكسب ذوقها ويدرك حسها ومزاجها، ويستشف أسرارها في البيان وخصائصها في التعبير والأداء.
* * *
ونحن في الجامعة، نترك هذا الكنز الغالي لدرس التفسير، وقل فينا من حاول أن ينقله إلى مجال دراسات العربية التي قصرناها على دواوين الشعر ونثر مشورى الكتاب. وكان المنهج المتبع في درس التفسير - إلى نحو ربع قرن من الزمان - تقليديا أثريا، لا يتجاوز فهم النص القرآني على نحو ما كان يفعل المفسرون من قديم. حتى جاء شيخنا الإمام "الأستاذ أمين الخولي" فخرج به عن ذلك النمط التقليدي، وتناوله نصا لغويا بيانيا على منهج أصله، وتلقاه عنه تلامذته وأنا منهم. ولكن التفسير الأدبي للقرآن ظل حتى اليوم، محصورًا في نطاق مادة "التفسير" دون أن ينتقل إلى مجال الدرس البياني مع تراث الفصحى وهيهات أن يرقى إليه نص منها.
[ ١ / ١٣ ]
وقلَّ منا - نحن أساتذة العربية في الجامعات - من حاول أن يجعل من النص القرآني موضوعا لدراسة منهجية، على غرار ما نفعل بنصوص أخرى لا سبيل إلى مقارنتها بالقرآن الكريم في إعجازه البياني. وقد حرصت لمدى ربع قرن قضيته في الجامعة، على أن أتتبع أسئلة الامتحان في مواد اللغة والأدب، في أقسام اللغة العربية بمختلف الكليات، فلم أجد من بينها سؤالا في البيان القرآني، فدل هذا على أن الفكرة لم تأخذ حظها الكافي من الوضوح والتمثل.
والدراسات القرآنية، في المجال العام، تسير على غير منهج، ويتصدى لها من المؤلفين من ليسوا أهلا لها. ولم أنس محاولة الأستاذ "مصطفى صادق الرافعي" - ﵀ - في إعجاز القرآن، والحديث عن قيمتها يأتي في مدخل كتابي (الإعجاز البياني) .
* * *
ومنذ سنين وأنا أقوم بهذه المحاولة في دراسة النص القرآني لغة وبيانا، تطبيقًا للمنهج الذي تلقيته وعلى كثرة ما اشتغلت به من روائع النصوص الأخرى، فإني لا أستطيع بحال، أن أعبر عما كان يبهرني من جلال هذه المحاولة، وما راضتني به، عقلا وذوقًا ووجدانًا، إلى الحد الذي جعلني أتساءل في ارتياب: هل كنت قبلها، قد صح لي فقه لغتي العربية، وإدراك أسرار بيانها؟
ذلك لأني بحكم نشأتي في بيت علم ودين، ألفت منذ الصغر أن أصغي بكل وجداني إلى هذا القرآن، وأن أتلو آياته في تأثرٍ وخشوع، لكني لم أع بيانه حق الوعي، إلا بعد تخصصي في دراسة النصوص، واتصالي بأصيل ما للعربية من تراث أدبي، فكنت كلما ازددت تعمقًا في الدرس، وفقهًا للعربية، وقفت مبهورة أمام جلال هذا النص المحكم، وعدت أتلو من معجز آياته ما أدركت معه لماذا أعيا العرب - وهم أصحاب الفن القولى، واللغة
[ ١ / ١٤ ]
طوع لسانهم - أن يأتوا بسورة من مثله، فآمنوا بنبوة محمد ﷺ. لما تلا فيهم آيات القرآن معجزة نبوته وآية رسالته، وإنه لبشر مثلهم، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
* * *
وإذا كنت أجرو بهذه المحاولة، أن أتيح لمثلها- أو لما هو خير منها - مكانًا في صميم الدرس الأدبي بالجامعة، فإني لأطمع كذلك في أن أؤكد بها ما سبق أن قرره أستاذنا، من أن الدراسة المنهجية لنص القرآن الكريم، يجب أن تتقدم كل دراسة أخرى فيه، لا لأنه كتاب العربية الأكبر فحسب، ولكن - لأن الذين يعنون بدراسة نواح أخرى فيه، والتماس مقاصد بعينها منه؛ لا يستطيعون أن يبلغوا من تلك المقاصد شيئًا دون أن يفقهوا أسلوبه ويهتدوا إلى أسراره البيانية التي تعين على إدراك دلالاته. فسواء أكان الدارس يريد أن يستخرج من القرآن أحكامه الفقهية، أو يستبين موقفه من القضايا الاجتماعية أو اللغوية أو البلاغية، أم كان يريد أن يفسر آيات الذكر الحكيم على انحو الذي ألفناه في كتب التفسير، فهو مطالب بأن يتهيأ أولًا لما يريد، ويعد لمقصده عدته: من فهم مفردات القرآن وأساليبه، فهمًا يقوم على الدرس المنهجي الاستقرائى ولمح آسراره في التعبير.
* * *
ثم إن القرآن الكريم هو مناط الوحدة الذوقية والوجدانية لمختلف الشعوب التي أتخذت العربية لسانًا لها، ومهما تتعدد لهجاتها وتختلف أمزجتها وتتابين أساليبها الخاصة في الفن القولي يبق القرآن الكريم، في نقاء أصالته، كتابها القيم الذي تلتقي عنده الشعوب العربية اللسان، على اختلاف لهجاتها وأقطارها، وتفاوت تأثرها بالعوامل الإقليمية، كما تلتقي عنده كتاب عقيدة وشريعة. ومنهاج.
غير أن الظروف الدينية والسيايية والتاريخية، التي تعرض لها فهم العرب للقرآن الكريم، وتعرض لها تأويله - وهو الكتاب الديني لشعوب شتى -
[ ١ / ١٥ ]
قد حالت دون تذوقه نصًا ممثلًا لأنقى وآصل ما في العربية لغة وبيانًا، وذلك لما داخل هذا التذوق من شائبات مذهبية وطائفية جارت عليه.
وكل من له إتصال بالدراسات القرآنية، يعرف ما حشيت به كتب الفسير من إسرائليات حاول بها يهود، ممن دخاول في الإسلام طوعًا أو نفاقًا، تطعيم فهم المسلمين لكتابهم الديني بعناصر إسرائيلية. وأنا أدع الكلام في هذا الذائع المعروف، لأشير إلى شوائب أخرى جاءت نتيجة لتباين أذواق المفسرين وعقلياتهم وبيئاتهم وأنماط شخصياتهم، في ذلك العالم الواسع العريض الذي أمتد من الصين والهند في أقصى المشرق، إلى مراكش والأندلس في أقصى المغرب، وتقاسمته ألوان من عصبيات مذهبية وسياسية وطائفية، فاقتضى هذا بطبيعة الحا أن تواردت على كتاب الإسلام الديني أمم وطوائف شتى، تتذوقه متأثرة بظروفها الخاصة ويفسره المفسرون منهم تفسيرًا يوجه النص توجيهيًا يعوزه في كثير من الأحايين، فوق العربية النقى ومزاجها الأصيل؛ وقد ينحرف به عن وجهته ضلال التعصب أو خطأ المنهج أو قصور التناول.
والمكتبة القرآنية غنية بكتب التفسير، ومنها ما آظهر عناية خاصة بالتوجيه الإعرابي أو البلاغي، ومنا ما أختص بالنظر في مفرداته أو في مجازة أو في أقسامه أو في نظمه، من ذلك مثلًا: عناية الزمخشري بالبلاغة في تفسيره (الكشاف) . وعناية عبد القاهر الجرجانى والقاضي الباقلانى، بالنظم في: (الإعجاز ودلائله) وكتب الماوردي وإبن حزم والقاضي إبن العربي والشاطبي والجصاص، في (الأحكام)، وكتاب محب الدين أبى البقاء العكبرى في (وجوه الإعراب والقراءات) وكتاب إبن خالويه في (إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم) وكتاب إبن قيم الجوزية في (أقسام القرآن) وكتاب الراغب الأصفهاني في (مفردات القرآن)، وكتاب أبي عبيدة في (مجاز القرآن) وكتب: (معاني القرآن وإعرابه) لأبي إسحاق الزجاج، و(إعراب القرآن) لأبي جعفر إبن النحاس، و(غريب القرآن) لإبن قتيبة، ولمكي بن أبي طالب حموش القيسى، وأبي البركات إبن الأنباري وغيرها مما لا أذكره هنا على وجه الإحصاء. وما يجرؤ منصف على أن يجحد فضل أحد من هؤلاء جميعًا، هم الذين بذلوا في خدمة القرآن جهودًا جليلة، وتركوا آثترهم زادًا لمن بعدهم.
[ ١ / ١٦ ]
ولكن التفسير ظل - باعترافهم - من علوم العربية التي لم تنضج ولم تحترق، وهذا الإعتراف يفسح لي العذر حين أتقدم إلى هذا الميدان الجليل في حدود جهدي وطاقتي واختصاصي، كما يشفع لي حين أضطر أحيانًا إلى رفض بعض أقوال لهم وتأويلات وإتجاهات، قد أراها، والله أ'لم بعيدة عن روح العربية الأصلية، مجافية نصًا وروحًا، لبيان القرآن المحكم.
* * *
واليوم إذا تتداعى الشعوب العربية بالوحدة، نلوذ بكتابنا الأكبر الذي نلتقي عنده لسانًا ووجدانًا على اختلاف بيئاتنا ولهجاتنا وتباين ميراثنا الحضاري والفني، كما يلتقي المسلمون عنده، في شتى أقطارهم وعلى اختلاق ألسنتهم، عقيدة وشريعة ومنهاجًا.
ولن يكون هذا التلاقي عند كتابنا العربي المبين، إلا إذا جدَّتْ محاولتنا في رسه وفهمه وتذوقه، على منهج دقيق محرر، ينفذ من وراء الحجب التي أسدلتها التأويلات المذهبية والطائفية، والأذواق الأعجمية، إلى الجوهر الكريم في ذروة نقائه وجلال أصلته.
وما أعرضه هنا، ليس إلا محاولة في هذا التفسير البياني للمعجزة الخالدة، حرصت فيها - ما أستطعت - على أن أخلص لفهم النص القرآني فهمًا مستشفًا روح العربية ومزاجها، مستأنسة في كل لفظ، بل في كل حركة ونبرة، بأسلوب القرآن نفسه، ومحتكمة إليع وحده، عندما يشتجر الخلاف، على هدى التتبع الدقيق لمعجم ألفاظه، والتدبر الواعي لدلالة سياقه، والإصغاء المتأمل، إلى إيحاء التعبير في البيان المعجز
* * *
والأصل في منهج هذا التفسير - كما تلقيته عن أستاذي - هو التناول الموضوعي الذي يفرغ لدراسة الموضوع الواحد فيه، فيجمع كل ما في القرآن منه، ويهتدى بمألوف استعماله للألفاظ والأساليب، بعد تحديد الدلالة اللغوية لكل ذاك وهو منهج يختلف والطريقة المعروفة في تفسير القرآن سورة سورة، يؤخذ اللفظ أو الآية فيه، مقتطعًا من سياقه العام في القرآن كله،
[ ١ / ١٧ ]
مما لا سبيل معه إلى الإهتداء إلى الدلالة القرآنية لألفاظه، أو لمح ظواهره الأسلوبية وخصائصة البيانية.
وقد طبق بعض الزملاء هذا المنهج تطبيقًا ناجحًا، في موضوعات قرآنية اختاروها لرسائل الماجستير والدكتوارة. وأتجه بمحاولتي اليوم إلى تطبيق المنهج في تفسير بعص سور قصار ملحوظ فيها وحدة الموضوع وأكثرها من السور المكية حيت العناية بالأصول الكبرى للدعوة الإسلامية وقصت يهذا الإتجاه، إلى توضيح الفرق بين الطريقة المعهودة في التفسير، ومنجهنا الإستقرائي الذي يتناول النص القرآني في جوه الإعجازي، ويقدر حرمة كلماته بأدق ما عرفت مناهج النصوص من ضوابط، ويلتزم دائمًا قوله السلف الصالح: "القرآن يفسر بعضه بعضًا" - وقد قالها المفسرون ثم لم يبلغوا منها مبلغًا - ويحرر مفهومه من العناصر الدخلية والشوائب المقحمة على أصالته البيانية.
* * *
وسيرى المتخصصون في الدراسة القرآنية - بيانية أو فقهية - مدى حاجتنا إلى فهم نصه قبل أي شيء آخر، وسيرون كذلك ما تكشف عنه المحاولة من شطط التأول في كثير من كتب التفسير واللغة والبلاغة، أو من بعد التكلف وإعتساف الملحظ، وتحميل ألفاظ القرآن وعباراته ما يأباه القرآن نفسه حين تحتكم إليه.
وسيبهرهم بلا ريب، ما بهرني من أسرار له بيانية، هدى إليها الدرس المنهجي الاستقرائي والتدير المرهف: في اللفظ لا يقوم مقامه سواه، وفي الحرف لا يؤدى معناه حرف آخر، وفي الحركة أو النبرة مكانها في النظم الباهر
* * *
ولا أريد أن أتزيد هنا يسوق أمثلة من ذلك كله، بل لا أريد كذلك أن أسيق إلى توقع ما سوف تحدثه المحاولة من أثر أو ما قد يعقبها من صدى، فايًا ما كان الرأي فيها، وأيًا ما كان حظها من التوفيق، فحسبي الذي نلت من ثوابها، وما أجدت على مادة وذوقًا وفهمًا، حين انقطعت لخدمة كتاب
[ ١ / ١٨ ]
العربية الأكبر، وأمضيت سنين عاكفة على تدبر أسراره، ولمح إعجازه البياني: "لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ".
صدق الله العظيم.
عائشة عبد الرحمن
استاذ كرسي اللغة العربية وآدابها
جامعة عين شمس
مصر الجديدة"
شعبان ١٣٨١
يناير ١٩٦٢
[ ١ / ١٩ ]