وقد نزلت هذه الآيات على النبي ﷺ ليلا في غار حراء أحد جبال مكة أثناء اعتكافه في هذا الغار في رمضان على ما ورد في حديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ جاء فيه: «أوّل ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح. ثم حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث- أي يتعبّد- فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: «اقرأ» فقال: «ما أنا بقارئ» قال: «فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد ثم أرسلني» . فقال: «اقرأ»، فقلت: «ما أنا بقارئ» قال: «فأخذني فغطّني الثانية حتّى بلغ مني الجهد ثم أرسلني» فقال: «اقرأ» فقلت:
«ما أنا بقارئ» فأخذني فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني» فقال:
_________________
(١) انظر سياق تفسيرها في الطبري وابن كثير والطبرسي وغيرهم وانظر كذلك كتاب «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي ج ١ ص ٢٤ وما بعدها، الطبعة المذكورة سابقا. وننبه إلى أننا سرنا على الاكتفاء بذكر اسم كتاب التفسير أو مؤلفه دون ذكر رقم المجلد أو الجزء أو الصفحة لأن هناك أكثر من طبعة لأكثر من كتاب من كتب التفسير، وقد لا تكون الطبعة التي ننقل عنها هي المتيسرة في يد القارئ، وطريقتنا تيسر للقارىء أن يراجع المادة في أي طبعة كما هو واضح. []
[ ١ / ٣١٦ ]
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ: ما لَمْ يَعْلَمْ» «١» . ونزول هذه الآيات ليلا وفي رمضان مؤيد بآيات قرآنية منها آية سورة البقرة هذه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [١٨٥]، وآية سورة الدخان هذه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)، وآية سورة القدر هذه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) .
والأمر بالقراءة قصد به تلاوة ما يلقى إليه كما قصد به تنبيهه ﷺ إلى المهمة العظمى التي انتدب إليها، وتعليمه أن يجعل الله هو الفكرة الرئيسية التي تشغل ذهنه، وأن يذكره في كل أمر من أموره دون سواه كما هو المتبادر.
وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى وشامل للناس جميعا بالانصراف عما سوى الله، وبالارتفاع بالنفس الإنسانية إلى أفق لا تتأثر فيه بقوى الدنيا ومخاوفها، ولا ترتبط في حياتها ومعايشها ومطالبها وآمالها بغير الله الربّ الأكرم.