هذا وهناك أحاديث عديدة تقرر سنة نبوية بالسجود عند تلاوة عدد من الآيات فيها أمر بالسجود لله أو خبر باستكبار الكفار عنه. من جملة ذلك سنة:
[ ١ / ٣٤٩ ]
السجود عند تلاوة آخر سورة العلق حيث روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة حديثا جاء فيه: «سجدنا مع رسول الله في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق/ ١]، واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق/ ١]» .
ومن الأحاديث المروية في الموضوع عامة حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر جاء فيه: «كان النبيّ ﷺ يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته» . وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة جاء فيه: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله، وفي رواية يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» .
وحديث رواه أبو داود والحاكم عن ابن عمر جاء فيه: «كان النبيّ ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مرّ بالسجدة كبّر وسجد وسجدنا معه» «١» .
وفي المصحف الذي اعتمدنا عليه إشارة إلى أربع عشرة سجدة هي آيات الرعد [١٥] والنحل [٤٩] والإسراء [١٠٧] ومريم [٥٨] والحج [١٨ و٧٧] والفرقان [٦٠] والنمل [٢٥] والسجدة [١٥] وص [٢٤] وفصلت [٣٧] والنجم [٦٢] والانشقاق [٢١] والعلق [١٨] . وفي بعض هذه السجدات أحاديث دون بعض. ولقد روى أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن العاص حديثا قال فيه: «إن النبي ﷺ أقرأني خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصّل وفي سورة الحجّ سجدتان» «٢» . وروى الترمذي وأبو داود عن أبي الدرداء حديثا جاء فيه: «سجدت مع رسول الله إحدى عشرة سجدة منها التي في النجم» «٣» . وروى أبو داود حديثا مرفوعا جاء فيه: «قرأ رسول الله وهو على المنبر (ص)، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه. فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزّن الناس للسجود فقال رسول الله ﷺ: إنّما هي توبة نبيّ ولكنّي رأيتكم تشزّنتم للسجود فنزل
_________________
(١) «التاج» ج ١ ص ١٩٨ وما بعدها.
(٢) التاج ج ١ ص ١٩٨ وما بعدها.
(٣) المصدر نفسه.
[ ١ / ٣٥٠ ]
فسجد وسجدوا» «١» . وهذا بالإضافة إلى حديث أبي هريرة الذي ذكر في سجدتي الانشقاق والعلق. وما بقية السجدات فهي على ما يبدو من تنبيهات المفسرين اجتهادية جريا على قاعدة ذكرها الزمخشري في سياق آية سورة النمل [٢٥] حيث قال إن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح لمن أتى بها أو ذم لمن تركها. ثم قال:
إن أبا حنيفة والشافعي رحمهما الله اتفقا على أن سجدات القرآن أربع عشرة وإنما اختلفا في سجدة (ص) وسجدتي (النحل) .
ولقد روى الخمسة عن زيد بن ثابت قال: «قرأت على النبيّ ﷺ والنجم فلم يسجد فيها» وروى البخاري عن ربيعة بن عبد الله قال: «قرأ عمر بن الخطاب على المنبر يوم الجمعة بسورة النحل فلما جاء السّجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها فلما جاء السّجدة قال يا أيّها النّاس إنما نمرّ بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه ولم يسجد عمر» وروى البخاري حديثا عن ابن عمر جاء فيه: «إن الله لم يفرض علينا السجود إلّا أن نشاء» .
ويلحظ أن السجدات جميعها في سور مكية وقد كان العهد المكي بنوع خاص عهد نضال وتشاد مريرين بين التوحيد والشرك والإيمان والكفر وبين النبي ﷺ وأصحابه وكفار العرب وفي مقدمتهم زعماء مكة. حيث يلمح من ذلك حكمة السنة النبوية التي فيها علامة الاستجابة السريعة من أهل الإيمان إلى السجود إلى الله ﷿ عند كل مناسبة ورد وتحد عمليان على الكفار بسبب استكبارهم وعنادهم.