وهذا الحديث الأخير مما يسمى في اصطلاح علماء الحديث بالحديث القدسي، لأن الكلام فيه مروي عن النبي ﷺ عن الله ﷿، وبهذه المناسبة نقول إن هناك أحاديث كثيرة مروية عن النبي ﷺ عن جبريل عن الله ﷿، أو عن النبي ﷺ عن الله ﷿. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة. ومن واجب المؤمن أن يؤمن ويصدق بكل ما ثبت صدوره عن النبي ﷺ. ولما كان القرآن يبلّغ عن الله تعالى بواسطة الوحي الرباني أو جبريل ﵇ فقد تكون مسألة الأحاديث القدسية موضع سؤال عن الفرق بين الوحي بالحديث القدسي والوحي بالقرآن، وحكمة ذلك.
ولما كان هناك كما قلنا أحاديث قدسية صحيحة فالذي يمكن أن يقال في صددها أنها هي الأخرى من سرّ النبوة مثل سرّ الوحي القرآني الذي لا يدرك بالعقول العادية ويجب الإيمان به لأنه ثابت بنص القرآن والحديث النبوي مع فارقين أو لهما أن النبي ﷺ كان يفرق بين الحديث القدسي وبين الوحي القرآني، فيأمر بتدوين الوحي القرآن حال نزوله ويبلّغه كقرآن، ويخبر بالحديث القدسي إخبارا مرويا عن الله ولا يأمر بتدوينه بل كان يدخل في متناول النهي النبوي كتابة غير القرآن حيث روى مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب شيئا فليمحه» . ومن الحكمة الملموحة في هذا الحديث الحرص على عدم اختلاط أي كلام غير قرآني بالقرآن. وهو أمر ذو دلالة خطيرة في صدد عمق اليقين النبوي بالوحي القرآني وتمييزه عن أي معنى آخر
_________________
(١) التاج ج ٤، ص ٣٢- ٣٣.
[ ١ / ٢٩٢ ]
يحبك في صدر رسول الله ﷺ ويحدث به أصحابه، أو أي معنى آخر يوحي الله به إليه أو يلهمه إياه ويحدث به أصحابه دون أن يتصف بأنه قرآن.
وهذا يشمل كما هو المتبادر الأحاديث القدسية التي يحدث بها النبي ﷺ عن الله تعالى والأحاديث العادية التي كان يقولها لأصحابه في مناسبة ما. ويبدو ذلك السرّ وهذه الدلالة الخطيرة أقوى صورة إذا لوحظ أن السنن النبوية القولية والفعلية واجبة الاتباع مثل القرآن وهي مصدر التشريع الإسلامي مثله وكل ما في الأمر أنها تأتي بعده «١» . ولقد جاء في سورة النساء هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)، والقرآن يمثل الله تعالى والحديث يمثل رسوله بعد موته. وفي ذلك السر وهذه الدلالة ردّ مفحم على الأغيار الذين ينسبون القرآن إلى النبي ﷺ.
أما الفارق الثاني فهو أن أسلوب الأحاديث القدسية مماثل لأسلوب الأحاديث النبوية العادية أي أسلوب مخاطبة عادية دون أسلوب القرآن من حيث التقطيع والتوازن والتركيز في أواخر المقاطع أو الآيات كما هو ملموح في الحديث الذي أوردناه عن أبي ذر وفي غيره مما سوف نورده في مناسبات أخرى والله تعالى أعلم «٢» .