ونستطرد فنقول إن أسلوب القرآن يساعد بنطاق غير ضيق على التمييز بين السور المكية والسور المدنية بل الآيات المكية والآيات المدنية أيضا فالسور المكية أولا تنحو في الأغلب نحو التسجيع والتوازن، وثانيا تتكثف فيها الدعوة إلى الله وإثبات استحقاقه وحده للخضوع والعبادة ومحاربة الشرك وكل ما يتصل به وتعنيف الكفار وتقريعهم بسببه، وثالثا إن أسلوبها المتصل بالدعوة إلى المكارم الاجتماعية والروحية والإنسانية وبالتحذير من الآثام والفواحش أسلوب دعوة وحض وتشويق وتنديد وتنويه. ورابعا إن القصص ومشاهد الآخرة والحديث عن الملائكة والجن وحكاية أقوال الكفار وجدلهم وافتراءاتهم ونسبهم المختلفة للنبي قد كثرت
[ ١ / ١٢٦ ]
وتكررت، وخامسا إن وحدة الموضوع في السور الطويلة والمتوسطة فضلا عن القصيرة ملموحة في كل سورة منها تقريبا، وسادسا إن تلاحق الفصول والسياق جدلا وحكاية وإنذارا وتبشيرا ووعدا ووعيدا وتدعيما وتمثيلا وتذكيرا وقصصا وتطمينا وتوجيها وتلقينا وبرهنة ملموح كذلك في كل سورة منها تقريبا وفي السور المكية تبرز مبادئ الدعوة القرآنية قوية واضحة، وتبرز خصوصيات القرآن ومميزاته الأسلوبية والموضوعية بالنسبة إلى الكتب السماوية الأخرى قوية واضحة كذلك ومن مميزات الأسلوب المكي اللهجة الخطابية القوية النافذة إلى الأعماق والقارعة للأسماع والقلوب واللهجة التي يذكر بها اليهود خاصة حيث خلت من التقريع والتعنيف والجدل والأخذ والرد، وتلك الصور الجحودية والإزعاجية والتشكيكية والدسية الواردة عنهم في القرآن المدني واللهجة المحببة الاستشهادية التي يذكر بها الكتابيون وأولو العلم كأنما هم حزب المسلمين والدعوة النبوية والأسلوب المكي يغلب فيه وصايا الصبر والتطمين والتسكين وعدم المبالاة بمواقف الكفار كما أنه خلا من الحض على الجهاد ووقائع الجهاد وخلا كذلك من ذكر المنافقين ومواقفهم ودسائسهم والحملات القاصمة عليهم. وواضح أن هذا كله متصل بظروف العهد المكي من السيرة النبوية مما نبهنا عليه في سياق التفسير.
أما القرآن المدني فالسجع فيه قليل بل نادر، وطول نفس الآيات غالب، ونقل فيه فصول القصص ووصف مشاهد الآخرة والجن والملائكة والجدل ووصف مشاهد الكون أو تقصر ويكتفى من ذلك بالتذكير والإشارات الخاطفة، وتصطبغ فيه المبادئ والتكاليف التعبدية والأخلاقية والاجتماعية والقضائية والسلوكية بصبغة التقنين والتقعيد، وفيه تشريع الجهاد ووقائعه وظروفها، وفيه إبطال عادات وتقاليد قديمة، وإقرار عادات وتقاليد قديمة أخرى مع الإصلاح والتهذيب، وإنشاء عادات وتقاليد جديدة في سبيل الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي، وفيه صور النفاق والمنافقين ومواقفهم، ولهجته عن اليهود لهجة شديدة في الدعوة والتعنيف والتنديد وفيه صورة عن مواقفهم وأحوالهم، وفيه الاستفتاءات والأسئلة القضائية والاجتماعية والأخلاقية والأسروية وأجوبتها التشريعية، وواضح أن هذا كله متسق
[ ١ / ١٢٧ ]
أيضا مع ظروف العهد المدني من السيرة النبوية مما نبهنا عليه في سياق التفسير كذلك.
وعلى ضوء هذه المميزات ومع استلهام المضمون والسياق أمكننا ترجيح مكية سور الرعد والحج والرحمن والإنسان والزلزلة التي يذكر مصحف قدور أو غلي وغيره مدنيتها، وأمكننا كذلك ترجيح مكية ومدنية السور القصيرة الأخرى التي اختلفت الروايات فيها، وترجيح احتمال تقدم بعض السور المتأخرة وتأخر بعض السور المتقدمة، وترجيح مكية آيات ذكرت الروايات أنها مدنية في سور مكية ومدنية آيات ذكرت الروايات أنها مكية في سور مدنية مما نبهنا عليه في سياق التفسير الكامل.