سابعا: علامات الوقف والوصل والأداء:
إن ما قررناه في الفقرة السابقة يصح على علامات الوقف والوصل والمدّ والقصر والسكون فوق الكلمات والحروف القرآنية في المصحف العثماني، من حيث كونها محدثة وليست أصيلة في المصحف العثماني ومن حيث قصد ضبط قراءة القرآن وإتقان أداء كلماته وحروفه مع التنبيه على أنه دون خطوة الشكل والنقط خطورة أولا وأنها قد أحدثت بعد هما على الأرجح ثانيا. وننبه كذلك على أن ما نقصده هو وضع العلامات، وهذا لا يقتضي طبعا أن لا يكون النبي ﵇ وأصحابه قد عنوا بالوقوف على ما ينبغي الوقوف عليه ووصل ما ينبغي وصله والسكوت عند ما يجب السكوت ومدّ ما يقتضي مدّه وقصر ما يحسن قصره إلخ. فلا يصح أن يشك في أن كل هذا قد كان، وأنه متصل بطبيعة النطق الخطابي والتقريري التي هي من طبيعة التلاوة القرآنية ومقتضيات أداء معاني القرآن مما لا يمكن إلا أن يكون، سواء في تلاوته من النبي على الناس أم تلاوته من قبل الصحابة، وسواء أكان ذلك في الصلاة أم في مجال التلاوة والوعظ والبيان، فضلا عن أن طبيعة الخطاب والتلاوة بوجه عام تقتضي ذلك. والراجح أن الأمر القرآني وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل ٤] . وهو من أوليات القرآن نزولا هو في صدد ذلك أو مما استهدفه. وتلاوة القرآن على الأداء المعروف متصلة فيما يعتقد بالسماع خلفا عن سلف حتى تتصل بالعهد النبوي. وقد جرى الأمر على هذا بالتواتر الفعلي السماعي الذي لم ينقطع من لدن النبي ﵇. ومما لا ريب فيه أن العلامات الجزء الأول من التفسير الحديث ٩
[ ١ / ١٢٩ ]
وحدها لو لم يكن هذا النقل السماعي المتواتر لا تجزي وحدها ولا تجعل قارئ القرآن يؤدي دلالاتها على وجهها دون تعليم وسماع. والمعقول أن وضع العلامات كان من قبل أعلام القراء والرواة حينما رأوا أن الحاجة صارت ماسة إلى ذلك، وأن بقاء القرآن بدونها قد يؤدي إلى إساءة التلاوة والأداء والانحراف عن الأسلوب الصحيح القويم المتناسب مع طبيعة المفاهيم القرآنية والذي كان يرويه القراء والرواة راو عن راو وقارئ عن قارئ، على أن المعقول أيضا أن وضعها هو من قبيل التذكير بدلالاتها التي كانت تتلقى سماعا. والراجح أن هذا قد كان كذلك في القرنين الثاني والثالث الهجريين.