وفي الآيات وبخاصة في الآيات [١٥- ١٩] تطمين وتثبيت للنبي ﷺ إزاء تعرض الزعيم الطاغية كما هو واضح، وقد ثبت فيه بدون ريب الطمأنينة والقوة والعزم على متابعة مهمته العظمى. ومما لا ريب فيه أن النبي ﷺ قد تلا الآيات حتى وصلت إلى مسامع الطاغية، بل من المحتمل القوي أن يكون قذف بها في وجهه مباشرة.
وإذ يتصور المرء النبي ﷺ يصرخ في وجه هذا الطاغية المعتدّ بماله وقوته وناديه صرخته المدوية تردادا لوحي الله: كلا كلا، ثم يقذف بكلمات التنديد والتهديد والتحدي والإنذار القرآنية غير مبال بالزعامة وقوتها وهو من دون نصير من الناس ولم يكن قد آمن به من يستطيع له نصرا ويقف في جانبه يدرك من دون ريب تلك الشجاعة التي كان يتحلى بها والتي استمدها من إيمان عميق مستول على
[ ١ / ٣٢٣ ]
مشاعره جعله لا يرى عظمة إلا لله ولا قوة إلا لله ولا سلطانا إلا لله، وجعله يرى كل ما عداه أضعف من أن يخشى، وأعجز من أن يستطيع له نفعا أو ضرا، أو يقف أمام دين الله ويحول دون الدعوة إليه. ويدرك بهذا ما تحلى به من عظمة الخلق وقوة الجنان وعمق اليقين، مما كان موضوع ثناء الله في آية القلم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) .
وفي كل هذا أسوة يجب على المسلمين أن يتأسوا بها وبخاصة الدعاة إلى الإصلاح والمتعرضين للظلم والطغيان. لأن الله سبحانه أمرهم بأن يكون لهم في رسوله الأسوة الحسنة كما جاء في آية سورة الأحزاب هذه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) .
ويتبادر من عنف الآيات وقوتها القارعة أن الحكمة الربانية اقتضت أن يكون الرد على أول متصدّ للنبي ﷺ من الزعماء الأقوياء بهذا الأسلوب لتثبيت النبي وأصحابه القلائل الذين آمنوا به، ومواجهة الزعيم القوي بقوة وعنف يصدمانه على غير توقع. ولا شك في أن النبي ﷺ قد تلا الآيات على أصحابه، فقوّت من روحهم وزادتهم إيمانا، ووصلت إلى صاحبها وناديه فصعقتهم بعنفها وجعلتهم يشعرون بالقوة الروحية التي يستمد منها النبي، وازداد النبي بهذا وذاك قوة وعزما على الاستمرار في مهمته، غير مبال بالزعيم القوي وناديه.
على أن جملة: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ تسوغ القول أن أبا جهل لم يكن وحيدا في موقفه من النبي ﷺ. وهو ما تدل عليه الآيات التي نزلت بعد هذه الآيات في مناسبات عديدة مبكرة.
وليس بعيدا أن يكون تعبير «ناديه» قد عنى دار الندوة التي كان يجتمع فيها أهل الحلّ والعقد في مكة الذين هم رؤساء الأسر القرشية البارزة، وقد كانت هذه الدار قرب الكعبة، فإذا صحّ هذا فإن من السائغ أن يقال إن السلطات الرسمية قد رأت في صلاة النبي ﷺ علنا بصلاة جديدة لا عهد للناس بها، وفي دعوته الناس جهارا إلى دين يخالف ما عليه الناس بدعة، ورأت وجوب الوقوف في وجهها،
[ ١ / ٣٢٤ ]
وأنها عمدت إلى أحد أعضائها بتنفيذ ذلك، أو أن هذا العضو كان أشدّ حماسا ضدها من غيره فكان هو المتصدي.
وهكذا ينطوي في الآيات المبكرة جدا في النزول أولى صورة من صور مواقف زعماء مكة الشديدة المناوأة التي تكررت واستمرت إلى أن تمّ الفتح المكي. وأولى صورة من صور الردّ القرآني المبلغ للرسول والمعلن للناس من قبله على هذه المواقف التي تكررت وحكاها القرآن المكي في مختلف أدوار التنزيل.
وفي الرد القرآني المنطوي في آيات السورة تعليل لهذا الموقف وقد انطوى في الردود القرآنية مثل هذا التعليل أو ما يقاربه. وهو على الأكثر الاستكبار ومكر السيء والاستهتار والاعتداد بالمال والولد والحرص على التقاليد التي كانوا يستمدون منها قوة وجاها والحسد والاعتبارات الشخصية والأسرية. ومن ذلك آيات سورة فاطر هذه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ، وآيات سورة الزخرف هذه: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)، وآيات سورة ص هذه:
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) .
وقد يعني هذا أن الزعماء الذين كان أكثرهم أغنياء وأولو عصبية في الوقت نفسه قد رأوا في الدعوة النبوية تحدّيا لهم وتهديدا لمركزهم وثرواتهم فانبروا إلى مناوأتها من أول أيامها، وأدى ذلك إلى نضال طويل مرير مختلف الصور والأشكال بينهم وبين النبي ﷺ مما شغلت حكايته وصوره حيزا كبيرا من القرآن وبخاصة المكي منه على ما سوف يأتي متواليا.
[ ١ / ٣٢٥ ]