فأولا: إن هناك روايات كثيرة في أسباب النزول ومناسباته وقد حشرت في كثير من كتب التفسير التي كتبت في مختلف الأدوار لا تثبت على النقد والتمحيص طويلا، سواء بسبب ما فيها من تعدد وتناقض ومغايرة أو من عدم الاتساق مع روح الآيات التي وردت فيها وسياقها بل ونصوصها أحيانا، ومع آيات أخرى متصلة بموضوعها أو موضحة لها أو عاطفة عليها، حتى أن الناقد البصير ليرى في كثير من هذه الروايات أثر ما كان من القرون الإسلامية الثلاثة الأولى من خلافات سياسية ومذهبية وعنصرية وفقهية وكلامية قوي البروز، وحتى ليقع في نفسه أن كثيرا منها منحول أو مدسوس أو محرف عن سوء نية وقصد تشويش وتشويه ودعاية ونكاية وحجاج وتشهير، أو قصد تأييد رأي على رأي، وشيعة على شيعة.
والمتبادر أنه لما كان عهد التدوين الذي راجت فيه الرواية تلقف المدونون من الأفواه الغثّ والسمين والصحيح والفاسد والمعقول وغير المعقول والملفق
[ ١ / ٢٠٥ ]
والمنحول والمحرف فدونوه وتناقلوه، وجعله المفسرون القديمون من عمد تفسيرهم، بل كان وظلّ الركن الأقوى والأوسع في التفسير، فكان هذا التساهل من جانب المدونين أولا والمفسرين المتقدمين ثانيا باعثا على تسلسل الدور وانتقال الروايات من عهد إلى عهد من دون تحفظ أو تمحيص إلا قليلا حتى صارت كأنها قضايا مسلّمة أو نصوص نقلية يجب الوقوف عندها والتقيد بها أو التوفيق بينها إلخ، وأدى هذا إلى الوقوع في أخطاء وتشويشات ومفارقات كثيرة، سواء كان في صدد السيرة النبوية وأحداثها أو ظروف ما قبل البعثة، أو المفهومات والدلالات والأحكام القرآنية. ولقد كان هذا في أحيان كثيرة مستندا من مستندات أعداء العرب والإسلام المتعقبين للثغرات فيهم، فتمسكوا بكثير من الروايات الواردة في التفسير مع ما هي عليه من وهن وتهافت فأساؤوا فهم القرآن وخلطوا فيه عن عمد أو غير عمد، شأنهم في ذلك شأنهم في التمسك بكثير من الروايات الواردة عن السيرة النبوية والبيئة النبوية وظروفها وما بعدها من أحداث الحركة الإسلامية وظروفها وتاريخها. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، وقد نبهنا عليها في سياق التفسير، وإليك بعضها على سبيل التمثيل والإيضاح:
(١) فقد نقل الخازن «١» في تفسير أوائل سورة التوبة عن محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما أن النبي ﵇ أمّر أبا بكر على الحج في أول حجّ بعد فتح مكة وبعث معه أربعين آية من سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده عليا ليقرأ على الناس صدر براءة ويؤذن بمكة ومنى أن قد برئت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، وأن أبا بكر رجع فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال لا ولكن لا ينبغي أن يبلغ هذا
_________________
(١) إن إشارتنا إلى كتب تفسير بعينها في هذا الفصل وغيره لا تعني أن عدا هذه الكتب خال من الثغرات التي ننبه عليها ونمثل لها. فإن أكثر ما اطلعنا عليه من هذه الكتب ينطوي على واحدة أو أكثر من هذه الثغرات، وبعضها ينقل عن بعض حرفيا وبعضها يعزو إلى بعض والقليل منها تعليق على ما يورده أو ينقله أو يعزوه وكثير منها يورد فيها بدون تعليق كأنما يتبناه أو ليس له اعتراض وتعليق عليه.
[ ١ / ٢٠٦ ]
إلا رجل من أهلي. هذا بينما ورد في البخاري حديث عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمّره رسول الله عليها في رهط يؤذن في الناس يوم النحر أن لا يحج بعد العام مشرك ويطوف بالبيت عريان. وفي الحديث الثاني تعارض مع الأول كما هو ظاهر، ولقد كان الحديث الأول موضع تأويل متقابل من الشيعة والسنة، فالأولون احتجوا به لصواب مذهبهم لأنه مؤيد لحق علي في القيام مقام النبي بعده، وكون ما تمّ هو مخالف لتلقين النبي، والآخرون قالوا مقابل ذلك إنما بعث النبي عليا في هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويراه الناس أنه تحت إمرته ويكون في ذلك تنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله، وأن الأمير على الناس كان أبا بكر ولم يكن عليا وأن في هذا تقديما له عليه، ولم يكلف من هؤلاء وأولئك نفسه عناء البحث في متن الرواية، فإنّ ما احتواه حديث بعث النبي مع أبي بكر أربعين آية من صدر سورة براءة يجعل الحديث موضع نظر وتوقف لأن هذا العدد من صدر السورة احتوى مواضيع متنوعة ومنها ما نزل في شؤون أخرى، ومنها ما هو متصل بسلسلة طويلة من بعده، بل ومنها ما نزل قبل الفتح المكي على ما ذكرته من روايات أخرى يؤيدها أو يقوم قرينة عليها نصوص بعض هذه الآيات، هذا فضلا عن رائحة التشاد الحزبي بين الشيعة والسنة القوية في الحديثين وما يمكن أن تعنيه من وضعهما لتأييد كل رأيه وتجريح رأي خصمه هجوما ودفاعا! (٢) وقد روى السدّي عن الزبير على ما جاء في «كشاف» الزمخشري أنه قال إن آية وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥]، نزلت فينا، وأنه كان يساير النبي يوما فأقبل عليه فضحك له الزبير فقال رسول الله كيف حبك لعلي فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني أحبّه كحبي لولدي أو أشدّ قال فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله. هذا في حين أن الآية شديدة الانسجام مع سابقاتها ولا حقاتها، وأن السياق في صدد تثبيت المسلمين وتذكيرهم وتحذيرهم وعظتهم على أثر التشاد الذي كان بينهم حول غنائم بدر وفي سبيل توطيد طاعة للنبي في نفوسهم، وفي حين أنه لا يبدو قط أي اتساق وصلة بين الرواية والآية
[ ١ / ٢٠٧ ]
معنى أو موضوعا أو مدى، فضلا عما يلفت النظر فيها من أثر الفتنة التي نجمت مذ مقتل عثمان ومن عدم احتمال صدورها عن الزبير لأن فيها إدانة له.
ومن هذا الباب روايات كثيرة في أسباب نزول آيات كثيرة تضمنت صرف الآيات إلى بعض الصحابة وتشم فيها رائحة الخلاف السني الشيعي ولا تتسق في حال مع الآيات وظروف نزولها وسياقها، فقد روى بعض الشيعة رواية بأن آية وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) [الزمر: ٣٣] قد نزلت بحق علي، وروى بعض السنيين رواية بأنها نزلت في حق أبي بكر، والسياق يدل على أنها مع ما سبقها ولحق بها عامة متصلة بظروف الدعوة في العهد المكي الذي لم يكن علي في أوائله إلا صبيا، ومن ذلك ما رواه بعض السنيين من أن آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]، قد نزلت عند إسلام عمر، ومن أن جملة وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، نزلت في إيجاب مشاورة أبي بكر وعمر، مع أن آية الأنفال مدنية ومتصلة بظروف الجهاد في العهد المدني وجزء من سياق منسجم، وأن جملة آية آل عمران من آية يدل مضمونها نفسه على أنها متصلة بموقف بعض المسلمين والمنافقين في ظروف وقعة أحد فضلا عن أنها جزء من سياق منسجم في ظروف هذه الوقعة، ومن ذلك ما رواه الشيعيون من أن آية وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤]، قد نزلت في الذين ينكرون حقّ علي في الولاية مع أن السياق عام متصل بظروف الدعوة في العهد المكي، وفيه حكاية عن ما يراه الكافرون والمؤمنون من المشاهد الأخروية ترهيبا وترغيبا.
(٣) وجاء في البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب، بينما جاء في البخاري عن أنس أيضا أنه لما تزوج رسول الله زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبي ليدخل فإذا القوم جلوس ثم
[ ١ / ٢٠٨ ]
إنهم قاموا فانطلقت فأخبرت النبي أنهم انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه وأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى آخر آية الأحزاب: [٥٣]، وهي الآية التي ذكر فيها الحجاب والتي توصف بأنها آية الحجاب والتي نزلت بناء على مراجعة عمر كما جاء في الرواية الأولى، وجاء كذلك في البخاري عن عائشة أن عمر بن الخطاب كان يقول لرسول الله احجب نساءك فلم يفعل وكان أزواج النبي يخرجن ليلا قبل المناصع «١» فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة فرآها عمر وهو في المجلس فقال عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت فأنزل الله آية الحجاب. وجاء في البخاري أيضا عن عائشة قالت خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة إلى رسول الله في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت يا رسول الله خرجت لبعض حاجتي فقال عمر كذا وكذا قالت فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وأن العرق في يده ما وضعه فقال إنه أذن لكن أن تخرجن. فهذه أربعة أحاديث بخارية حول الحجاب، وثلاثة منها في مناسبة نزول آية الحجاب في سورة الأحزاب، وفيها ما فيها من التغاير في هذه المناسبة وكل هذا في حين أن الحجاب المذكور في الآية يعني الستر على باب البيت كما رواه أنس في أحد أحاديثه السابقة وأمر الناس بأن يطلبوا ما يكون لهم من حاجات من زوجات النبي من ورائه ولا يدخلوا عليهن بسبب ذلك كما أن الآية لم تنزل خاصة في الحجاب حتى تسمى آيته كما يظهر ذلك لمن ينعم النظر فيها.
(٤) وروى الضحاك عن ابن عباس على ما جاء في الخازن أن آية إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا.. إلخ. [المائدة:
٣٣]، نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله عهد وميثاق فنقضوا عهد الله وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله إن يشأ يقتل وإن يشأ يصلب وإن يشأ
_________________
(١) محلات الغائط. [] الجزء الأول من التفسير الحديث ١٤
[ ١ / ٢٠٩ ]
يقطع الأيدي والأرجل من خلاف بينما روى الكلبي عن ابن عباس أيضا أنها نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن النبي وادع هلالا على أن لا يعينه ولا يعين عليه وأن من مرّ بهلال إلى النبي فهو آمن، فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم هلال فشدوا عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل بالقضاء فيهم بهذه الآية، وهذا وذاك في حين أن رواية عن سعيد بن جبير تقول إن الآية نزلت في قوم من عرينه وعكل أتوا رسول الله وبايعوه على الإسلام وهم كذبة، فاستوخموا المدينة فبعثهم رسول الله إلى إبل الصدقة فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل. فهذه ثلاث روايات في سبب نزول آية كل منها مخالف للأخرى من حيث القصة وكل منها يفيد أن الآية نزلت مستقلة بسبب حادث معين، واثنتان منها على تخالفها مرويتان عن ابن عباس، مع أن الذي ينعم النظر في سياق الآية يجدها غير منفصلة عن السياق السابق الذي يدور الحديث فيه عن اليهود والتنديد بهم ويربط حاضرهم بماضيهم، ثم يجد في الآية التالية لها ما يدل على أن الذين هم موضوع الكلام ليسوا في متناول يد النبي وأن ما نسب إليهم إنما صدر عنهم في ظرف كفرهم، وأنها أمرت بقبول توبتهم أي إسلامهم إذا تابوا قبل أن يقعوا في متناول يد النبي ويجد السياق التالي لها متصلا بالسياق السابق أيضا [الآيات ٣٢- ٣٧ المائدة] .
ولقد روى البخاري حديثا عن أنس بن مالك في قصة عرب عكل وعرينه التي ذكرت في الرواية المعزوة إلى سعيد بن جبير جاء فيه أن النبي سمّر أعينهم كواها بأسياخ النار وقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا، ولم يرد في هذا الحديث أن الآية نزلت فيهم كما أنها لا تحتوي تسمير العينين ومحال أن يخالف النبي نصّ الآية لو أنها نزلت فيهم.