رابعا: إن محتويات القرآن نوعان متميزان وهما الأسس والوسائل، وإن الجوهري فيه هو الأسس لأنها هي التي انطوت فيها أهداف التنزيل القرآني والرسالة النبوية من مبادئ وقواعد وشرائع وأحكام وتلقينات مثل وجوب وجود الله تعالى ووحدته وتنزهه عن كل شائبة وشريك وولد واتصافه بجميع صفات الكمال ومطلق التصرف في الكون واستحقاقه وحده العبادة والخضوع ونبذ كل ما سواه والقيام بالواجبات التعبدية له، ومثل المبادئ والأمر والنواهي والتشريعات والأحكام والتلقينات الكفيلة بصلاح الإنسانية وطمأنينتها والتعاون الأخوي التام بينها أفرادا وجماعات وسلبية وإيجابية وأخلاقية واجتماعية وسياسية وحقوقية وسلوكية واقتصادية والنهي عن كل ما يناقض ذلك.
أما عدا ذلك مما احتواه القرآن من مواضيع مثل القصص والأمثال والوعد والوعيد والترهيب والترغيب والتنديد والجدل والحجاج والأخذ والرد والتذكير والبرهنة والإلزام ولفت النظر إلى نواميس الكون ومشاهد عظمة الله وقدرته ومخلوقاته الخفية والعلنية مثل الجن والإنس وإبليس والشيطان ومشاهد الرؤية فهي وسائل تدعيمية وتأييدية إلى تلك الأسس والأهداف وبسبيلها.
ومع أن جل هذه الوسائل ممّا له صلة ببيئة النبي وعصره من جهة والسيرة النبوية من جهة وبفهمها، وأن منها ما يتصل بالأسس والمبادئ من بعض
[ ١ / ١٥٧ ]
النواحي كنتائج لها مثل الحياة الأخروية ومشاهدها وأهوالها ونعيمها وعذابها والملائكة والجن ومعجزات الأنبياء مما يدخل في الغيبيات الإيمانية من جهة، ومع أنها قد شغلت حيزا كبيرا أو بالأحرى الحيز الأكبر من القرآن فإن من فائدة هذه الملاحظة أن تجعل الناظر في القرآن يقف عند الأهداف والمبادئ ويعتني العناية الكبرى بتجليتها وإبرازها، ولا يحمل الوسائل والتدعيمات ما لا ضرورة لتحميلها إياه ولا يترك لها المجال لتغطي على تلك، وتكون له شغلا شاغلا مستقلا بحيث يستغرق فيها مثل استغراقه في الأسس فضلا عن استغراقه فيها أكثر من استغراقه في هذه مما هو واقع ومشاهد كالانشغال مثلا في ماهية القصص القرآنية والنواميس الكونية، أو ماهية الملائكة والجن أو ماهية مشاهد الحياة الأخروية، وبحيث يغفل عن هدفها الرامي إلى تدعيم الأسس والأهداف مما يؤدي به إلى إهمال التدبر بالجوهري والتورط فيما لا طائل من ورائه والوقوع في الحيرة والبلبلة دون ما ضرورة.
وننبه على أن هذا التقسيم بالمعنى الذي نقرره مستلهم بوجه عام من روح القرآن وأسلوبه وآياته، مما يستطيع أن يلمسه كل من أنعم النظر فيها، حيث يجد أنه لم ترد قصة أو مثل أو موعظة أو حملة تنديد وإنذار أو إشارة تنويه بملكوت الله وعظمته والدعوة إلى التفكير في آلائه أو ذكره للملائكة والجنّ أو تذكير بما كان من دعوة سابقة ومعجزات نبوية خارقة، أو تنبيه إلى الحياة الأخروية ومشاهدها ونتائجها المبهجة أو المزعجة إلا بعد تقرير تلك الأسس والأهداف أو شيء منها والدعوة إليها، أو بيان الحق والخير والصلاح والسعادة فيها، أو حكاية مواقف الكفار منها أو تثبيت النبي والمسلمين فيها وتصبيرهم عليها، وهذا من مميزات الأسلوب القرآني وخصوصياته بالنسبة لسائر الكتب المنزلة، وحيث يجد أن هذه الأسس والأهداف تظل محكمة ثابتة مع ما هو طبيعي من اختلاف مواقف النبي وتنوعها بالنسبة لفئات الناس والعقول والظروف في حين أن ما هو من باب الوسائل والتدعيمات يتنوع ويختلف أسلوبا ومدى وتعبيرا مع اختلاف تلك المواقف وتنوعها وهذا خاصة من شأنه أن يكون مقياسا وضابطا للتفريق بين
[ ١ / ١٥٨ ]
القسمين القرآنيين، بل ومن شأنه أن يحل ما يتوهمه الناظر في القرآن من إشكالات قرآنية في الأسلوب والمدى والتعبير أيضا.
وهو مستلهم بوجه خاص من بعض نصوص صريحة في القرآن- مع ملاحظة ما قد يكون لها من خصوصيات زمنية يأتي في مقدمتها وقد يكون أقواها مدى وأوضحها دلالة آية آل عمران السابعة هذه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
وهذه الآية نزلت في سياق الردّ على وفد نصراني تناظر مع النبي ﵇ في أمر المسيح فسأله الوفد ألا يقول القرآن إن المسيح كلمة الله وروح منه قال بلى قال فهذا حسبنا. فنزلت الآية تندد بالوفد الذي ترك الأصل القرآني المحكم وهو أن الله واحد لا يصح أن يكون له ولد ولا شريك وجنح إلى التأويل الفاسد لبعض النصوص التي أنزلت بقصد التقريب والتمثيل.
وعلى خصوصية الآية من حيث المناسبة فإنها جاءت بأسلوب تقريري عام لتكون شاملة الحكم والمدى، بحيث يصح أن يستلهم منها بقوة أن القرآن قسمان متميزان أحدهما محكم أساسي ثابت لا يحتمل تأويلا ولا تنوعا ولا وجوها افتراضية وتقريبية، وثانيهما متشابهة بسبيل التقريب والتمثيل والإلزام والبرهنة ويحتمل التأويل والتنوع والوجوه الافتراضية.
ولسنا منفردين في هذا التخريج فقد سبق إليه كثير من أعلام العلماء والمفسرين على تنوع أقوالهم واختلاف مدى السعة والضيق فيها «١» وقد روي عن ابن عباس «٢» في صدد الآية أن المحكم هو ناسخ القرآن وحلاله وحرامه وحدوده
_________________
(١) «تفسير المنار» ج ٣.
(٢) «الإتقان» للسيوطي.
[ ١ / ١٥٩ ]
وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به وأن المتشابه هو منسوخ القرآن ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به. وقد نوّه للأول بآيات الأنعام: ١٥١- ١٥٣ والإسراء: ٢٣- ٣٨ التي هي مجموعات رائعة من المبادئ والأهداف التوحيدية والأخلاقية والاجتماعية والسلوكية.
وفي سورة محمد آية يصح أن تكون دليلا قرآنيا وهي هذه:
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) .
حيث يلهم نصّها أن معنى «محكمة» هو الفرض الأساسي الحاسم من فروض القرآن وتكاليفه.
وفي القرآن آيات كثيرة جدا يبرز فيها تأييد هذا المعنى كآيات البقرة: [١٢- ٢٦] والأعراف: [٥٧- ٥٨] والكهف: [٥٤- ٥٩] وطه: [١١٣] والعنكبوت:
[٤٠- ٤٩] والروم: [٢٠- ٢٨] والزمر: [٩- ٢٩] والحاقة: [٤- ٥٢] والمعارج: [١١- ٤٤] والمدثر: [٣٠- ٤٧] إلخ.
وهو متسق مع حكمة بعثة الرسل وهي هداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور والدعوة التي دعوا إليها وهي الدعوة إلى الله وحده وإلى مكارم الأخلاق والمبادئ التي يقوم عليها صلاح الإنسانية وسعادة الناس في الدارين. أما ما ظهر على أيدي الرسل من معجزات وما صدر عنهم الوحي الرباني من نذر وبشائر ووعد ووعيد وتذكير وتمثيل وقصص ومواعظ فإنه بسبيل تلك الحكمة وإعلائها وتجليتها والإقناع بها والتوجيه إليها كما يبدو واضحا وبديهيا عند ذوي الألباب والرؤية.
ومما يزيد ما نقرره قوة ووضوحا ما يلاحظ من تطور التنزيل القرآني وتطور إطلاق تعبير «القرآن» على أجزاء القرآن وسوره وفصوله. فالقرآن يطلق كما هو معروف على مجموعة السور التي بين دفتي المصحف، غير أن هذا التعبير قد بدىء
[ ١ / ١٦٠ ]
باستعماله منذ مبادئ نزول القرآن، وبدىء بإطلاقه على ما كان ينزل من مجموعاته قبل تمامه، بل قبل أن ينزل منه إلا القليل ثم ظلّ يطلق على ما كان ينزل منه وما يجتمع من مجموعاته إلى أن تمّ تمامه بوفاة النبي ﵇ كما يفهم من آيات المزمل: [٤] وق: [١] والبروج: [٢١] وص: [٣] والجن: [١] والفرقان:
[٣٢] وطه: [١١٤] والواقعة: [٧٧] والنمل: [١] والإسراء: [٩] ويونس: [٨٢] والحجر: [١] إلى كثير غيرها من السور المكية «١» ثم ظل يطلق في السور المدنية على ما نزل وكان ينزل كما يفهم من آيات البقرة: [٢] وآل عمران: [٣- ٤] والنساء: [٨٢] والحشر: [٢١] ومحمد: [٢٤] وغيرها..
والمعقول والواقع أن الآيات والسور القرآنية التي نزلت قبل غيرها قد احتوت في الأكثر أسس الدعوة ومبادئها وأهدافها واقتصرت أو كادت تقتصر على التبشير بها وإنذار الذين لا يستجيبون إليها ولم تتوسع في الوسائل كما ترى في سور الفاتحة والأعلى والشمس والليل والعصر والإخلاص والتكاثر والتين والقارعة، مما يؤيد أن الأهداف والأسس هي المقصودة الجوهرية في القرآن أولا.
وقد خلت هذه السور وأمثالها أو كادت تخلو من العنف مما هو طبيعي لأن الدعوة وأهدافها ومبادئها هي التي يجب أن تعرض أولا وتنشر دون ما عنف ولا جدال، ثم أخذت الفصول التالية لها تحتوي إلى جانب تقرير المبادئ والأهداف والتوسع فيها حملات عنيفة على الجاحدين والكافرين والصادين وحكاية مواقفهم وإنكارهم لصحة الوحي القرآني كما أخذت تتوسع في الوسائل التدعيمية من قصص وأمثال ووصف نواميس ومشاهد وذكر غيبيات إيمانية إلخ مما هو طبيعي كذلك، لأن الجحود والجدل والإنكار والشك والاستغراب والأذى والصدّ والتحدي والتحريض إنما وقع بعد عرض الدعوة وتقرير الأهداف، ولأن مواقف الجاحدين والمفكرين والشاكين والمستغربين والمترددين والصادين والمكابرين والمتحدين استتبعت التوسع في الوسائل التدعيمية والتأييدية. ولقد احتوت الفصول التالية
_________________
(١) هذه السور من السور المكية المبكرة بالنزول قليلا أو كثيرا. الجزء الأول من التفسير الحديث ١١
[ ١ / ١٦١ ]
المذكورة جدلا وحجاجا بين النبي والكفار حول «القرآن» وصحة الوحي الرباني مثل آيات القلم: [٩- ١٥] والتكوير: [١٩- ٢٩] والفرقان: [١- ٦ و٣٢] والشعراء: [١٩٢- ٢٢٦] والإسراء: [٤٥- ٤٧ و١٠٥- ١١١] ويونس: [١٥- ١٧ و٣٧- ٤٠] وهود: [١٣- ١٤] والسجدة: [١- ٣] وسبأ: [٣١] وفصلت:
[٤٠- ٤٥] إلخ، والمعقول أن يكون الكفار قد جادلوا في أول الأمر في ما احتوته الأجزاء الأولى من القرآن وكادت تقتصر عليه من الأسس والمبادئ وكفروا بنبوة النبي وصحة الوحي الرباني فأخذت هذه الآيات وأمثالها تحكي أقوالهم وترد عليها ردودا مفحمة، وتضرب لهم الأمثال وتذكرهم بمن سبقهم من الأمم والأنبياء وتتوعدهم وتنذرهم بالآخرة وهولها وعذابها. وتتحداهم وتندد بما هم عليه من ضلال وسخف، وتبشر المستجيبين بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة وتثبتهم وتصبرهم وتسلي النبي وتطمئنه إلخ ثم استمر الأمر على ذلك كله مع تنوع في الأساليب حسب تنوع المواقف وتجددها فالإنذار والتبشير والتنديد والتنويه والوعد والوعيد والقصص والأمثال والإلزام والإفحام والجدال إنما هو كما هو واضح جاء تبعا للأسس والمبادئ والأهداف ودار حولها، بسبيل التدعيم والتأييد اللذين اقتضتهما ظروف السيرة والدعوة ومواقف الناس مسلميهم وكفارهم من تلك الأسس والمبادئ والأهداف التي هي الأصل والجوهر في التنزيل القرآني.