وعلى اعتباره أصدق مدونة دونت في عهد النبي، بل وأوحد مدونة من عهد النبي احتفظت بصورتها الأصلية دون تحوير وتعديل فقد جاء بما احتواه من معان وأساليب واصطلاحات ومفردات وتشبيهات واستعارات وفنون خطاب ولغة دليلا قويا رائعا على ما وصل إليه العرب الذين نزل بلسانهم في عهد نزوله من الدرجة الرفيعة في سلّم الفصاحة خاصة وما كانوا عليه من حضارة مادية وعقلية وثقافية بصورة عامة خلافا لما حلا لبعضهم أن يرويه ويقوله على ما ذكرناه في كتابنا «عصر النبي» «١» وعلى ما نبهنا عليه في مناسبات كثيرة من التفسير.
واحتوى بالإضافة إلى ذلك أولا أصدق الصور وأوثقها لبيئة النبي وعصره من النواحي الاقتصادية والمعاشية والجغرافية، وعمّا كان عليه أهلها من تقاليد وظروف وعادات دينية واجتماعية وأخلاقية وعقلية وثقافية واقتصادية اتصلت
_________________
(١) صدر عام ١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م.
[ ١ / ٣٤ ]
بظروف البعثة والسيرة النبوية وتطوراتهما أوثق اتصال، وثانيا أصدق الصور وأوثقها للسيرة النبوية الشريفة في عهديهما المكي والمدني، وسواء في ذلك ما كان روحاني المظهر من حيث الصلة بالله ووحيه وتلقينه وتوجيهه ومدده وتأييده وتعليمه وتأديبه وتثبيته، أو ما كان متصلا بالناس من حيث مواقفهم من النبي ﵇ ودعوته مسلمين وكتابين ومشركين، ومن حيث تأثرهم بهذه السيرة وهم شهود العيان لحادث «نبوة النبي» في شخص محمد ﵇، ثم من حيث موقف النبي من الناس ومن حيث تطور موقفهم منه وموقفه منهم بتطور الدعوة واتساع نطاقها.
فالقرآن من أجل ذلك كله كان وسيظل موضوع نظر وتدبر واستلهام واستنباط لدى الناس على مختلف الملل والنحل والأجناس بطبيعة الحال.
ونريد أن نستدرك بأننا لا نعني أن القرآن قد احتوى جميع صور السيرة النبوية والبيئة النبوية وأحداثها، أو أن ما احتواه منها قد جاء قصدا لها بالذات. فهناك من دون ريب أحداث وصور كثيرة من البيئة والسيرة النبوية لم ترد في القرآن، كما أن ما جاء منها فيه إنما جاء في الحقيقة عرضا وبسبيل الدعوة والموعظة والتذكير والتشريع والأمر والنهي مما اقتضته الحكمة ليكون مصدر إلهام وإيحاء وتوجيه، ومرجع تشريع وتلقين للمسلمين في جميع العصور، ولكن الذي نعنيه أن في القرآن من هذه الصور شيئا كثيرا منه ما جاء بصراحة ووضوح ومنه ما جاء إشارة وتلميحا.