سابعا: إن ما ورد في القرآن من مشاهد الكون ونواميسه قد استهدف لفت نظر السامعين إلى عظمة الله وسعة ملكوته وبديع صنعه وإتقانه بقصد تأييد هدف رئيسي من أهداف الدعوة وهو وجوب وجود الله واتصافه بأكمل الصفات وتنزهه عن الشوائب، واستغنائه عن الولد والشريك والنصير والمساعد ووحدته وانفراده في الربوبية واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة والاتجاه والدعاء، ومطلق تصرفه وشمول علمه وإحاطته بكل شيء دق أو عظم، وحكمته السامية في خلق الكون على أسس النواميس التي شاءت قدرته أن تقوم عليها ثم بقصد بثّ هيبة الله في قلوب السامعين وحفزهم على الاستجابة إلى دعوة نبيه والانصياع لأوامره ونواهيه، والتزام حدوده، وبتعبير إجمالي آخر قد استهدف العظة والإرشاد والتنبيه والتلقين والتدعيم والتأييد دون أن ينطوي على قصد تقرير ماهيات الكون وأطوار الخلق والتكوين ونواميس الوجود من الناحية العلمية والفنية.
وحكمة هذا واضحة، فالقرآن خاطب الناس جميعا على تفاوت مداركهم وأذهانهم، وقصد الموعظة والإرشاد والتنبيه والهدى هو القدر المشترك بينهم من جهة وهو الأصل في القرآن والمتسق مع طبيعته ومداه من جهة أخرى، بحيث يمتد لكل دور ومكان وتجاه أعلم العلماء وأبسط البسطاء، كما أن شواهده قائمة
[ ١ / ١٨٢ ]
في آيات القرآن وفصوله وأسلوبه أيضا سواء أكان ذلك في كيفية التعبير والسياق أم في تنوعهما مما هو منبثّ في مختلف السور وخاصة المكية منها لأن هذه هي التي أنزلت في ظروف الدعوة التي تقتضيها.
ولعل في تعبير الأوتاد عن الجبال، والسقف المبني عن السماء، والمصابيح المضيئة التي زينت بها السماء عن النجوم وجريان الشمس ومنازل القمر، والسراج الوهاج للأولى، والمصباح المنير للثاني، وفي ذكر إنزال الماء من السماء، وتسيير السحاب وتصريف الرياح، وإرسال الرعد والبرق والصواعق، وإنبات مختلف الزروع والأشجار، وتسخير الدواب والأنعام، وتيسير البحار والأنهار والفلك، وجعل الأرض بساطا، وتصويرها مركزا للكون والإنسان، قطبا للأرض، حيث سخر له كل ما في السماوات والأرض، وأسبغت عليه نعم الله ظاهرة وباطنة، وسوّاه الله بيده ونفخ فيه من روحه اتساقا واضحا مفهوما مع مشاهد ومدركات مختلف فئات الناس الذين يوجه إليهم الكلام، وبالتالي لعل في ذلك دلالات على ما استهدف من هذه التعابير القرآنية مما ذكرناه آنفا وعلى أنها تنص في نطاق وصف المتشابهات التي يراد بها التقريب والتمثيل.
وفي القرآن تشبيهات وأمثلة وتذكيرات متنوعة المضامين والسياق فيها ذلك الاتساق وهذه الدلالات واضحة جلية إذا ما أنعم النظر فيها.
وإنه ليصح أن يقال بالإضافة إلى ما تقدم وبناء عليه إن المضامين القرآنية في هذه المواضيع متسقة مع ما في أذهان سامعي القرآن عن مظاهر الكون ومشاهده ونواميسه، وتجلي عظمة الله وقدرته فيها. وهذه النقطة متصلة بالمبدأ العام الذي ما فتئنا نقرره من أن القرآن خاطب الناس بما يتسق مع ما في أذهانهم إجمالا من صور ومعارف لما يكون من قوة أثر الخطاب فيهم بمثل هذا الأسلوب.
وملاحظة ذلك جوهرية جدا لأنها تجعل الناظر في القرآن يقف من الفصول الواردة في هذا الباب فيه عند الحدّ الذي استهدفته والذي أشرنا إليه، وتحول بينه وبين التكلف والتجوز والتخمين والتزيد ومحاولة استخراج النظريات العلمية
[ ١ / ١٨٣ ]
والفنية في حقائق الكون ونواميسه وأطواره منها والتمحل والتوفيق والتطبيق مما يخرج بالقرآن عن نطاق قدسيته من الوعظ والإرشاد ولفت النظر وبث الهيبة والاستشعار بعظمة الله والتزام حدوده إلى مجال البحث وتعريضه لطبيعة هذا المجال من الجدل والنقاش والتعارض والأخذ والرد على غير طائل ولا ضرورة ولا اتساق مع هدف القرآن وطبيعته.
وبالإضافة إلى هذا الذي يتسق مع الهدف والمضمون والمدى القرآني فيما هو المتبادر فإن لملاحظة ذلك فائدة عظيمة لذاتها، حيث تجعل المسلم غير مقيد بنظريات كونية معينة يوهم أنها مستندة إلى القرآن ومستخرجة منه- مع ما في هذا دائما من تمحل- وتبقيه حرا طليقا في ساحات العلوم والفنون ونظرياتها وتطوراتها وتطبيقاتها فلا يختلط عليه الأمر ولا يصطدم في السير، ويكون كل ما يجب عليه أن يظل من ذلك أن يظل في حدود الأسس والأهداف والمبادئ والمثل العليا وفي نطاق أركان الإيمان العامة التي قررها القرآن، وحيث يظل قصد القرآن ومداه ومفهومه سليما في جميع الأدوار، يخاطب بآياته وفصوله مختلف الفئات في مختلف الأزمنة فيثير فيهم الإجلال والهيبة والإذعان سواء كانوا علماء أو بسطاء.
وهو قصد القرآن الجوهري من دون ريب.