تاسعا: إن ما ورد في القرآن مما يتصل بذات الله السامية من تعابير اليد والقبضة واليمين والشمال والوجه والاستواء والنزول والمجيء وفوق وتحت وأمام وطي وقبض ونفخ، إنما جاء بالأسلوب والتعابير والتسميات التي جاءت به من قبيل التقريب لأذهان السامعين الذين اعتادوا أن يفهموا منها معاني القوة والإحاطة والشمول والحضور والحركة الدائمة والصفات التي لا تتم هذه المعاني إلا بها.
ولقد ورد في القرآن عبارات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] ولا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: ١٠٣] ووَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة: ٢٥٥] يصح أن تكون ضوابط حاسمة في صدد الذات الإلهية، وتنطوي على قرينة على صحة ما ذكرناه آنفا في مدى تلك التعابير. ولعل هذه الضوابط تشمل كل ما ورد في صدد الذات السامية من أسماء وأفعال وصفات أخرى قد توهم مماثلة لأسماء وصفات وأفعال البشر أيضا، حيث يصح أن يقال إن ورودها في القرآن إنما جاء كذلك على سبيل التقريب والتشبيه. فالله سميع ولكن ليس كمثل سمعه شيء، وبصير وليس كمثل بصره شيء، ومتكلم وليس كمثل تكلمه شيء، وهو حي وعليم ومريد وقوي وحكيم وصبور وقابض وباسط وليس كمثل حياته وعلمه وإرادته وقوته وحكمته وصبره وقبضه وبسطه شيء.
[ ١ / ١٨٨ ]
والمتمعن في الآيات القرآنية التي وردت فيها تلك التعابير وهذه الأسماء والصفات مضمونا أو أسلوبا وسياقا يجدها قد استهدفت من جهة تقرير معاني القوة والإحاطة والشمول والقدرة والوجود الدائم الشامل، ومن جهة أخرى تقرير أحسن الأسماء والصفات الدالة على أكمل الحالات وأتمّ المعاني اللائقة بالذات الإلهية بما تتسع له لغة البشر التي نزل القرآن بها. ولعل التنوع الموجود في التعابير القرآنية مما يقوم قرينة قوية على صحة ما نقرره.
وملاحظة هذا مهمة جدا من شأنها أن تحول دون استغراق الناظر في القرآن في التكلف والتجوز والتخمين والماهيات من جهة، ودون تورطه في الجدل الكلامي على غير طائل ولا ضرورة من جهة أخرى، وتجعله يقف من هذه التعابير والأسماء والصفات عند الحد الذي وقف عنده القرآن، ويفهم منها الأهداف التي استهدف تقريرها بها دون تزيد ولا تكلّف ولا تمحّل.
على أن الناظر في أساليب القرآن المتنوعة يجدها في هذا الصدد كما هو الشأن في ما يتصل بمشاهد الكون والآخرة وأخبار الأمم السابقة وأنبيائهم والجن والملائكة أسلوب الحكيم الذي لا يدخل في نقاش وجدل وتقريرات كلامية، ويتسق مع طبائع الأشياء من حيث إنه يخاطب أناسا متفاوتين متنوعين في أذهانهم وظروفهم، المهم والجوهري من أمرهم دعوتهم إلى الخير وإصلاحهم وتوجيههم إلى أحسن الوجهات، وتقريب الأمور والمعاني إلى عقولهم بأساليب سائغة منسجمة مع مداركهم، وإعطاء كل موضوع في كل موضع ما يتحمله لتدعيم هذه الدعوة وتأييدها وجعلها مؤثرة نافذة، وفي ذلك من دون ريب تعليم للطريقة الفضلى التي يجب الأخذ بها إزاء التعابير والأساليب القرآنية.