فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨)
[ ١٢ / ١٢٩٥ ]
التفسير:
قوله تعالى:
«فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ» .
أي فإن أعرض هؤلاء المشركون، بعد أن عرضت عليهم هذه الآيات، ونصبت لهم تلك المعالم الدالة على قدرة الله، وعلى تفرده- سبحانه- بالملك والسلطان- إن أعرضوا فقل لهم منذرا: إنى أتوعدكم بعذاب الله، وأن يحلّ بكم ما حل بعاد وثمود من قبلكم، وقد رماهم الله بالصواعق فأهلكوا، فلم تبق منهم باقية.
روى أن قريشا- وقد ضاقت بالنبي، وبدعوته- جاءت إلى النبي تعده وتمنّيه، وتعرض عليه ما قدّرت أنه يطلبه من هذه الدعوة القائم عليها، من مال وسلطان، فانتدبت لذلك عتبة بن ربيعة، فجاء عتبة إلى النبي، يقول له: إنك قد أحدثت فى قومك ما ترى من فرقة وشقاق، فإن كنت تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا ما تشاء حتى تكون أكثر
[ ١٢ / ١٢٩٦ ]
رجال قريش مالا، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كنت تريد وتريد.. فلك عندنا ما تريد، على أن تدع آلهتنا، ولا تعرض لها بذكر! فقال له النبي صلوات الله وسلامه عليه: وقد قلت، فاسمع منّى، فقال هات:
فقرأ عليه النبي- صلوات الله وسلامه عليه-: «حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» حتى إذا بلغ النبي قوله تعالى: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ» فزع عتبة واضطرب، وقام فوضع يده على فم الرسول الكريم، خوفا من أن يقع هذا النذير به وبقومه..!
إن القوم كانوا يعرفون صدق النبي، ولكنهم كانوا يكابرون ويعاندون، ويأبى عليهم كبرهم وعنادهم أن يذعنوا للحق.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» (٣٣: الأنعام) .
قوله تعالى:
«إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ» .
«إذ» ظرف، هو قيد للوقت الذي وقعت فيه الواقعة بعاد وثمود..
فالصواعق التي رموا بها إنما كانت بعد أن جاءتهم رسلهم بالبينات، فكذبوهم، وأعرضوا عنهم..
[ ١٢ / ١٢٩٧ ]
وقوله تعالى: «مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ» أي جاءوهم من كل ناحية، والتقوا بهم بكل سبيل..
وقوله تعالى: «أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ» أي أن رسلهم التقوا بهم من كل وجه بهذه الدعوة، يعرضونها عليهم، ويقيمون لهم الحجج عليها، وهى ألا يعبدوا إلا الله..
وقوله تعالى: «قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ» ..
هو بيان لما استقبل به القوم دعوة الرسل، وهو أنهم ردوهم، وكذبوهم، وقالوا: ما أنتم إلا بشر مثلنا، تريدون أن تتفضلوا علينا، ولو شاء ربنا أن يبعث رسلا لبعث ملائكة من عنده، فهم أولى بهذا الأمر منكم، وهم أهل لأن نقبل منهم، وتصدق أنهم رسل من عند الله، وإذن فنحن بما أرسلتم به كافرون.. لا نقبل منكم ما جئتم به، ولا نصدقه..
قوله تعالى:
«فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ» ..
هو بيان كاشف لما كان عليه القوم من ضلال، حتى عمّيت عليهم السبل إلى الله، واستبد بهم منطق سفيه..
فهؤلاء عاد.. استكبروا فى الأرض، وتطاولوا على العباد، بغير الحق، إذ لم يكونوا أهلا لما رأوا فى أنفسهم من هذا الرأى الفاسد، وهم
[ ١٢ / ١٢٩٨ ]
غارقون فى هذا الضلال.. لقد غرتهم هذه القوة الجسدية الحيوانية التي وجدوها فى كيانهم، فطاروا بها فرحا وزهوا، وقالوا: من أشد منا قوة؟
إنها القوة الجسدية وحدها، هى التي يملكونها..فماذا عندهم من تلك القوة؟
أو لم يروا أنهم مخلوقون من هذا التراب؟ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة، إن كانوا لا يرون فى مخلوقات الله، من هو أشد منهم قوة؟ إنهم لو نظروا لوجدوا أن قوتهم تلك لا وزن لها بين تلك القوى الهائلة التي يرونها فى مخلوقات الله.. فكيف بقوة الله ﷾؟
وفى قوله تعالى: «وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ» هو معطوف على قوله تعالى: «وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً» .. ويصح أن يكون معطوفا على محذوف هو جواب لهذا الاستفهام الإنكارى: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً»؟ أي لم يروا هذا ولم ينظروا فيه «وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ» ..
قوله تعالى:
«فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ» .
هذا مصير عاد، وتلك عاقبة تكذيبهم لرسلهم وكفرهم بآيات الله» لقد أرسل الله ﷾ عليهم ريحا صرصرا، أي شديدة عاتبة، ذات صرير وزئير.. «فى أيام نحسات» أي فى أيام طلعت عليهم بالشؤم، والبلاء، على حين طلعت على غيرهم بالعافية والخير.. وذلك «لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» حين يعصف بهم هذا البلاء، وتقهرهم الريح، التي كانت تهب عليهم نسيما عليلا، وتصفعهم هذه الصفعة
[ ١٢ / ١٢٩٩ ]
التي تذل كبرياءهم وتفضح قوتهم، وهى خلق ضعيف ليّن، من خلق الله! ..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى موضع آخر:
«وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» (٥- ٨: الحاقة) ..
«وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى» أي والعذاب الذي ينتظرهم فى الآخرة أشد خزيا لهم، وأوقع نكاية بهم من هذا العذاب الدنيوي.. إن هذا العذاب الدنيوي ما هو إلا جرعة يتجرعونها قبل أن يعبوا عبّا من عذاب يوم القيامة «وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ» بقوتهم تلك التي طغووا بها، ولا بأية قوة أخرى يستنصرون بها..
«وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» ..
وهذه ثمود.. هداهم الله، أي دعاهم إلى الهدى، ونصب لهم معالمه بما بعث فيهم من رسول كريم، يحمل بين يديه أقباس الهدى والنور، فأغمضوا أعينهم، واستحبوا العمى على الهدى، ومضوا فى ظلمات يتخبطون..
«فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» أي رماهم الله بصاعقة من عذاب، أذلّهم بها، وجعلهم عبرة ومثلا للظالمين المكذبين، جزاء ما كسبوا من سيئات، وما لجوا فيه من ضلال..
قوله تعالى:
«وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ» .
[ ١٢ / ١٣٠٠ ]
أي أنه حين أخذ العذاب هؤلاء المكذبين الضالين، نجى الله الذين آمنوا، وكانوا يتقون الله، ويخشون بأسه، فلم يصبهم من هذا المكروه شىء، بل سلموا من كل سوء.