اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)
[ ١٣ / ٣٦ ]
التفسير:
قوله تعالى:
«اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ» ..
مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الآية التي قبلها توعّدت الذين يجادلون فى الله وفى آيات الله، من بعد ما استجابوا له، وآمنوا به- توعدتهم ببطلان حجتهم عند الله، وبحلول غضبه سبحانه عليهم فى الدنيا، وعذابه الشديد لهم فى الآخرة- فكان قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ» - كان ذلك بيانا لمضمون ما تقرر فى الآية السابقة، وأن الذين يحاجون فى الله وفى الكتاب الذي أنزله من بعد ما استجيب لله منهم- حجتهم واهية باطلة، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد، لأن الله سبحانه هو الذي أنزل هذا الكتاب بالحق، وأقامه فى الأرض ميزان عدل وحق بين الناس.. وبهذا الميزان- ميزان الحق والعدل- ستوزن أعمال الناس يوم القيامة «فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ» (٦- ٩: القارعة) .
وقوله تعالى: «وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ» استفهام يراد به التقرير، والإنذار بقرب الساعة، وأن المؤمنين بها، على رجاء اللقاء بيومها..
[ ١٣ / ٣٧ ]
قوله تعالى:
«يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ» .
أي أن الذين لا يؤمنون بالآخرة، ولا يرجون لقاء الله، يستعجلون الساعة، استعجال التكذيب والتحدّى، ويقولون: «أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ»؟
أي متى هذا اليوم؟.
وفى تعدية الفعل «يَسْتَعْجِلُ» بحرف الجر «الباء» وهو فعل متعد بنفسه، إذ يقال مثلا: يستعجل الذين لا يؤمنون بالآخرة الآخرة- والله يقول: (أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) (١- النحل) - إشارة إلى تضمين الفعل معنى المطالبة بها للتعجيز.. أي يطالب بالآخرة، ويستعجلون يومها، أولئك الذين لا يؤمنون بها..
واستعجال الذين لا يؤمنون بالآخرة ليوم القيامة، لأنهم يستعبدون وقوعه، كما أنهم لا يدرون ما يأتيهم منه من أهوال إذا وقع.. «يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ» (١٣- ١٤: الذاريات) ..
وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ» - هو بيان لموقف المؤمنين من يوم القيامة، وهو موقف الخائف المشفق، لأنه يوم الحساب والجزاء، ويوم الأهوال والشدائد: «يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ»
(٢: الحج) .
وفى النظم القرآنى ما يبدو فى ظاهره، أنه جاء على غير الترتيب الذي
[ ١٣ / ٣٨ ]
يقع فى نفس المؤمن، من مشاهد القيامة.. فالظاهر أن يؤمن المؤمن أولا بأن الساعة حق، ثم تكون خشيته، ويكون إشفاقه من لقائها.. ولكن النظم القرآنى قدم الخشية للقيامة، والإشفاق منها، على العلم بها وبأنها حق.. هذا ما يبدو فى ظاهر الأمر..
والذي ينظر فى النظم القرآنى، يرى أن الإشفاق قد تقدمه الإيمان، فالذين يشفقون من الساعة هم الذين آمنوا بالله وباليوم الآخر.. كما يقول سبحانه: «وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها» .. إذ لا يكون المؤمن مؤمنا بالله إلا إذا كان مؤمنا باليوم الآخر.. أما العلم فهو مادة من المعرفة التي يؤيدها الدليل، ويدعمها البرهان، حيث يجىء إلى الإيمان الغيبى، فيؤكده، ويثبت دعائمه فى القلب..
وقوله تعالى: «أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ» - هو حكم على الذين يشكّون فى الساعة، ويكذبون بها، ويمارون ويجادلون فيها- حكم عليهم بالضلال البعيد عن الحق: «فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ؟» (٣٢: يونس) وماذا بعد الضلال إلا البلاء وسوء المصير؟.
قوله تعالى:
«اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ» .
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ» يشير إلى ما لله ﷾ من لطف بعباده، ورحمة بهم، إذ بعث فيهم رسوله، وأنزل إليهم كتابه هدّى ورحمة..
[ ١٣ / ٣٩ ]
وقوله تعالى: «يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ» - إشارة إلى أن هذا الرزق الذي يسوقه الله سبحانه من لطفه ورحمته، هو رزق الإيمان، والهدى، ففى هذا الرزق تزكية النفوس وطهارتها بالإيمان وتقبلها للهدى، واتصالها بالملأ الأعلى، واستعدادها لدخول هذا الملأ، فى جنات النعيم..
وقوله تعالى: «وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ» - إشارة إلى أنه سبحانه هو صاحب السلطان، المتصرف فى ملكه كما يشاء، لا ينازعه أحد فيما يسوق من لطفه ورحمته إلى من يشاء من عباده.
قوله تعالى:
«مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» .
أي هذا رزق الله- من هدى ونور- ممدود مبسوط.. فمن كان يريد الهدى والإيمان، ويعمل للآخرة، ويغرس فى مغارس الإحسان، يزد له الله ﷾ فيما غرس، ويبارك عليه، ويضاعف له الجزاء أضعافا مضاعفة..
ومن أعرض عن الآخرة، وعمل للدنيا، وغرس فى مغارسها، أخذ ثمر ما غرس فى دنياه، واستوفى نصيبه منه، حتى إذا جاء إلى الآخرة، جاءها ولا نصيب له فى خيرها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ، لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا» ! (١٨- الإسراء)