قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)
[ ١٢ / ١٢٦١ ]
التفسير:
قوله تعالى:
«قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» .
هذا هو موقف الرسول صلوات الله وسلامه عليه، من آيات ربه، تلك الآيات التي تلقاها وحيا من ربه، ثم بلغها- كما أمره ربه- إلى الناس، فاهتدى بها من اهتدى، وكفر بها من كفر!.
والنبي- صلوات الله وسلامه عليه- يمثل النموذج الأمثل والأكمل فى الأخذ بآيات ربه، والامتثال لما تأمر به، واجتناب ما تنهى عنه..
فهو صلوات الله وسلامه عليه، قد نهى من ربه أن يعبد ما يعبد المشركون من دون الله.. وقد اجتنب ما نهى عنه..
وهو- صلوات الله وسلامه عليه- قد أمر أن يعبد الله وحده، ويسلم وجوده لله رب العالمين، فامتثل ما أمر به..
هذه هى سبيل النبي.. فمن أراد أن يكون مع النبي، فهذه سبيله: أن يجتنب عبادة ما يعبد المشركون، وأن يخلص العبادة لله وحده..
[ ١٢ / ١٢٦٢ ]
وهنا سؤال:
كيف ينهى النبىّ عن عبادة ما يعبد المشركون، وهو- صلوات الله وسلامه عليه- لم يسجد لصنم، ولم يوجّه وجهه إلى غير الله، قبل أن تأتيه الرسالة، إذ كان له من فطرته السليمة ما عصمه به الله من أن يشتهى هذا الطعام الخبيث، الذي كان يقتات منه قومه..؟
والجواب على هذا من وجهين:
فأولا: ليس النهى عن الشيء بالذي يلزم منه أن يكون الموجّه إليه النهى مواقعا له، أو متلبسا به.. بل يصح أن يكون النهى واقعا على ذات الشيء المنهّى عنه وحده، أشبه بلافتة تشير إلى الخطر الكامن فيه، وتنبه إلى الحذر منه.. فإذا نهى النبي عن الشرك، فإنما ينهى عن أمر، ينبغى عليه أن يحذره ويتوقاء أبدا، كما يقول الله ﷾: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» (٦٥: الزمر) وثانيا: أن هذا النهى- وإن كان موجها إلى النبىّ- هو فى حقيقته موجه إلى كلّ مدعوّ إلى الإيمان بالله.. فمن أراد أن يدخل فى الإيمان، فلينزع ثوب الشرك أولا، ولينفض يديه، وبخل نفسه من كل ما يصله بتلك المعبودات التي تعبد من دون الله.. ثم ليدخل بعد هذا إلى ساحة الإيمان نفيّا، طاهرا من الشرك ورجسه..
وفى قوله تعالى: «لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي» .. إشارة إلى أن هذا الذي تلقاه النبىّ من نهى عن الشرك، وأمر بالإسلام لربه، إنما كان بعد بعثته، واصطفائه لرسالة ربه، وتلقيه ما ينزل عليه من آياته وكلماته.. فهذا النهى وذلك الأمر، إنما هو من محامل الرسالة التي أرسل بها من ربه، وأمر
[ ١٢ / ١٢٦٣ ]
بتبليغها، وإلّا فإنه قبل أن يتلقى هذه الرسالة، لم يكن منهيّا عن شىء أو مأمورا بشىء.. وإنما كان يأخذ الأمور بما تهديه إليه فطرته، ويدعوه إليه عقله..
قوله تعالى:
«هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» .
هو بيان لما لربّ العالمين الذي دعى النبي والمؤمنون معه إلى الإسلام له- من قدرة، وعلم، وحكمة، يراها ذوو الأبصار فى هذا الإنسان، وفى مادة خلقه، وكيف تنقّل من طور إلى طور، حتى كان هذا الكائن العجيب، الذي يحارب الله، ويكفر به!! فالمادة الأولى للإنسان- أي إنسان- هى هذا التراب.. إذ كان غذاء أبويه من نبات الأرض المتخلّق من التراب، وكانت النطفة متخلقة من هذا الغذاء.. وهذه هى جرثومة الحياة للإنسان.. ثم تنتقل هذه النطفة فى الرّحم، فتكون علقة، فمضغة، فعظاما، فلحما يكسو هذه العظام.. حتى إذا اكتمل الجنين فى بطن أمه، ولد طفلا، هو الصورة المصغرة لهذا الإنسان الذي سيكونه يوم يكبر، ويبلغ أشدّه..
هذه هى مراحل الحياة الإنسانية.. من التراب: إلى الإنسان.. ثم إلى التراب..!
وفى قوله تعالى: «ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا» عطف وجود ذى خصائص مميزة للإنسان على وجود آخر، له خصائصه ومميزاته.. فالإنسان فى بطن أمه،
[ ١٢ / ١٢٦٤ ]
يعيش فى عالم، ثم ولد فكان فى عالم آخر، يختلف عن عالمه الذي كان فيه..
فكأن هذا الميلاد إخراج جديد له من وجود إلى وجود، ولهذا جاء التعبير القرآنى: «ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا» بالعطف بثم التي تفيد التراخي، ثم بفعل الإخراج الذي يدل على المغايرة، بين ما كان قبل هذا الإخراج، وبعده..
وقوله تعالى: «ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا» - ثم هنا زائدة، والغرض منها الدلالة على أن هنا زمنا ممتدا بين خروج الإنسان من بطن أمه طفلا، ثم بلوغه أشده..
فقوله تعالى: «ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ» هو تعليل لخروج الإنسان من بطن أمه إذ لولا هذا الخروج، لما بلغ الإنسان هذه الغاية.. وكأنّ النظم هو:
ثم يخرجكم طفلا لتبلغوا أشدكم ولتكونوا شيوخا» .. وبين بلوغ الإنسان أشده، وبين شيخوخته مسافة زمنية، يملأ فراغها حرف العطف «ثم» ..
وقوله تعالى: «وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ» احتراس، يراد به تقييد هذا الإطلاق فى قوله تعالى: «ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا» أي ومنكم من يتوفى من قبل أن يبلغ أشده، أو من قبل أن يكون شيخا..
وقوله تعالى: «وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى» معطوف على قوله تعالى: «وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ» بتقدير محذوف يدل عليه ما قبله: أي ومنكم من يمدّ فى أجله، لتبلغوا الأجل المكتوب لكم..
قوله تعالى:
«هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.. فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» أي أن من قدرة الله سبحانه ومن تدبيره فى خلقه، أنه «يحيى» أي
[ ١٢ / ١٢٦٥ ]
يخلق الأحياء، ويمسك عليهم الحياة «ويميت» أي يميت الأحياء، التي ألبسها ثوب الحياة..
وعمليات الإحياء والإماتة، ليست بالأمر الذي يتكلف له الله- سبحانه- جهدا، أو يبذل فيه عملا.. إذ أن كل شىء فى هذا الوجود خاضع لسلطانه، مستجيب لقدرته. منفذ لمشيئته، من غير تأبّ أو انحراف.. «فَإِذا قَضى أَمْرًا.. فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» أي أنه سبحانه إذا شاء أمرا، كان هذا الأمر، وجاء كما شاءت مشيئته..
«إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا» (٩٣: مريم)