هذه السورة مكية، وسورة الحجرات قبلها مدنية، ومع هذا، فإن المناسبة بينهما قريبة، والجامعة بينهما وثيقة..
فأولا: كانت سورة «الفتح» - وهى مدنية أيضا- أول بشائر النصر، الذي تعلو به راية الإسلام، ويتم به دين الله، ويرى به النبي والمهاجرون والأنصار ثمرة الجهاد فى سبيل الله، وما احتمل النبي وأصحابه من بلاء عظيم..
ثم تلا هذه السورة، سورة «الحجرات»، التي كانت أشبه بتعليق وتعقيب على سورة الفتح، وعلى ما وقع فيها من أحداث وخاصة فى صلح الحديبية..
فجاءت سورة «ق» تذكر النبي وأصحابه بما كان فى بدء الدعوة الإسلامية، من عناد المشركين وضلالهم وسفههم، وأن هؤلاء المشركين الضالين السفهاء قد تحولت بهم الأحوال، وأوشكوا أن يدخلوا فى دين الله، بعد أن كسرت شوكتهم، وبدأت غشاوة الضلال والسفه تنجلى عن أبصارهم، بما رأوا من إعزاز الله لدينه، ونصره لأوليائه..
وثانيا: جاء فى ختام سورة «الحجرات» ما كان من موقف الأعراب
[ ١٣ / ٤٦٢ ]
من دين الله، وأنهم كانوا من الإسلام فى موقف أشد ضلالا، وأكثر بعدا من موقف إخوانهم المشركين أهل مكة.. إذ أن المشركين كانوا يعلمون صدق النبي، ويدركون حقيقة ما يدعو إليه من إيمان بالله. أما هؤلاء الأعراب، فإن جفاء طباعهم، وغلظة أكبادهم، حالت بينهم وبين أن يدركوا حقيقة هذا الدين، ولم تتسع عقولهم لاستيعاب مراميه، كما يقول ﷾ فيهم: «الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ» (٩٧: التوبة) - فجاءت سورة «ق» تحدثهم عن إخوانهم المشركين، وما كان لهم من تعلّات على دين الله.. ثم ها هم أولاء، وقد دخل كثير منهم فى الإسلام، ثم الإيمان، هاهم أولاء قد أصبحوا فى جند الله المجاهدين فى سبيل الله.. وإذن فليكن لهؤلاء الأعراب أسوة فى إخوانهم هؤلاء، الذين كانوا على الشرك والضلال، ثم أصبحوا وقد لبسوا الإسلام دثارا، والإيمان شعارا..
وهكذا تبدو سورة «ق» وكأنها تعقيب على سورة «الفتح» واستعادة للماضى وأحداثه، بين يدى هذا الحاضر المسعد، والمستقبل المشرق، فتعظم تلك النعمة التي يعيش المسلمون فيها مع هذا الفتح العظيم، الذي لم يكن يراود أحلامهم، فى يوم من الأيام..
بسم الله الرحمن الرّحيم