مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)
شبه الله سبحانه نفقة المنفق في سبيله- سواء كان المراد به الجهاد أو جميع سبل الخير، من كل- بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبة سبع سنابل اشتملت كل سنبلة على مائة حبة. والله يضاعف لمن يشاء فوق ذلك، بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه، ونفع نفقته وقدرها.
ووقوعها موقعها.
فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص، والتثبيت عند النفقة، وهو إخراج المال بقلب ثابت، قد انشرح صدره بإخراجه، وسمحت به نفسه، وخرج من قلبه قبل خروجه من يده، فهو ثابت القلب عند إخراجه، غير جزع ولا هلع، ولا متبعه نفسه، ترجف يده وفؤاده.
ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق بحسب مصادفته لموقعه، وبحسب طيب المنفق وزكائه.
[ ١٥٢ ]
وتحت هذا المثل من الفقه: أنه سبحانه شبه الإنفاق بالبذر، فالمنفق ماله الطيب لله، لا لغيره: باذر ماله في أرض زكية. فمغلّه بحسب بذره، وطيب أرضه وتعاهد البذر بالسقي، ونفي الدغل، والنبات الغريب عنه. فإذا اجتمعت هذه الأمور ولم يحرق الزرع نار، ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال، وكان مثله كمثل جنة بربوة. وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنة فيه نصب الشمس والرياح فتتربى الأشجار هناك أتم تربية. فنزل عليها من السماء مطر عظيم القطر، متتابع. فرواها ونماها. فأتت أكلها ضعفي ما يؤتيه غيرها، لسبب ذلك الوابل فإن لم يصبها وابل فطلّ، أي مطر صغير القطر يكفيها، لكرم منبتها تزكو على الطل، وتنمو عليه، مع أن في ذكر نوعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل. فمن الناس من يكون إنفاقه وابلا، ومنهم من يكون إنفاقه طلّا. والله لا يضيع مثقال ذرة.
فإن عرض لهذا العامل ما يحرق أعماله، ويبطل حسناته، كان بمنزلة رجل له: جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وَأَصابَهُ الْكِبَرُ، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ، فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ، فَاحْتَرَقَتْ فإذا كان يوم استيفاء الأعمال، وإحراز الأجور، وجد هذا العامل عمله قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة. فحسرته حينئذ أشد من حسرة هذا على جنته.
فهذا مثل ضربه الله سبحانه للحسرة بسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها، مع عظم قدرها ومنفعتها. والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف، فهو أحوج ما كان إلى نعمته. ومع هذا فله ذرية ضعفاء، لا يقدرون على نفقته. والقيام بمصالحة بل هم في عياله. فحاجته إلى جنته أشد ما كانت لضعفه وضعف ذريته. فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر، وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها، وهو ثمر النخيل والأعناب، فمغله يقوم بكفايته وكفاية ذريته، فأصبح يوما وقد
[ ١٥٣ ]
وجده محترقا كله كالصريم. فأي حسرة أعظم من حسرته؟.
قال ابن عباس: هذا مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره. وقال مجاهد: هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت. وقال السدي: هذا مثل المرائي في نفقته الذي ينفق لغير الله، ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليه.
وسأل عمر بن الخطاب الصحابة يوما عن هذه الآية فقالوا له: الله أعلم. فغضب عمر. وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس:
في نفسي منها شيء، يا أمير المؤمنين. قال: قل يا ابن أخي، ولا تحقر نفسك. قال: ضرب مثلا لعمل. قال: لأي عمل؟ قال: لرجل غني يعمل بالحسنات، ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كلها.
قال الحسن: هذا مثل، قلّ والله من يعقله من الناس: شيخ كبير ضعف جسمه، وكثر صبيانه، فقد جنته أحوج ما كان إليها. وإن أحدكم والله لأفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.