قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤)
هذه الآية فيها للناس كلام معروف.
قالوا: إنها معجزة للنبي ﷺ، أعجز بها اليهود، ودعاهم إلى تمني الموت، وأخبر أنهم لا يتمنونه أبدا. وهذا علم من أعلام نبوته ﷺ، إذ لا
[ ١٣٩ ]
يمكن الاطلاع على بواطنهم إلا بإخبار عالم الغيب، ولن ينطق الله ألسنتهم بتمنيه أبدا.
وقالت طائفة: لما ادعت اليهود أن لهم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس. وأنهم أبناؤه وأحباؤه وأهل كرامته. كذبهم الله في دعواهم.
وقال: إن كنتم صادقين فتمنوا الموت، لتصلوا إلى الجنة دار النعيم. فإن الحبيب يتمنى لقاء حبيبه. ثم أخبر سبحانه أنهم لا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم من الأوزار والذنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه. فقال: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.
وقالت طائفة، منهم محمد بن إسحاق «١» وغيره: هذه من جنس آية المباهلة. وأنهم لما عاندوا، ودفعوا الهدى عيانا، وكتموا الحق دعاهم إلى أمر يحكم بينهم وبينه. وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب المفتري، والتمني: سؤال ودعاء، فتمنوا الموت: أي سلوه، وادعوا به على المبطل الكاذب المفتري.
وعلى هذا: فليس المراد تمنوه لأنفسكم خاصة، كما قاله أصحاب القولين الأولين بل ادعوا بالموت وتمنوه للمبطل. وهذا أبلغ في إقامة الحجة، وبرهان الصدق، وأسلم من أن يعارضوا بقولهم: فتمنوه
_________________
(١) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم المدني صاحب السيرة رأى أنسا وسمع الكثير من المقبري والأعرج وهذه الطبقة وكان بحرا من بحور العلم ذكيا حافظا طلابة للعلم أخباريا نسابة علامة. قال شعبة: هو أمير المؤمنين في الحديث. قال ابن معين: هو ثقة وليس بحجة وقال أحمد بن حنبل هو حسن الحديث وقال ابن الأهدل: لا تجهل أمانته ووثقه الأكثرون في الحديث ولم يخرج له البخاري شيئا وخرج له مسلم حديثا واحدا من أجل طعن مالك فيه وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه أنه قال: هاتوا حيث مالك فأنا طبيب بعلله، ومن كتب ابن إسحاق أخذ عبد الملك بن هشام وكل من تكلم في السير فعليه اعتماده، توفي ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائة. (انظر شذرات الذهب) . []
[ ١٤٠ ]
أنتم أيضا إن كنتم محقين في دعواكم: أنكم أهل الجنة، لتقدموا على ثواب الله وكرامته، وكانوا أحرص شيء على معارضته. فلو فهموا منه ما ذكره أولئك لعارضوه بمثله.
وأيضا فإنا نشاهد كثيرا منهم يتمنى الموت لفقره وبلائه. وشدة حاله، ويدعو به، وهذا بخلاف تمنيه والدعاء به على الفرقة الكاذبة فإن هذا لا يكون أبدا، ولا وقع من أحد منهم في حياة النبي ﷺ البتة. وذلك لعلمهم بصحة نبوته وصدقه، وكفرهم به حسدا وبغيا، فلا يتمنونه أبدا، لعلمهم أنهم هم الكاذبون. وهذا القول الذي نختاره. والله أعلم بما أراد من كتابه.