النوع الثاني: أهل الإشراك به في إلهيته، وهم المقرون بأنه وحده رب كل شيء، ومليكه وخالقه، وأنه ربهم ورب آبائهم الأولين، ورب السموات السبع، ورب العرش العظيم، وهم مع هذا يعبدون غيره، ويعدلون به سواه في المحبة والطاعة والتعظيم، وهم الذين اتخذوا من دون الله أندادا، فهؤلاء لم يوفوا «إياك نعبد» حقه، وإن كان لهم نصيب من «نعبدك» . لكن ليس لهم نصيب من «إياك نعبد» المتضمن معنى: لا نعبد إلا إياك، حبا وخوفا ورجاء وطاعة وتعظيما، ف «إياك نعبد» تحقيق لتوحيد لهذا التوحيد، وإبطال للشرك في الإلهية، كما أن «إياك نستعين» تحقيق لتوحيد الربوبية، وإبطال للشرك به فيها، وكذلك قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فإنهم أهل التوحيد، وهم أهل تحقيق إياك نعبد وإياك نستعين» وأهل الإشراك: هم أهل الغضب والضلال.
فصل
في تضمنها الرد على الجهمية معطلة الصفات وذلك من وجوه:
أحدهما: من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ فإن إثبات الحمد الكامل له يقضي
[ ٥٨ ]
ثبوت كل ما يحمد عليه من صفات كماله، ونعوت جلاله، إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق، وغايته: أنه محمود من وجه دون وجه، ولا يكون محمودا بكل وجه، وبكل اعتبار، بجميع أنواع الحمد: إلا من استولى على صفات الكمال جميعها، فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبها.
وكذلك في إثبات صفة الرحمة له: ما يتضمن إثبات الصفات التي تستلزمها من الحياة، والإرادة والقدرة، والسمع والبصر، وغيرها.
وكذلك صفة الربوبية: تستلزم جميع صفات الفعل، وصفة الإلهية تستلزم جميع أوصاف الكمال: ذاتا وأفعالا، كما تقدم بيانه.
فكونه محمودا إلها ربا رحمانا رحيما، ملكا معبودا، مستعانا، هاديا منعما، يرضى ويغضب، مع نفي قيام الصفات به: جمع بين النقيضين.
وهو من أمحل المحال.
وهذه الطريق تتضمن إثبات الصفات الخبرية من وجهين:
أحدهما: أنها من لوازم كماله المطلق فإن استواءه على عرشه من لوازم علوه، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا في نصف الليل الثاني: من لوازم رحمته وربوبيته. وهكذا سائر الصفات الخبرية الوجه الثاني: أن السمع ورد بها ثناء على الله ومدحا له، وتعرفا منه إلى عباده بها. فجحدها وتحريفها عما دلت عليه، وأريد بها: مناقض لما جاءت له، فلك أن تستدل بطريق السمع على أنها كمال، وأن تستدل بالعقل كما تقدم.