ثم للناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها طرق أربعة. وهم في ذلك أربعة أصناف.
_________________
(١) الركاب: الإبل التي يسار عليها الواحدة راحلة ولا واحد لها من لفظها، والرّكاب جميع راكب.
[ ٨٥ ]
الصنف الأول: نفاة الحكم والتعليل، الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة، وصرف الإرادة. فهؤلاء عندهم القيام بها ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون سببا لسعادة في معاش ولا معاد، ولا سببا لنجاة، وإنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة، كما قالوا في الخلق: إنه لم يخلق ما خلقه لعلة، ولا لغاية هي المقصود به، ولا لحكمة تعود إليه منه، وليس في المخلوقات أسباب مقتضيات لمسبباتها، ولا فيها قوى ولا طبائع، فليست النار سببا للإحراق، ولا الماء سببا للإدواء والتبريد، وإخراج النبات، ولا فيه قوة ولا طبيعة تقتضي ذلك، وحصول الإحراق والري ليس بهما، لكن بإجراء العادة الاقترانية على حصول هذا عند هذا، لا بسببه ولا بقوة قامت به، وهكذا الأمر عندهم في أمره الشرعي سواء، لا فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور، ولكن المشيئة اقتضت أمره بهذا ونهيه عن هذا، من غير أن يقوم بالمأمور به صفة اقتضت حسنه، ولا المنهي عنه صفة اقتضت قبحه.
ولهذا الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة. وقد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمى (بمفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة) وبينا فساد هذا الأصل من نحو ستين وجها، وهو كتاب بديع في معناه. وذكرناه أيضا في كتابنا المسمى (بسفر الهجرتين وطريق السعادتين) .
وهؤلاء لا يجدون حلاوة العبادة ولا لذتها، ولا يتنعمون بها، وليست قرة أعينهم، وليست الأوامر سرور قلوبهم، وغذاء أرواحهم وحياتهم، ولهذا يسمونها تكاليف. أي قد كلفوا بها، ولو سمى مدع لمحبة ملك من الملوك أو غيره ما يأمره به تكليفا، وقال: إني إنما أفعله بكلفة، لم يعده أحد محبا له، ولهذا أنكر هؤلاء- أو كثير منهم- محبة العبد لربه. وقالوا: إنما يحب ثوابه وما يخلقه له من النعيم الذي يتمتع به، لا أنه يحب ذاته. فجعلوا المحبة لمخلوقه دونه. وحقيقة العبودية: هي كمال المحبة، فأنكروا حقيقة العبودية ولبّها. وحقيقة الإلهية: كونه مألوها محبوبا بغاية الحب، المقرون
[ ٨٦ ]
بغاية الذل والخضوع، والإجلال والتعظيم، فأنكروا كونه محبوبا. وذلك إنكار لإلهيته، وشيخ هؤلاء: هو الجعد بن درهم الذي ضحّى به خالد بن القسري في يوم أضحى، وقال: إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، وإنما كان إنكاره: لكونه تعالى محبوبا محبا، لم ينكر حاجة إبراهيم إليه، التي هي الخلة عند الجهمية التي يشترك فيها جميع الخلائق، فكلهم أخلّاء لله عندهم. وقد بينا فساد قولهم هذا وإنكارهم محبة الله من أكثر من ثمانين وجها في كتابنا المسمى (قرة عيون المحبين، وروضة قلوب العارفين) وذكرنا فيه وجوب تعلق المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية والفطرية، وأنه لا كمال للإنسان بدون ذلك البتة، كما أنه لا كمال لجسمه إلا بالروح والحياة، ولا لعينه إلا بالنور الباصر، ولا لأذنه إلا بالسمع، وأن الأمر فوق ذلك وأعظم.