في انقسام العبودية إلى عامة وخاصة العبودية نوعان: عامة، وخاصة.
فالعبودية العامة: عبودية أهل السموات والأرض كلهم لله، برّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم. فهذه عبودية القهر والملك. قال تعالى:
١٩: ٨٨- ٩٣ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا فهذا يدخل فيه مؤمنهم وكافرهم.
وقال تعالى: ٢٥: ١٧ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. فَيَقُولُ: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ فسماهم عباده مع ضلالهم، لكن تسمية مقيدة بالإشارة، وأما المطلقة فلم تجيء إلا لأهل النوع الثاني، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وقال تعالى: ٣٩: ٤٦ قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ
[ ٩٩ ]
الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
وقال ٤٠: ٣١ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ٤٠: ٤٨ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ فهذا يتناول العبودية الخاصة والعامة.
وأما النوع الثاني: فعبودية الطاعة والمحبة، واتباع الأوامر. قال تعالى: ٤٣: ٦٨ يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ وقال ٣٩: ١٧، ١٨ فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وقال ٢٥: ٦٣، ٦٤ وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا وقال تعالى عن إبليس ١٥: ٤٠ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فقال تعالى: ١٥:
٤٠: ٤١ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ.
فالخلق كلهم عبيد ربوبيته، وأهل طاعته وولايته: هم عبيد إلهيته.
ولا يجيء في القرآن إضافة العباد إليه مطلقا إلا لهؤلاء.
وأما وصف عبيد ربوبيته بالعبودية: فلا يأتي إلا على أحد خمسة أوجه: إما منكرا. كقوله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا والثاني: معرفا باللام كقوله ٤٠: ٣١ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ ٤٠: ٤٨ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ.
الثالث: مقيدا بالإشارة أو نحوها كقوله أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ.
الرابع: أن يذكروا في عموم عباده. فيندرجوا مع أهل طاعته في الذكر. كقوله ٣٩: ٤٦ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
الخامس: أن يذكروا موصوفين بفعلهم. كقوله ٣٩: ٥٣ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
وقد يقال: إنما سماهم عباده إذ لم يقنطوا من رحمته، وأنابوا إليه،
[ ١٠٠ ]
واتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم، فيكونون من عبيد الإلهية والطاعة.
وإنما انقسمت العبودية إلى خاصة وعامة: لأن أصل معنى اللفظة:
الذل والخضوع. يقال: «طريق معبد» إذا كان مذللا بوطء الأقدام، وفلان عبّده الحب إذا ذلله، لكن أولياؤه خضعوا له وذلوا طوعا واختيارا، وانقيادا لأمره ونهيه، وأعداؤه خضعوا له قهرا ورغما.
ونظير انقسام العبودية إلى خاصة وعامة: انقسام القنوت إلى خاص وعام، والسجود كذلك. قال تعالى في القنوت الخاص ٣٩: ٩ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ وقال في حق مريم ٦٦: ١٢ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ وهو كثير في القرآن.
وقال في القنوت العام ٢: ١١٦ وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ أي خاضعون أذلاء.
وقال في السجود الخاص ٤٠: ٦٠ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ وقال ١٩: ٥٨ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا وهو كثير في القرآن.
وقال في السجود العام ١٣: ١٥ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ.
ولهذا كان هذا السجود الكره غير السجود المذكور في قوله ٢٢:
١٨ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فخص بالسجود هنا كثيرا من الناس وعمهم بالسجود في سورة النحل ١٦: ٢٤٩ وهو سجود الذل والقهر والخضوع. فكل أحد خاضع لربوبيته، ذليل لعزته. مقهور تحت سلطانه تعالى.
[ ١٠١ ]