الأصل الثاني: أن الإسم من أسمائه ﵎ كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة. فإنه يدل دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم. فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة. ويدل على الصفة الأخرى باللزوم. فإن اسم «السميع» يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة وعلى الذات وحدها، وعلى السمع وحده بالتضمن. ويدل على اسم الحي وصفة الحياة بالالتزام. وكذلك سائر أسمائه وصفاته. ولكن يتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه. ومن هاهنا يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام. فإن من علم أن الفعل الاختياري لازم للحياة، وأن السمع والبصر لازم للحياة الكاملة، وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة. أثبت من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ما
_________________
(١) هو ابو سعيد الخراز.
[ ٣٤ ]
ينكره من لم يعرف لزوم ذلك، ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها، وكذلك سائر صفاته. فإن اسم «العظيم» له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله ولوازمها. وكذلك اسم «العلي» واسم «الحكيم» وسائر أسمائه. فإن من لوازم اسم «العلي» العلو المطلق، بكل اعتبار. فله العلو المطلق من جميع الوجوه: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات. فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه «العلي» .
وكذلك اسمه «الظاهر» من لوازمه: ألا يكون فوقه شيء، كما
في الصحيح عن النبي ﷺ: «وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء»
بل هو سبحانه فوق كل شيء، فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم اسمه «الظاهر» ولا يصح أن يكون الظاهر هو من له فوقية فقط، كما يقال: الذهب فوق الفضة، والجوهر فوق الزجاج. لأن هذه الفوقية لا تتعلق بالظهور، بل قد يكون المفوّق أظهر من الفائق فيها. ولا يصح أن يكون ظهور القهر والغلبة فقط، وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة، لمقابلة الاسم ب «الباطن» . وهو الذي ليس دونه شيء، كما قابل «الأول» الذي ليس قبله شيء، ب «الآخر» الذي ليس بعده شيء.
وكذلك اسم «الحكيم» من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ووضعه الأشياء في مواضعها، وإيقاعها على أحسن الوجوه. فإنكار ذلك إنكار لهذا الإسم ولوازمه. وكذلك سائر أسمائه الحسنى.