فقوله سبحانه في سورة الصف: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. يفسره ما في صحيح مسلم عن أسامة بن زيد ﵁ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: [يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلق أقتاب (١) بطنهِ فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك!؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ ! فيقول: بلى، كنت آمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عَنْ المُنْكَر وآتيه] (٢).
قال شيخ الإسلام ﵀: (ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي - ﷺ - لم يُحْتَجْ في ذلكَ إلى أقوال أهل اللغة، فإنه قد عرف تفسيره وما أُريدَ بذلك. ثم قال: ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع: نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حدّه بالعرف كلفظ القبض ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها، أو بسنة الرسول - ﷺ - تفسرها، فإن سنة رسول الله - ﷺ - تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه وكانوا يسمون ما عارض الآية ناسخًا لها.
_________________
(١) جمع قِتْب: وهي الأمعاء.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨/ ٢٢٤) - كتاب الإمارة، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٢٣٨)، باب: في الذي يأمر بالمعروف ولا يفعله.
[ ١ / ٣٧ ]
وقال في موضع آخر: والنقل يعني القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين. قال: ولا فيهم (أي في سلف الأمة وعلمائها) من يقول: إن لهُ ذوقًا أو وجدًا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث، فضلًا عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول، وأنهُ يأخذ من ذلكَ المعدن علم التوحيد، والأنبياء كلهم يأخذون عن مشكاته) الفتاوى- مقدمة التفسير (٢٩).
ثالثًا: تفسير النص بأسباب النزول: فقوله ﷾ في سورة يس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ مفسّر بما روى الترمذي وابن ماجة بإسناد جيد عن ابن عباس ﵁ قال: [كانت الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقتربوا، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا] (١).
وقوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، مفسّر بما أخرج الإمام أحمد في المسند عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: [جاء إلى رسول الله - ﷺ - وقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فقال رسول الله - ﷺ -: من السائل عن العمرة؟ فقال: أنا، فقال ألق ثيابك واغتسل واستنشق ما استطعت وما كنتَ صانعًا في حجتك فاصنع في عمرتك] (٢).
وقوله جل ثناؤه في سورة البقرة: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ مفسّر بما روى الإمام البخاري في صحيحه أسباب النزول لهذه الآية عن كعب بن عُجْرة قال: [وقفت على رسول الله - ﷺ - بالحديبية ورأسي يتهافت قمْلًا. فقال: يؤذيك هوامُّكَ (٣). قلت: نعم. قال: فاحلق رأسكَ قال: فيّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخرها، فقال النبي - ﷺ - كما في رواية: ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ قلت: لا.
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن، والترمذي نحوه (٣٢٢٦)، والطبري (٢٩٠٧٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٨) من حديث أبي سعيد، وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول -الوادعي- سورة يس، آية (١٢).
(٢) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ٢٢٤)، والمرجع السابق (سورة البقرة آية ١٩٦). وأصل معناه في صحيح البخاري (١٧٨٩)، وفي صحيح مسلم (١١٨٠)، وسنن الترمذي (٨٣٦).
(٣) أي القمل.
[ ١ / ٣٨ ]
قال: صُمْ ثلاثة أيامٍ أو أطعم ستةَ مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك] (١).