فلفهم قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، تقرأ في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵁ قال: [كان رسول الله - ﷺ - يصلي وهو
_________________
(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري (٨٣٧)، أبواب الإحصار وجزاء الصيد.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، كتاب التفسير، وانظر مختصر صحيح مسلم- حديث رقم- (٢١٢٣).
[ ١ / ٣٩ ]
مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه وفيه نزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾] (١).
وإذا مررت بقول الله سبحانه في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قرَأْتَ في تفسير الإمام الطبري بسند صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: [إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونهُ في العمل لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئًا] (٢).
قلت: ويعضده ويقويه ما روى الإمام أحمد في المسند والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الرجل لترفع درجته في الجنة، قيقول: أنّى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك] (٣).
قال شيخ الإسلام في مقدمة التفسير (الفتاوى: ١٣/ ٣٣٢): (ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك، وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلًا جدًّا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منهُ في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيهِ أكثر، ومن التابعين من تَلَقَّى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحّف على ابن عباس أوقفهُ عند كل آية منه وأسأله عنها، ولهذا قال الثوري: إذا جاءكَ التفسير عن مجاهد فحسبك به، ولهذا يعتمد على تفسيره
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧٠٠) ح (٣٣)، والترمذي (٢٩٦١)، والنسائي (١/ ٢٤٤)، وأحمد (٢/ ٢٠)، وأصله عند البخاري (١٠٩٦).
(٢) حديث صحيح. أخرجهُ ابن جرير (٢٧/ ١٥)، والبزار (ص ٢٢١). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة- حديث رقم- (٢٤٩٠).
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥٠٩)، وابن ماجة في السنن (٣٦٦٠)، وإسناده صحيح. ورواه البيهقي كذلك بسند صحيح من حديث أبي هريرة ﵁. وانظر صحيح الجامع (١٦١٣)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (١٥٩٨).
[ ١ / ٤٠ ]
الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلكَ الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره.
قال: والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلكَ بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال).
ولما سئل: فما أحسن طرق التفسير أجاب: (إن أصح الطرق في ذلكَ أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه فسر في موضع آخر، وما اختصر من مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلكَ فعليكَ بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله - ﷺ - فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ولهذا قال رسول الله - ﷺ -: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه) يعني السنة، قال: والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لأنها تتلى كما يتلى. ثم قال: وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلكَ إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلكَ لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين: (مثل عبد الله بن مسعود) قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: حدثنا أبو كريب، قال أنبأنا جابر بن نوح، أنبأنا الأعمش عن أبي الضُّحا عن مسروق قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: والذي لا إله غيرهُ، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وقال الأعمش أيضًا عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
قال ومنهم الحبر البحر "عبد الله بن عباس" ابن عم رسول الله - ﷺ - وترجمان القرآن، ببركة دعاء رسول الله - ﷺ - حيث قال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، أنبأنا وكيع، أنبأنا سفيان عن الأعمش عن مسلم عن مسروق، قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. (ثم
[ ١ / ٤١ ]
ذكر رواية أخرى): نعم الترجمان للقرآن ابن عباس. ثم قال: وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح، وعمَّر بعدهُ ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود؟ وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليٌّ عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية سورة النور، ففسرها تفسيرًا لو سمعتهُ الروم والترك والديلم لأسلموا. قال: ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب التي أباحها رسول الله - ﷺ - حيث قال: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو، ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد، فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوزُ حكايته لما تقدم).
قلت: ويشهد لهذا ما روى أبو داود وابن حبان والإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن أبي نَمْلَةَ الأنصاري عن أبيهِ قال: كنتُ عند النبي - ﷺ - إذ دخل عليهِ رجل من اليهود فقال: يا محمد أتُكلَّم هذه الجنازة؟ فقال النبي - ﷺ -: الله أعلم. فقال اليهودي: أنا أشهد أنها تكلم. فقال النبي - ﷺ -: [ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقًّا لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدقوهم]. ويشهد له ما في الصحيحين: [إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم ولكن قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم] (١).
ولكن غالب ما جاء من هذه الإسرائيليات مما لا فائدة منهُ، فلكم خاضوا في أشياء سكت الله عنها ولو شاء لأعلم الناس بها، وكم سودوا في كتبهم من الأخبار عن الأنبياء
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٣٦)، وابن حبان (٦٢٥٧)، بنحوه. وأصله في صحيح البخاري (٤٤٨٥)، وانظر سنن النسائي "الكبرى" (١١٣٨٧).
[ ١ / ٤٢ ]
صلوات الله وسلامه عليهم مما لا يليق بمقام النبوة والوحي والرسالة، فنسبوا لداود ﵇ التعلق بنساء بعض جنوده حتى دفعه إلى أرض القتال فقتل فتزوج امرأته، ونسبوا لسليمان ﵇ قصصًا من العشق والغرام مع بلقيس ملكة سبأ، ونسبوا ليوسف صلوات الله وسلامه عليه حكايات من الحب والمراهقة مع امرأة العزيز وما تأدبوا مع أكرم الخلق والذرية وهو نبي ابن نبي ابن نبيّ، كما خاضوا في أسماء أهل الكهف ولون كلبهم وعدتهم، وخاضوا في عصا موسى من أي الشجر كانت؟ وفي نوع الشجرة التي كلم الله منها موسى ﵇ إلى غير ذلكَ مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم فضلًا عن أخراهم.