لقد ورد في ذكر فضل هذه السورة العظيمة أحاديث من السنة الصحيحة العطرة:
الحديث الأول: أخرج الإمام البخاري في صحيحه في كتاب التفسير عن أبي سعيد بن المعَلَّى ﵁ قال: [كُنْتُ أُصَلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله -ﷺ- فلَمْ أُجِبْهُ، فقلتُ: يا رسول الله إني كنتُ أصلي، فقال ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ثم قال لي: لأُعَلِّمَنَّكَ سورة هي أعظمُ السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد. ثم أخذ بيدي، فلما أرادَ أن يخِرج، قلتُ له: ألم تقل: لأُعلمنكَ سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾: هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيتهُ] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [انطلق نفر من أصحاب رسول الله -ﷺ- في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حيّ من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فَلُدِغَ سيد ذلكَ الحي، فسعوا له
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٧٤)، (٤٧٠٣)، وأحمد (٣/ ٢١١)، وأكثر أهل السنن.
[ ١ / ٥٥ ]
بكل شيء لا ينفعهُ، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعلهم عندهم بعض شيء، فأتوهم فقالوا: أيها الرهط! إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعهُ شيء، فهل عند أحد منكم شيء؟ قال بعضهم: إني والله لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم، حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ فكأنما نشط من عقاله، فانطلق يمشي وما بهِ قَلَبَةٌ، فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، وقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي -ﷺ-، فنذكر له الذي كان فننظر الذي يأمرنا، فقدموا على النبي -ﷺ- فذكروا له فقال: وما يُدريكَ أنها رُقْيَة؟ ثم قال: قد أصبْتُمْ اقْسِمُوا واضرِبوا لي معكم سهمًا]. ذكره في باب النفث بالرقية.
وفي رواية له في باب الرُّقَى بفاتحة الكتاب، قال أبو سعيد: [ فقالوا إنكم لم تَقْرُونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأمِّ القرآن ويجمعُ بُزاقهُ ويتفل فبرأ، فأتوا بالشاء فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي -ﷺ-، فسألوه فضحك وقال: وما أدراكَ أنَّها رُقيَة، خذوها واضرِبوا لي بِسَهْم].
وفي رواية: [فأمر لهُ بثلاثين شاة وسقانا لبنًا].
وذكره في باب الشرط في الرقية بِقطيع من الغنم، عن ابن عباس: [أن نفرًا من أصحاب النبي -ﷺ- مَرّوا بماء فيهم لديغٌ أو سليم، فعرضو، لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكما راق؟ إنِ في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ فبَرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله! أخذ على كتاب الله أجرًا، فقال رسول الله -ﷺ-: إنَّ أحقَّ ما أَخَذْتُمْ عليهِ أجرًا كِتابُ الله] (١).
قلت: فيه دليل أن المعلوم لديهم أن أخذ المال على قراءة القرآن حرام في غير الرقية كما فهم الصحابة رضوان الله عليهم حيق قالوا لنبيهم -ﷺ-: (أخذ على كتاب الله أجرًا)، وبما سمعوا من كتاب الله تعالى قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، فليحذر الذين اتخذوا تلاوة القرآن صنعة لهم يلبون حاجات الناس إلى ذلك في المآتم والأحزان، ويشاركونهم جهلهم في الدين وفي تعاملهم مع كلام الله العظيم.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجهُ البخاري في الروايات السابقة (٢٢٧٦)، (٥٠٠٧)، (٥٧٤٩)، وأخرجه مسلم (٢٢٠٢)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٠)، ورواه أهل السنن.
[ ١ / ٥٦ ]
وأما قوله في رواية أخرى: [.. فجاءت جاريةٌ، فقالت إن سيد الحي سليم وإن نفرنا غيب فهل منكم راق]، فإن العرب تقول للديغ سليمًا، يسمونه بذلكَ تفاؤلًا.
الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه في كتاب فضائل القرآن، عن ابن عباس ﵄ قال: [بينما جبريل قاعد عند النبي -ﷺ- سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قطُّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا مَلَكٌ نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشِر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيٌّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أُعْطِيْتَهُ] (١).
والمقصود: أي أعطيت ثوابهُ وأعطاكَ الله ما اشتمل عليهِ من الدعاء.
الحديث الرابع: روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام]. فقيل لأبي هريرة إنا نكون خلف الإمام فقال: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [قال الله ﷿: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قالِ الله: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدى ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل] (٢).
الحديث الخامس: روى أحمد عن عبد الله بن جابر البياضي قال: [انتهيت إلى رسول الله -ﷺ- وقد اهراق الماء، فقلت: السلام عليكَ يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فقلتُ: السلامُ عليكَ يا رسول الله فلم يرد علي، قال: فقلتُ: السلامُ عليكَ يا رسول الله، فلم يرد علي، قال: فانطلق رسول الله -ﷺ- يمشي وأنا خلفه حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلستُ كئيبًا حزينًا، فخرج علي رسول الله -ﷺ- وقد تطهر فقال: عليكَ السلام ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته،
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٦)، وأخرجه النسائي (٢/ ١٣٨)، والحاكم (١/ ٥٥٨).
(٢) حديث صحيح. أخرجهُ مسلم في الصحيح (٣٩٥)، والنسائي في "الكبرى" (٨٠١٢)، (٨٠١٣).
[ ١ / ٥٧ ]
وعليك السلام ورحمة الله، ثم قال: ألا أخبرك يا عبد الله بن جابر بأخيرِ سورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: اقرأ الحمدُ لله رب العالمين حتى تختمها] (١).
الحديث السادس: روى الترمذي عن أبي هريرةَ عن النبي -ﷺ- قال: [والذي نفسي يدهِ، ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها إنها السبع المثاني] (٢).
الحديث السابع: روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن خارجةَ بن الصلت عن عمه قال: [أتيت النبي -ﷺ- فأسلمت، ثم رجعت فمررت على قوم، عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهلهُ: إنا حُدِّثنا أن صاحبك هذا قد جاء بخير، فهل عندكَ شيء تداويه؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطوني مئة شاة، فأتيت النبي ﵊، فأخبرته، فقال: هَلْ إلَّا هذا؟ وفي رواية: هل قلتَ غيرَ هذا؟ قلت: لا، قال خُذْهَا فَلَعَمْري لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ باطل، لقد أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَق] (٣).
وفي رواية أخرى لأبي داود وكلاهما في كتاب الطب قال: -يعني عم خارجة-: [أقبلنا على من عند النبي -ﷺ-، فأتينا على حي من العرب: عندكم دواء؟ فإن عندنا معتوهًا في القيود، جاؤوا بالمعتوه في القيود، فقرأت عليهِ فاتحة الكتاب ثلاثة أيام، غدوة وعشية أجمع بزاقي ثم أتفل. فكأنما نشط من عقال. فأعطوني جعلًا، فقلت: لا، فقالوا: سل النبي -ﷺ- فسألته فقال: كُلْ لَعَمْري مَنْ أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حقٍّ].
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٧٧)، وإسناده حسن، وله شواهد.
(٢) حديث صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي -حديث رقم- (٢٣٠٧)، وصحيح سنن أبي داود (١٢٩٣)، ومسند أحمد (٢/ ٤١٣).
(٣) حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (٣٢٩٧)، (٣٢٩٨)، كتاب الطب، باب كيف الرقى؟
[ ١ / ٥٨ ]