١ - البدء بحمد الله خالق السماوات والأرض وجاعل الظلمات والنور وعالم السر والعلن.
_________________
(١) حديث موقوف. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٥٢٤) عن ابن عباس موقوفًا. كتاب المناقب. باب قصة زَمْزَمَ وجَهْل العرب. والآيات من سورة الأنعام ما بين ١٣٠ - ١٤٠. والآية المذكورة (١٤٠).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
٢ - إعراض الكافرين عن آيات الله الكونية والقدرية وسوف يعلمون.
٣ - تذكير الله المعرضين عن الإيمان به وطاعته هلاك الأمم السالفة المكذبة رغم القوة والبنيان، والأموال والأنهار والعمران.
٤ - استكبار المشركين عن الإيمان بالرسول حتى لو كان ملكًا كما تمنوا.
٥ - السعيد من صُرِف عن عذاب الله في الآخرة والشقي من هلك فيه.
٦ - الضر والنفع بيد الله، والله تعالى هو القاهر فوق عباده.
٧ - المشركون يودون الرجعة إلى الدنيا حين يرون العذاب ليخلصوا لله الإيمان، ولكن هيهات هيهات وقد فات الأوان.
٨ - حسرة الكفار يوم القيامة على تفريطهم وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم.
٩ - تسلية الله نبيّه عما يلقاه من أذى المشركين وعنادهم، بصبر المرسلين قبله على تكذيب أقوامهم، حتى جاءهم نصر الله.
١٠ - تشبيه الله تعالى الكفار بالموتى لأنهم موتى القلوب لا يفقهون ولا يسمعون.
١١ - جميع ما يدُبّ في الأض أو يطير في السماء أمم خلقها الله وهداها، وهو محاسبها، حتى يقتص يوم القيامة للشاة الجماء من الشاة القرناء.
١٢ - عطاء الله للعصاة إنما هو استدراج لهم، فإذا أخذ الله الظالم لم يفلته.
١٣ - الرسول -ﷺ- لا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب إلا ما علمه الله.
١٤ - النهي عن طرد المستضعفين المؤمنين، والأمر بتقريبهم وإكرامهم.
١٥ - الرسول -ﷺ- لا يملك إيقاع العذاب بأحد، وإنما ذلك لله وحده.
١٦ - الغيب كله لله تعالى لا يشاركه فيه أحد.
١٧ - النوم موت مؤقت، وهو وفاة الليل.
١٨ - المشركون يخلصون الدين لله في الضراء، ويشركون به في السراء.
١٩ - هجر المجلس الذي يُكذَّبُ فيهِ بآيات الله واجب، ولا يُتابعُ الجلوسَ مع الاستهزاء بالدين إلا منافق. ومن يهد الله قلبه إلى الحق فلا مضل له.
٢٠ - دعوة إبراهيم ﵊ أباه آزر إلى التوحيد، فلما أصر على الشرك تبرأ منه.
٢١ - علو محاكمات إبراهيم -ﷺ- في الاستدلال على الربوبية المقتضية للألوهية، وتألقه
[ ٢ / ٥٧٥ ]
﵇ في إقامة الحجة على قومه، وأن الشرك هو أكبر الظلم، وأن الأمن في الإيمان.
٢٢ - الأنبياء دعوتهم واحدة، وهي دين الإسلام، وتبليغ الدعوة ثوابه عند الله، ولا أظلم ممن أشرك بالله أو ادّعى النبوة، أو مماثلة القرآن.
٢٣ - النجوم: زينة للسماء ورجم للشياطين وهداية في ظلمات الليل، والمخلوقات المتعددة من كل شيء دالة على كمال قدرة الخالق ﷿.
٢٤ - اختلاق الكافرين لله بنين وبنات وشركاء تعالى الله وتقدس عمّا يصفون.
٢٥ - القرآن للمؤمنين هدى، وللكافرين عمى، وعلى الرسول البلاغ، وعلى الله الحساب.
٢٦ - النهي عن سب أصنام المشركين حتى لا يسبوا الله عدوًا بغير علم.
٢٧ - المشركون يطالبون الرسل بالمعجزات، فإذا نزلت لا يؤمنون.
٢٨ - أكل ما لم يذكر اسم الله عليه حرام، إلا أن يكون اضطرارًا.
٢٩ - علامة محبة الله العبد وتوفيقه شَرْحُ صَدْرِه للإسلام، وعلامة غضبه تعالى عليه تضييق صدره وخذلانه عن الحق.
٣٠ - استمتاع الجن بالإنس بخضوع الإنس لهم وتعظيمهم من دون الله، واستمتاع الإنس بالجن بالسحر وما يتبعه من الفجور والزنا وأخذ أموال الناس بالباطل.
٣١ - الله تعالى يسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس بما كانوا يكسبون.
٣٢ - استثناء الخلود في النار إنما هو لعصاة الموحدين، ولا يهلك على الله إلا هالك.
٣٣ - إقامة حجة الله على الثقلين يوم القيامةِ بإرساله الرسل.
٣٤ - لكل من الجن والإنس درجات في الجنة أو النار، كل بحسب عمله.
٣٥ - ذمّ المشركين بجعل شيء من الحرث والأنعام لله وآخر لأصنامهم، وكذلكَ بقتل الأولاد سفهًا بغير علم، وبتحريم ما رزقهم الله افتراء عليه.
٣٦ - امتنان الله تعالى على الناس بخلقه لهم أنواع الثمار وألوان الزروع وأصناف الأنعام، والأمر بالصدقة مما تنبت الأرض.
٣٧ - بَيانُ المحرمات من المآكِل، وتضييق الله على اليهود في مآكلهم جزاء لبغيهم، والله تعالى لم يحرم على المشركين ما حرموه على أنفسهم، وأظلم الناس من كذب على الله.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
٣٨ - الوصية الجامعة: تحريم الشرك بالله والعقوق بالوالدين وقتل الأولاد واقتراف الفواحش وأكل مال اليتيم، والأمر بالوفاء في الكيل والميزان والعدل في الرضا والغضب وقول الحق واتباع سبيل خير المرسلين.
٣٩ - أَمْرُ الله المؤمنين بالجماعة، ونَهْيُهم عن الاختلاف والتفرقة.
٤٠ - الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها، ولا يظلم الله أحدًا.
٤١ - الصراط المستقيم هو ملة إبراهيم، ملة التوحيد لله والتعظيم.
٤٢ - صلاة المؤمن ونُسكُه ومنهاج حياته كله لله رب العالمين.
٤٣ - لا تزر وازرة وزر أخرى، وصحف العباد تشمل جميع أعمالهم.
٤٤ - جعل الله العباد خلائف في الأرض يخلف بعضهم بعضًا، وابتلاهم برفع بعضهم فوق بعض درجات.
٤٥ - إن الله سريع العقاب وإنه لغفور رحيم.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١ - ٣. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾.
في هذه الآيات: ثنَاءُ الله سبحانه مادحًا نفسه الكريمة بما تفرد به جلت عظمته في خلق السماوات والأرض وتعاقب الظلمات والنور لمنافع عباده، ثم مع ذلك يعدل عن عبادته الكافرون. ثم أعقب ذلك بذكر خلق آدم ﵇ أصل بني البشر وقد قضى لنسله آجالًا، ثم وعدهم لقاءه في المحشر يوم القيامة، الذي يشك فيه الممترون. وهو سبحانه الإله الواحد الأحد المعبود في السماوات وكذلك في الأرض لا يخفى عليه سركم وجهركم ويعلم كسبكم وجميع أعمالكم.
فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
قال ابن جرير: (وهذا كلام مخرجه مَخرج الخبر، يُنْحى به نحو الأمر. يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خلقكم، أيها الناس، وخلق السماوات والأرض، ولا تشركوا معه في ذلك أحدًا أو شيئًا، فإنه المستوجب عليكم الحمدَ بأياديه عندكم ونعمه عليكم، لا من تعبدونه من دونه، وتجعلونه له شريكًا من خَلْقه).
وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن أبي أمامة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [ما أنعم الله على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان ذلك الحمد أفضلَ من تلك النعمة] (١).
وله شاهد عن ابن ماجة بسند حسن من حديث أنس ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [ما أنعم الله تعالى على عبدٍ نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضلَ مما أخذ] (٢).
_________________
(١) حديث حسن. أخرج الطبراني في "الكبير" من حديث أبي أمامة. انظر صحيح الجامع (٥٤٣٨).
(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في "السنن" (٣٨٠٥) - باب فضل الحامدين. انظر صحيح سنن ابن ماجة (٣٠٦٧). من حديث أنس بن مالك ﵁.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وقوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾.
قال السدي: (الظلمات ظلمة الليل، والنور نورُ النهار). وقال الحسن: (الكفر والإيمان).
قال ابن كثير: (فجمع لفظ الظلمات ووحَّدَ لفظ النور، لكونه أشرف، كما قال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ﴾ [النحل: ٤٨]، وكما قال في آخر هذه السورة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: ١٥٣]).
قلت: ولا شك أن الآية تعم إضافة لظلام الليل ونور النهار، ظلمات الباطل وسواد سبله، ونور الحق وسبيل أهل الإيمان. كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانه على عباده -بِنَعْمانَ- وهو: واد إلى جنب عرفات.
وأما الظلمة: فهي ظلمة الطباع والجهل والأهواء، ظلمة الخضوع للغرائز والشهوات.
أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي -ﷺ- أنه قال: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضلَّ] (١).
وفي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار مرفوعًا: [قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا] (٢).
وقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
قال ابن عطية: (فـ ﴿ثُمَّ﴾ دالة على قبح فعل الكافرين).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان في صحيحه (١٨١٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٠)، وانظر مسند أحمد (٢/ ١٧٦)، (٢/ ١٩٧). وسنده صحيح.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٨٦٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٦٦).
[ ٢ / ٥٧٩ ]
والمعنى: إن خلقه سبحانه السماوات والأرض قد تقرّر، وآياتها العظيمة في هذا الكون قد سطعت، وإنعامه جل ذكره قد تبيّن، ثم بعد ذلك كله عدل الكافرون عن عبادة ربهم وتعظيمه، إلى تعظيم أهوائهم وشهواتهم من دون الله.
قال مجاهد: (﴿يَعْدِلُونَ﴾. يشركون).
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾.
قال قتادة: (﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، بدء الخلق، خلق الله آدم من طين).
وقال ابن زيد: (خلق آدم من طين، ثم خلقنا من آدم حين أخذنا من ظهره).
فالمعنى: بدأ الله تعالى الخلق بأن خلق آدم ﵇ من تربة الأرض المختلفة، ثم خرج منه نسله وذريته فانتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، فكان الأصل من ذلك الطين الأول.
أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أبي موسى، عن النبي -ﷺ- قال:
[إن الله تعالى خلق آدم من قَبْضَةٍ قَبَضَها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْلُ والحزْنُ، والخبيث والطيِّبُ، وبين ذلك] (١).
وقوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ - فيه أقوال:
١ - قال قتادة: (أجل حياتك إلى أن تموت، وأجل موتك إلى أن تُبْعَث. فأنت بين أجَلين من الله تعالى ذكره).
٢ - وقال الضحاك بن مزاحم: (﴿قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، قال: قضى أجل الموت، وكل نفس أجلها الموت. قال: ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، يعني: أجل الساعة، ذهاب الدنيا، والإفضاء إلى الله).
٣ - وعن ابن عباس: (قوله: ﴿أَجَلًا﴾، قال: الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، الآخرة).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٦)، وابن حبان (٢٠٨٣) (٢٠٨٤)، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٣٢٧)، (٣٨٥).
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وقال أيضًا: (﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني أجل الموت، والأجل المسمى: أجل الساعة والوقوف عند الله).
٤ - وقيل: أما قوله: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ فهو النوم، تُقبض فيه الروح، ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، هو أجل موت الإنسان. وقيل: أخذ الأجل والميثاق في أجل واحد مسمى في هذه الحياة الدنيا.
والراجح ما ذكره ابن جرير: (ثم قضى أجل الحياة الدنيا، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، وهو أجل البعث عنده). وبنحوه الأقوال الثلاثة الأولى.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾.
قال السدي. (يعني تشكون في أمر الساعة). وقال: (الشك. وقرأ قول الله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]. قال: في شك منه).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾.
حَمَلَ الجهمية هذه الآية على أن الله في كل مكان -تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
والتفسير الصحيح لهذه الآية كما قال الحْافظ ابن كثير ﵀وهو قول أهل السنة والجماعة-: (فأصح الأقوال أنه: المدعوّ الله في السماوات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحِّدُه وَيُقِرُّ له بالإلهية مَنْ في السماوات وَمَنْ في الأرض، ويسمُّونه الله، ويدعونه رَغَبًا وَرَهَبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ [الزخرف: ٨٤]، أي: هو إله مَنْ في السماء وإلهُ مَنْ في الأرض، وعلى هدْا فيكون قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ خبرًا أو حالًا. والقول الثاني: أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض، من سِرٍّ وجهر. فيكون قولُه: ﴿يَعْلَمُ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾، تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون. والقول الثالث: أن قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقفٌ تام، ثم استأنف الخبر فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾. وهذا اختيار ابن جرير. وقولُه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي: جميعَ أعمالكم خيرها وشرها) انتهى.
٤ - ٦. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا
[ ٢ / ٥٨١ ]
مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن كفر المشركين ومعاندة المكذبين، وأن الآيات لم تنفع مع عنادهم وكبرهم، ولا بد أن يروا مغبة استهزائهم ويذوقوا وبال استهتارهم. فهل نسوا القرون التي سبقتهم والأمم التي سلفتهم، وقد أمددناهم بأسباب القوة والتمكين من الأموال والأولاد والجنود والملك والجاه والقوة -ما لم نمكن لهؤلاء الذين خلفوهم وساروا على منهاجهم في الكفر والعناد والتكذيب-، إضافة إلى تكثير أمطار السماء وتفجير ينابيع الأرض استدراجًا لهم وإملاءً إلى أجل، فلما جاء أجلهم أهلكناهم بسيئاتهم فكانوا كأمس الذاهب وصيرناهم أحاديث للناس على مدار الزمان، وأنشأنا من بعدهم جيلًا جديدًا وأمة تلو أمة.
فقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ﴾.
أي: علامة ودلالة، كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وآيات القرآن فيها خبر الأمم السالفة وما نزل بهم بسبب بغيهم، وغيرها ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الدالة على وحدانيته وحقيقة نبوتك يا محمد ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
قال القرطبي: (والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله جل وعز من خلق السماوات والأرض وما بينهما، وأنه يرجع إلى قديم حي غني عن جميع الأشياء، قادر لا يعجزه شيء، عالم لا يخفى عليه شيء من المعجزات التي أقامها لنبيّه -ﷺ-، ليُستَدلّ بها على صدقه في جميع ما أتى به).
وقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ - المراد مشركو مكة حين كذبوا بالحق: وهو القرآن، أو محمد -ﷺ-.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: سوف يأتيهم أخبار استهزائهم بما كانوا به يستهزئون من
[ ٢ / ٥٨٢ ]
آياتي وأدلتي التي آتيتهم. ثم وفّى لهم بوعيده لمّا تمادوا في غَيِّهم، وعَتَوْا على ربهم، نقتلهم يوم بدر بالسيف).
وقال ابن كثير: (وهذا تهديد لهم ووعيدٌ شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بدَّ أن يأتيهم خَبَرُ مَا هُمْ فيه من التكذيب، وليجدُنّ غِبَّهُ، وَليَذوقُنَّ وبَاله).
فالمراد ما نالهم يوم بدر من القتل والهزيمة. وقيل: المراد يوم القيامة. وكلا المعنيين حق يحتمله التأويل والبيان الإلهي.
وقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾.
قال قتادة: (يقول: أعطيناهم ما لم نعطكم) - أي من الدنيا.
قال ابن كثير: (أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض، والسَّعَةِ والجنود).
وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
قال ابن جرير: (أمطرت فأخرجت لهم الأشجارُ ثمارها، وأعطتهم الأرض رَيْع نباتها، وجابوا صخور جبالها، ودَرَّت عليهم السماء بأمطارها، وتفجرت من تحتهم عيون المياه بينابيعها بإذني، فغمطوا نعمة ربهم، وعصوا رسولَ خالقهم، وخالفوا أمرَ بارئهم، وبَغَوْا حتى حَقَّ عليهم قَوْلي، فأخذتهم بما اجترحوا من ذنوبهم، وعاقبتهم بما اكتسبت أيديهم، وأهلكت بعضهم بالرَّجفة، وبعضهم بالصيحة، وغير ذلك من أنواع العذاب).
وقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.
أي: أخرجنا بعد هلاكهم جيلًا آخر للابتلاء، بعد ما هلك الأولون فكانوا كأمس الذاهب، فاحذروا معشر المكذبين بمحمد -ﷺ- ورسالته أن ينزل بكم مثل ما نزل بتلك الأمم، قبلكم إذ دَكَّها الله دكًا وصيّرها للناس أحاديث، فما أنتم بأعزَّ على الله منهم، فإن الله ﵎ لا يحابي أحدًا من خلقه.
٧ - ١١. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ
[ ٢ / ٥٨٣ ]
لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن عميق كفر المشركين وشدة عنادهم ومكابرتهم للحق وجدالهم المتخبط كقلوبهم: فلو شاهدوا الوحي النازل عليك يا محمد في قرطاس يمسونه بأيديهم لاتهموا ذلك بالسحر. ثم سألوك أن ينزل ملك من السماء يشهد لك بصدق ما يوحى إليك، ولو أنزلنا ملكًا كما سَأَلوا ثم كفروا لَعَاجَلَهُم العذاب والخزي ولم يُنْظَروا حتى يتوبوا، ولو كان النازل إلى البشر رسولًا ملكِيًّا لكان على هيئة رجل ليُفهم منه وينتفع بمخاطبته، وحينئذ يلتبس عليهم أمره، فلم يدروا أمَلَكٌ هو أم إنسيّ! فلم يوقنوا به أنه ملك، وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك، وصحة برهانك على نبوتك. فلا تحزن يا محمد، فلقد تعرض إخوتك الرسل قبلك إلى استهزاء المعانادين، حتى نزل بالمستهزئين سوء الوبال، وهذه الأرض تشهد بمواقع تلك الأمم ومساكن تلك الأقوام التي كذبت فَدَمَّرَ الله عليهما، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كانت خاتمتها.
فقوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
قال قتادة: ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾، يقول: في صحيفة). وقال السدي: (الصحف).
قال ابن عباس: (يقول: لو نزلنا من السماء صُحُفًا فيها كتاب فلمسوه بأيديهم، لزادهم ذلك تكذيبًا). وقال مجاهد: (﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾، قال: فمسّوه ونظروا إليه، لم يصدِّقوا به). وقال قتادة: (فعاينوه معاينة).
وقوله: ﴿لَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
قال شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير-: (أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر سحَرْتَ به أعيننا، ليست له حقيقة ولا صحة، ﴿مُبِينٌ﴾، يقول: مبين لمن تدبّره وتأمَّله أنه سحر لا حقيقة له).
وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥].
[ ٢ / ٥٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾.
قال قتادة: (يقول: ولو أنهم أنزلنا إليهم ملكًا، ثم لم يؤمنوا، لم يُنْظَروا).
وقال السدي: (﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾، يقول: لجاءهم العذاب).
وقال مجاهد: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ في صورته، ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، لقامت الساعة).
كما في التنزيل: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨].
وكذلك: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.
أي: لو أنزلنا ملكًا من السماء مصدقًا لك يا محمد، لجاءهم في صورة رجل، إذ لا تطيق أبصارهم رؤية الملك على صورته، ولحصل الالتباس عليهم فلم يدروا أملك هو أم إنسيّ. قال ابن عباس: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، يقول: لشَبَّهْنَا عليهم). أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.
قال قتادة: (ما لبَّسَ قوم على أنفسهم إلا لَبَّسَ الله عليهم. واللَّبْس إنما هو من الناس). وقال السدي: (شبهنا عليهم ما يشبِّهون على أنفسهم). وقال الضحاك: (لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور).
وفي التنزيل: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
يُسَلّي الله سبحانه نبيّه -ﷺ- مما يلقى من تكذيب قومه وعنادهم، بأن هذه كانت طبيعة في أقوام إخوته الرسل قبله، فصبروا على ما كذبوا حتى جاءهم نصر الله وفرجه، ونزل بالمكذبين نكال ما كذبوا واستهزؤوا. قال السدي: (وقع بهم العذاب الذي استهزؤوا به).
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
أي: قل يا محمد لهؤلاء المعاندين الجاحدين النبوة والتنزيل بعدما ظهر لهم أنه الحق: جولوا في بلاد المكذبين قبلكم وانظروا في مساكنهم التي خلفوها بعدما نزل بهم العذاب والعطب وخزي الدنيا وعارها، وتفكروا فيما صاروا إليه من البوار وخراب الديار وعفوِّ الآثار. قال قتادة: (دمَّر الله عليهم وأهلكهم، ثم صيّرهم إلى النار).
قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: (لما فتحت قبرس فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله ﷿ إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى).
وأخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن مُرّة قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني مَنْ سَمعَ النبي -ﷺ- يقول: [لَنْ يَهْلِكَ الناسُ حتى يُعْذَروا مِن أنفسهم] (١).
في مسند الإمام أحمد من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [إذا ظهرت المعاصي في أمتي عَمَّهم الله بعذاب من عنده. فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ أُناسٌ صالِحون؟ قال: بلى. قلت: فكيف يُصْنَعُ بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصابَ الناسَ، ثم يصيرون إلى مغفرةِ من الله ورضوان] (٢).
١٢ - ١٦. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن -حديث رقم- (٤٣٤٧) - في الملاحم، باب الأمر والنهي. وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٦٠)، (٥/ ٢٩٣).
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٤)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٤٤١/ ٢) من حديث عائشة.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.
في هذه الآيات: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بربهم المشركين في عبادته: لمن ملك هذه السماوات والأرض وما فيها؟ ثم أخبرهم أن ذلك للملك سبحانه الذي قهر بسلطانه وجبروته كل شيء لا للأوثان والطواغيت، وقد مضى أنه بعباده رؤوف رحيم، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم التوبة والإنابة، وليجمعنكم أيها العادلون بالله، ليوم القيامة لينتقم منكم بكفركم به، فالذين أهلكوا أنفسهم بالشرك فخسروها بغبنهم إياها حَظّها لا يصدقون بالمعاد ولا يستعدون لشر ذلك اليوم. إن الله الذي تشركون به -أيها القوم- ملك كل شيء، له ما استقر في الليل والنهار وهو السميع لما تقولون، العليم بما تُضْمِرون وَتبَيِّتُون. فكيف استنصر غيره واستعينه على النوائب والحوادث وهو مبدع السماوات والأرض، ويَرْزُق ولا يُرْزَق، بل إني أمرت أن أكون أوّل من خضع له بالعبودية والتعظيم، وأن أجتنب أن أكون من المشركين. ثم قل لهم يا محمد: إني أخاف إن عبدت غيره سوء يوم عظيم، لا ينجو من عذابه ومصائبه إلا من رحمه ربه وذلك الفوز المبين.
فقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ - أي وعد بها فضلًا وكرمًا، ولذلك يمهل عباده ويعطيهم فرصة ليتداركوا أنفسهم بالاستغفار والتوبة.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: [إنَّ الله لَمَّا خلق الخلقَ كتب كتابًا عنده فوق العرش، إنَّ رحمتي تَغْلِبُ غضبي] (١).
وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
قال ابن جرير: (وهذه اللام التي في قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، لام قسم).
وقال ابن كثير: (هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعنَّ عباده لميقات يوم مِعلوم، وَهُوَ يَوْمُ القيامة الذي لاريبَ فيه، ولا شكَّ عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يتردّدون).
وقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال القرطبي: (ابتداء وخبر، قاله الزجاج، وهو أجود ما قيل فيه).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٩٤)، (٧٤٠٤)، (٧٣٣٣)، ومسلم (٢٧٣١)، وأحمد (٢/ ٣١٣)، وغيرهم. من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
فالمعنى: الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة هم الذين أنكروا المعاد وجحدوا ذلك اليوم ومضوا في غيّهم وكفرهم.
وقوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ - قال السدي: (يقول: ما استقرّ في الليل والنهار).
قال القاسمي: (والمعنى: له تعالى كل ما حصل في الليل والنهار، مما طلعت عليه الشمس أو غربت. شبه الاستقرار بالزمان، بالاستقرار في المكان، فاستعمل استعماله فيه. أو ﴿سَكَنَ﴾ من السكون، مقابل الحركة. أي ما سكان فيهما وما تحرك، فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر).
وقال أبو مسلم الأصفهانيّ: (ذكر تعالى في الآية الأولى السماوات والأرض، إذ لا مكان سواهما. وفي هذه الآية ذكر الليل والنهار، إذ لا زمان سواهما. فالزمان والمكان ظرفان للمحدثات، فأخبر سبحانه أنه مالك للمكان والمكانيات، ومالك للزمان والزمانيات).
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: يسمع كل ما تكلم به خلقه، ويعلم ما سكن وما تحرك وما تخفي صدور عباده.
وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾.
قال السدي: (أما "الولي"، فالذي يتولَّونه ويُقرون له بالربوبية). وقال ابن جرير: (أشيئًا غير الله تعالى ذكره: ﴿أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾، استنصره واستعينه على النوائب والحوادث).
وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال قتادة: (خالق السماوات والأرض). أي مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما على غير مثال سبق.
وقوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾.
قال السدي: (يَرْزُق ولا يُرزق).
قال القاسمي: (أي المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع. أي: فيجب
[ ٢ / ٥٨٨ ]
اتخاذه وليًّا ليعبد شكرًا على إنعامه، وكفايته الحوائج بلا طلب عوض).
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
أي: أمرت أن أكون أول من استسلم لأمر الله تعالى وخضع له بالعبادة والتعظيم.
وعن الحسن: (أول من أخلص أي من قومي وأمتي).- أي بالعبادة لله وحده لا شريك له.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
أي: إني أخاف إن صرفت العبادة لغير ربي ﷿ أن ينالني السوء والعذاب يوم القيامة.
قال ابن عباس: (﴿أَخَافُ﴾ هنا بمعنى أعلم). وقال القرطبي: (والخوف توقع المكروه).
وقوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾.
قال قتادة: (من يصرف عنه العذاب). ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أي: فقد فاز وظفر ونجا.
وقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.
أي: هو غاية الربح والفوز، وأعظم الجائزة. كما في التنزيل: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾ [آل عمران: ١٨٣].
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله -ﷺ-: [يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يومَ القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مَرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب! ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فَيُصْبَغُ صَبْغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هلا رأيت بؤسًا قط؟ وهل مَرَّ بك شدة قط؟ قيقول: لا والله، يا رب، ما مَرَّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط] (١).
_________________
(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم -حديث رقم- (١٩٨٦)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٤١ - ٧٥١) في تفصيل أحداث الحساب والقصاص والميزان، وكذلك بحث الصراط على جهنم والشفاعة.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
١٧ - ٢١. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾.
في هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه محمد -ﷺ-: يا محمد، إن يصبك الله بشدة أو ضيق فلن يكشف عنك ذلك إلا الله، وإن يصبك بخير أَوْ سَعَةٍ ورغد عيش فهو وحده القدير على تصريف ذلك. فهو الله المستعبد خلقه العالي عليهم، الحكيم في تصريفه شؤون عباده، الخبير بمنافعهم ومضارهم. فقل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك: أي شيء أعظم شهادة وأكبر! ثم أخبرهم أن الله سبحانه أعظم شهادة، فهو شهيد بيني وبينكم، بالمحق منا من المبطل، والرشيد من السفيه، وقد أوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم عقابه، ولأنذر به أيضًا من بلغَهُ من سائر الناس، إنْ لَمْ يقم أمر الله وشرعه، نزولَ نقمة الله به، فيا أيها المشركون: أئنكم تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام، فأنا لا أشارككم هذا الغي، فإنما الله إله واحد، لا شريك له يستحق التعظيم والعبادة، وإنني بريء من كل شريك تدعونه معه أو تصرفون له شيئًا من العبادة والتعظيم. وإن أصحاب التوراة والإنجيل يعرفون أنما هو إله واحد، وأن محمدًا نبيٌّ مرسل، وهؤلاء خسروا أنفسهم وأهلكوها بإنكارهم ذلك وجحودهم ما يجدونه مكتوبًا في كتبهم. فمن أَشَدُّ اعتداء وظلمًا وبغيًا ممن تجرأ على الله بالكذب فزعم له شريكًا أو ولدًا أو صاحبة! إنه لا يفلح الظالمون.
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
كقوله في سورة فاطر: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
أخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة -وقد كتب إلى معاوية-: [أن النبي -ﷺ- كان يقول في دُبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللَّهُمَّ لا مانعَ لما أعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ مِنك الجَدّ] (١). وقال الحسن: جَدٌّ: غِنىً.
والخطاب في الآية من الله سبحانه للنبي -ﷺ-، يثبِّتُه على ما يلقى من قومه، كما قال ابن جرير: (يا محمد، إنْ يصبك الله، ﴿بِضُرٍّ﴾ يقول: بشدة في دنياك، وشظف في عيشك وضيق فيه، فلن يكشف ذلك عنك إلا الله الذي أمرك أن تكون أول من أسلم لأمره ونهيه، وأذعن له من أهل زمانك، دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته من الأوثان والأصنام، ودون كل شيء سواها من خلقه، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ يقول: وإن يُصِبْكَ بخير، أي: برخاء في عيش، وسعة في الرزق، وكثرة في المال، فتقرّ أنه أصابك بذلك ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾
قال ابن كثير: (أي هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقَهَرَ كلَّ شيء ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلالهِ وكبريائه وعظمته وعُلُوِّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حُكْمِه وقَهْرِه. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾، أي في جميع ما يَفْعَلُه، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بمواضع الأشياء ومحالِّها، فلا يعطي إلا لمن يستحق، ولا يمنع إلا من يستحِق).
أخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، بسند على شرط البخاري، عن عائشة ﵂ قالت: [كان إذا تَضَوَّر (٢) من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القَهَّار، ربُّ السماواتِ والأرضِ وما بينهما العزيز الغَفَّار] (٣).
وفي الصحيحين عن ابن عباس: أن نبي الله -ﷺ- كان يدعو عند الكرب: [لا إله إلا الله
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٨٤٤) - كتاب الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة. وأخرجه مسلم (٥٩٣)، وأبو داود (١٥٠٥)، والنسائي (٣/ ٧٠)، وأحمد (٤/ ٢٥٠)، والبيهقي (٢/ ١٨٥).
(٢) أي تلوى وتقلب.
(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٠)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٧٥٣)، وأخرجه ابن نصر في "قيام الليل" ص (٤٣)، وابن حبان (٢٣٥٨). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٢٠٦٦).
[ ٢ / ٥٩١ ]
الحليم الحكيم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش الكريم] (١).
وقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾،
أي من أعظم الأشياء شهادة. قال القرطبي: (ولفظ ﴿شَيْءٍ﴾ هنا واقع موقع اسم الله تعالى، المعنى: الله أكبر شهادة أي انفراده بالربوبية، وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم، فهو شهيد بيني وبينكم على أني قد بلّغتكم وصدقت فيما قلته وادّعيته من الرسالة).
وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.
أي: والقرآن شاهد بنبوتي لأنذركم به يا أهل مكة، وكذلك مَنْ بلغه القرآن في أرجاء هذه المعمورة. قال مقاتل: (من بلغَه القرآن من الجن والإنس فهو نذير به).
وقال القُرَظي: (من بلغه القرآن فكأنما قد رأى محمدًا -ﷺ- وسمع منه).
قلت: ولكن لا بد أن يكون البلاغ مبينًا، كبلاغ الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فإن البلاغ المشوّه ليس ببلاغ مبين، ومن ثمَّ فإن القرآن حجة على الخلق جميعهم، ونبينا محمد -ﷺ- قد بعث إلى العالمين كافة، ولا نبي بعده.
ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال: [والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار] (٢).
وفي صحيح مسلم عنه أيضًا أن رسول الله -ﷺ- قال: [فُضِّلْتَ على الأنبياء بِسِتٍّ: أُعطيت جوامعَ الكَلِم، وَنُصِرْت بالرعب، وأحلت لي المغانم، وَجُعِلَت لي الأرض طهورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخلق كافة، وخُتِمَ بي النَّبِيُّون] (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٦٣٤٥)، (٧٤٢٦)، وصحيح مسلم (٢٧٣٠). ورواه أحمد والترمذي، والطبراني وزاد: (اصرف عني شرّ فلان). انظر صحيح الجامع (٤٨١٦).
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٩٣)، وانظر مختصر صحيح مسلم (٢٠) ص (١٣).
(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٥٢٣) - كتاب المساجد ومواضع الصلاة. باب المساجد ومواضع الصلاة. من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وله شاهد عند الطبراني من حديث السائب بن يزيد بلفظ: [فضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة، وادّخرت شفاعتي لأمتي، وبُصرْتُ بالرعْب شهرًا أمامي، وشهرًا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، وأُحِلّتْ لي الغَنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي] (١).
وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾.
هذا استفهام فيه توبيخ وتقريع. والتقدير: إن تردى قومك إلى هذا السقوط بإشراك مخلوقات من الأوثان والأصنام والطواغيت مع الله في العبادة، فترفع أنت بلا إله إلا الله، وقل: فأنا لا أشهد معكم. كما قال له تعالى في آية الأنعام: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾.
ولكن: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾.
قال قتادة: (يعرفون أن الإسلام دين الله، وأن محمدًا رسول الله، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل). وقال: (النصارى واليهود، يعرفون رسول الله في كتابهم، كما يعرفون أبناءهم).
وقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
أي خسروا أنفسهم كل الخسارة، وأوردوها مواقع الهلاك والعطب، عندما أنكروا نبوة محمد -ﷺ- التي يجدونها مكتوبة عندهم في كتبهم، ظلمًا وبغيًا وعلوًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
أي: من أشدّ اعتداء وبغيًا ممن تقَوَّل على الله، فزعم أنه مرسل من الله ولم يكن كذلك، ثم من أظلم ممن جَحَدَ بآيات الله بعد ظهور حججه وبراهينه ودلالاته الواضحات القاطعات، لا شك أنه لا أظلم ممن سلك سبيل هذا النكران والجحود، ومن ثم فإنه لا يفلح هذا ولا ذاك، فإن الله سبحانه يكشف المنافق ويفضح المكذب: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الطبراني عن السائب، وقريب منه أخرجه البيهقي عن أبي أمامة. انظر صحيح الجامع الصغير- حديث رقم (٤٠٩٧)، (٤٠٩٦)، (٤٠٩٨)، والإرواء (٢٨٣).
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله -ﷺ-: [إن الله يدني المؤمن فيضَعُ عليه كنَفَهُ (١) ويستُرُه فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي ربِّ، حتى قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته. وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾] (٢).
٢٢ - ٢٦. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.
في هذه الآيات: يخبر جل ثناؤه عن هؤلاء المفترين على الله الكذب الجاحدين آياته ونبوة رسوله، أن لا فلاح لكم بهذه البضاعة في الدنيا ولا في الآخرة، فتجارتكم خاسرة، فكيف إذا ناداكم يوم الحشر أين شركاؤكم الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله، ثم لكن يكن جوابهم إلا كذبًا منهم في أيمانهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فانظر يا محمد كيف استخدم هؤلاء الأخلاق الفاسدة التي كانوا يتخلقون بها في الدنيا -من الكذب والفرية- في أرض المحشر. ومنهم يا محمد من يستمع القرآن منك، وما تدعوه إليه من توحيد ربك، وأمره ونهيه، ولكنه لا يفقه ما تقول، ولا يوعيه قلبه، ولا يتدبره عقله، ولا يصغي له سمعه، فالقلوب مقفلة، والاذان غشيها الصمم، فلا يفهمون أي آية، بل يتهمون الحجج الدامغة أنها أساطير الأولين، وهم بذلك ينهون الناس عن اتباع محمد -ﷺ-، ويتباعدون عنه، وما يهلكون بصدهم عن سبيل الله ورسوله إلا أنفسهم وما يشعرون.
_________________
(١) أي: حفظه وستره.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٤٤١)، وأخرجه مسلم (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٢/ ٧٤).
[ ٢ / ٥٩٤ ]
فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
قال ابن عباس: (كل زعم في القرآن فهو كذب). وعلى ذلك فللآية تأويلان:
التأويل الأول: أي لا يفلح الظالمون في الدنيا ولا يوم نحشرهم. فهو متصل مع الآية السابقة.
التأويل الثاني: أي انظر كيف يكذبون يوم نحشرهم. فهو متعلق بما بعده.
وقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾.
قال القرطبي: (سؤال إفضاح لا إفصاح).
وقوله: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
أي: أنهم شركاء وشفعاء، وهذا توبيخ لهم.
قال القاسمي: (فالقصد من السؤال توبيخهم وتقريعهم، وأن يقرر في نفوسهم أن ما كانوا يرجونه مأيوس منه). وفي التنزيل: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
قال ابن عباس: (﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾: قولهم). وقال قتادة: (مقالتهم). وقال غيره: (معذرتهم).
والمقصود: اعتذارهم بالباطل والكذب. وقال أبو إسحاق الزجاج في تأويل ذلك: (تأويل هذه الآية لطيف جدًّا، أخبر الله ﷿ بقصص المشركين وافتتانهم بشركهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك).
وقد أجاد الإمام القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية حيث قال: (الفتنة الاختبار، أي لم يكن جوابهم حين اختبروا بهذا السؤال، ورأوا الحقائق، وارتفعت الدواعي: ﴿إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. تبرؤوا من الشرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين. قال ابن عباس: يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم، ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك، قالوا إن ربنا يغفر الذنوب ولا يغفر الشرك فتعالوا نقول إنا كنا أهل ذنوب ولم نكن مشركين، فقال الله تعالى: أما إذْ كتموا الشرك فاختموا على أفواهِهم، فيختم على أفواههم، فتنطق أيديهم وتشهد
[ ٢ / ٥٩٥ ]
أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك يعرف المشركون أن الله لا يُكتم حديثًا، فذلك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾).
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
قال مجاهد: (﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: بتكذيب الله إياهم).
وقال القاسمي ﵀: (﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بنفي الإشراك عنها أمام علام الغيوب، بحضرة من لا ينحصر من الشهود. ﴿وَضَلَّ﴾ أي: وكيف ضاع وغاب ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: من الشركاء، فلم تغن عنهم شيئًا، ففقدوا ما رجوا من شفاعتها ونصرتها لهم، كقوله تعالى: ﴿قَالوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالوا ضَلُّوا عَنَّا ﴾ [الأعراف: ٣٧]).
قلت: وقد ثبت في السنة الصحيحة تكذيب الجوارح للعبد ونطقها بما يكتم.
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: [كنا عنه عند رسول الله -ﷺ- فَضَحِك فقال: هل تدرون مِمّا أضحك؟ قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: مِنْ مُخاطبة العَبْدِ ربَّهُ، يقول: يا ربِّ! ألم تُجِرْني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أُجِيزُ على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شُهودًا. قال: فَيُخْتَمُ على فيه، فيقال لأركانه: انطِقي، قال: فتَنْطِقُ بأعماله، قال: ثم يُخَلّى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنكُنَّ كنتُ أُناضِلُ] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وكذلك ابن حبان من حديث أبي هريرة قال: [قالوا: يا رسول الله! هل نرى رَبَّنا يوم القيامة؟ قال: هل تُضَارُّون في رُؤية الشمس في الظهيرة، ليستْ في سَحابة؟ قالوا: لا، قال: فهل تُضارُّونَ في رؤية القمر ليلةَ البَدْر، ليس في سحابة؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده! لا تُضَارُّون في رؤية ربكم إلا كما تُضَارُّونَ في رؤية أحدِهما، قال: فَيَلْقى العَبْدَ فيقولُ: أي فُلْ (٢)! ألم
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٩٦٩) - كتاب الزهد، باب: "الدنيا سجن للمؤمن جنة للكافر". من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) أي فل: معناه يا فلان، وهو ترخيم على خلاف القياس. وقيل: هي لغة بمعنى فلان حكاها القاضي.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
أُكْرِمْكَ، وَأسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ والإبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بلى، قال: فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساكَ كما نسيتني، ثم يَلْقَى الثاني فيقول: أَيْ فُلْ! أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجِكَ، وَأُسَخِّرْ لك الخَيْلَ، والإِبِلَ، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول؟ بلى، ياربِّ! فيقول: أَفَظَنَنْتَ أَنك مُلَاقِيَّ؟ قال: فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مِثْلَ ذلك، فيقول: يا رَبِّ! آمنتُ بك وَبِكِتَابكَ وَبِرُسُلِكَ وصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ ما استطاع، فيقول: هاهنا إذن (١). قال: ثم يقال له: الآن نَبْعَثُ شاهِدَنا عليك، ويَتَفَكَّرُ في نفسه: مَنْ ذا الذي يَشهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ على فيه، وَيُقال لفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِه: انْطِقي، فَتَنْطِقُ فَخِذُه وَلَحْمُهُ وعِظامُهُ بعَمَلِه، وذلك لِيُعْذِرَ من نَفْسِه (٢). وذلك المنافِقُ، وذلك الذي يَسخَطُ اللهُ عليه] (٣).
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾.
أي: حجب الله الفهم والوعي عن قلوبهم بغطاء الكفر والضياع، وأصم آذانهم عن السماع النافع.
قال قتادة: (يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئًا، كمثل البهيمة التي تسمع النداء، ولا تدوي ما يُقال لها).
وقال السدي: (أمّا ﴿أَكِنَّةً﴾، فالغطاء أكن قلوبهم، لا يفقهون الحق، ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، قال: صمم). وقال مجاهد: (قول الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، قال: قريش).
وفي التنزيل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
_________________
(١) هاهنا إذن: معناه قف هنا حتى يشهد عليك جوارحك إذ قد صرت منكرًا.
(٢) من الإعذار، والمعنى ليزيل الله عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه، بحيث لا يبقى له عذر يتمسك به.
(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٦٨)، كتاب الزهد، وأخرجه ابن حبان (٤٦٤٢).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قال القاسمي ﵀: (إشارة إلى أنه لا يختص ما ذكر منهم بالقرآن، لرؤيتهم قصورًا فيه، بل مهما يروا من الآيات والحجج مما يدل على صدق الرسول لا يؤمنوا بها، ويحملوها على السحر، لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، فلا فهم عندهم ولا إنصاف. كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾. أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم إذا جاؤوك يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل. ثم فسّر المجادلة بقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: أباطيلهم وأحاديثهم التي لا نظام لها. قال: وَعَدُّ أحسن الحديث وأصدقه، من قبيل الأباطيل "وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" -رتبةٌ من الكفر لا غاية وراءها) انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
أما قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ففيه قولان:
١ - أي ينهون الناس عن اتباع الحق، وتصديق الرسول والانقياد للقرآن، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾: أي ويبتعدون هم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحَيْن، لا ينتفعون ولا يتركون أحدًا ينتفع، ويبتعدون. قال قتادة: (جمعوا النهي والنأي. و"النأَي"، التباعد).
قال ابن عباس: (﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: ينهون الناس عن محمد -ﷺ- أن يؤمنوا به).
وقال أيضًا: (﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾، يقول: لا يلقونه، ولا يدعون أحدًا يأتيه).
وقال سالم عن ابن الحنفية: (يتخلفون عن النبي -ﷺ- ولا يجيبونه، وينهون الناس عنه).
وقال قتادة: (ينهون عن القرآن، وعن النبي -ﷺ- ويتباعدون عنه).
٢ - أي ينهون عن أذى محمد -ﷺ- ويتباعدون عن دينه واتباعه.
فعن ابن عباس: (نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن محمد أن يؤذى، وينأى عما جاء به أن يؤمن به).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
والراجح القول الأول، وهو اختيار شيخ المفسرين الإمام ابن جرير، وتابعه على ذلك الحافظ ابن كثير، وهو أكثر مناسبة لسياق الآيات، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
أي لا يعود وبال هذا الصنيع إلا عليهم، فهم يوردون أنفسهم موارد الهلاك والعطب ويختارون لها مستقبل الخزي والآلام وما يشعرون.
٢٧ - ٣٠. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَال أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالوا بَلَى وَرَبِّنَا قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾.
في هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه -ﷺ- ولو ترى يا محمد هؤلاء الجاحدين المكذبين إذ حبسوا في النار فقالوا يا ليتنا نرد إلى الدنيا فنتوب ونراجع طاعة الله ولا نجحد آياته ولا نكذب رسله ونكون من المؤمنين، وما بهم في حقيقة الأمر الأسى والندم على ما فرطوا وكفروا، بل هو الإشفاق مما هو نازلٌ بهم من عقاب الله وأليم عذابه، على ما اجترحوا من آثام وكانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم، فأبداها الله وكشفها على رؤوس الأشهاد، ففضحهم بها وأخزاهم أمام الخلق ثم جازاهم بها. ولو رددناهم إلى الدنيا لرجعوا في حقيقة الأمر إلى جحود الآيات والنعم والعمل بما يسخط ربهم، لأنهم قالوا ذلك خشية من العذاب لا إيمانًا بالله ولا رغبة في تعظيم أمره وشرعه وهدي رسوله. إنهم كانوا ينكرون الوقوف بين يدي ربهم يوم النشور، بعد الفناء والبعث من القبور، فلو ترى يا محمد هؤلاء المجرمين حين حبسوا على حكم الله وقضائه فيهم فقيل لهم: أليس هذا البعث والنشر بعد الممات الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، حقًّا؟ فقالوا: بلى والله إنه لحق، فقال الله لهم: فذوقوا عذاب الخزي والألم الذي كنتم به تكذبون.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
معنى: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ إذ حُبسوا. قال القرطبي: (أي إذا وُقفوا غدًا، و"إذْ" قد تستعمل
[ ٢ / ٥٩٩ ]
في موضع "إذا" و"إذا" في موضع "إذْ" وما سيكون فكأنه كان، لأن خبر الله تعالى حقّ وصدق، فلهذا عَبَّرَ بالماضي).
وقوله: ﴿عَلَى النَّارِ﴾ - فيه أكثر من تأويل:
١ - أي هم فوقها على الصراط وهي تحتهم. قال النسفي: (﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ أروها حتى يعاينوها أو حبسوا على الصراط فوق النار).
٢ - قيل "على" بمعنى الباء، أي وَقَفوا بقربها وهم يعاينونها. قال الضحاك: (جُمعوا، يعني على أبوابها).
٣ - وقيل "على" بمعنى "في" أي وقفوا في النار. والمقصود أنهم دخلوها.
قال ابن جرير: (﴿عَلَى النَّارِ﴾، يعني: في النار- فوضعت "على" موضع "في" كما قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ [البقرة: ١٠٢]، بمعنى: في ملك سليمان).
قلت: وكل هذه المعاني يحتملها التأويل والإعجاز القرآني، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف ليتسع لكل أنواع التصور من ألوان الشقاء، وليذهب الوهم إلى كل شيء مبالغة في التخويف والتصوير لتلك الساعات العصيبة من حياة المشركين، والتقدير: لو تراهم يا محمد وهم في تلك الحال لرأيت مشهدًا مفزعًا، ومنظرًا عجيبًا هائلًا، وحالًا سيئًا.
وقوله: ﴿فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: يتمنون لو أعطوا فرصة أخرى بأن يردوا إلى الحياة الدنيا فيصدقوا بآيات الله ورسله ولا يجحدوا حججه كما فعلوا أول مرة.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
أما قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ففيه أكثر من تأويل:
التأويل الأول: بدت لهم معاصيهم التي كانوا يخفونها ويسترونها عن أعين الناس ففضحهم بها الله ﵎ على رؤوس الأشهاد.
قال السدي: (﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، يقول: بدت لهم أعمالهم في
[ ٢ / ٦٠٠ ]
الآخرة، التي أخفوها في الدنيا). وقال قتادة: (﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، قال: من أعمالهم).
قال ابن كثير: (أي: بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يُخفون في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا، أو في الآخرة كما قال قبل هذا بيسير: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾).
التأويل الثاني: بل ظهر حينئذ ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صِدْق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يُظهرون لأتباعهم خلافه.
قال القرطبي: (وقيل: المعنى بل ظهر للذين اتبعوا الغُواة ما كان الغُواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة).
وهذا المعنى كما جاء فيِ القرآن من خبر موسى ﵇ حين قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ ..﴾ [الإسراء: ١٠٢]. وقال تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
التأويل الثالث: المراد المنافقون، كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر.
أي: يظهر نفاقهم الذين كانوا يسرونه. قال القاسمي: (ولا ينافي هذا كون السورة مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب بعد الهجرة. لأن الله تعالى ذكر وقوع النفاق في سورة مكية وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾).
التأويل الرابع: بل بدا لهم ما كانوا يخفونه في الدنيا- النار التي وقفوا عليها.
ذكره العلامة أبو السعود، واعتبر أن النار هي التي سيق الكلام لتهويل أمرها، والتعجيب من فظاعة حال الموقوفين عليها، و(بإخفائها) تكذيبهم بها، فإن التكذيب بالشيء كفر به، وإخفاء له لا محالة. ثم قال: (وإيثاره على صريح التكذيب الوارد في قوله ﷿: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤]، مع كونه أنسب بما قبله من قولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ..﴾ [الأنعام: ٢٧] لمراعاة ما في مقابلته من البدو. هذا هو الذي تستدعيه جزالة النظم الكريم).
التأويل الخامس: بل هو في أهل الكتاب، يظهر لهم ما كتموه في كتبهم.
[ ٢ / ٦٠١ ]
قال النسفي: (أو في أهل الكتاب وأنه يظهر لهم ما كانوا يخفونه من صحة نبوة رسول الله -ﷺ-).
قلت: وكل ما سبق يحتمله النظم الشريف وهو من وجوه إعجاز هذا القرآن العظيم، وإن كان التأويلان الأول والثاني من أقواها. وأضيف على ذلك فأقول: بدا لهم ما كانوا يخفونه من معرفة صدق الرسل وصدق التنزيل وحقيقة النار التي وُعد بها الكافرون وقد دعتهم الرياسة والكبر وحب العلو في الأرض وحظوظ النفس والشهوات إلى إخفاء ذلك ومحاربته في أقوامهم لتكون لهم الكلمة في الدنيا والكبرياء، فلما عاينوا ذلك يوم القيامة وأبصروا النار التي ودفوا عليها وشعروا بلهيبها على أجسامهم تَمَنَّوا الرَّجْعَةَ والتصديق لا التكذيب الذي أوردهم هذا المصير الشقي، وهنا بدا لهم ما أخفوه -ليتأكد قوله تعالى بعدها: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: إن الذي دعاهم إلى إخفاء ما أخفوه لم يختلف، فإنه ما بهم حب الله ودينه ورسوله، وإنما بهم ألم جهنم، ومن ثمّ فلو كتب الله لهم العودة إلى الدنيا لتجاوزوا مرة أخرى صدق المرسلين إلى تعظيم أهوائهم وشهواتهم- وإنهم لكاذبون.
فقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
هو من علم الله سبحانه الذي اختص به نفسه ولا يشاركه فيه أحد، فإنه يعلم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون، وما لن يكون- لكن إن قُدِّر أن يكون كيف سوف يكون.
قال قتادة: (﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، يقول: ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء).
قال شيخ المفسرين -الإمام ابن جرير﵀: (لأنهم قالوه حين قالوه خشية العذاب، لا إيمانًا بالله). أي: ما بهم الأسى والندم على ترك الإيمان بالله والتصديق برسله، بل هو إشفاق مما هو نازل بهم من عقاب الله وأليم عذابه.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي: لعادوا إلى الكفر، واشتغلوا بلذة الحال).- ولأنكروا المعاد.
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾.
قال الجلال: (أي: عرضوا عليه). وقال ابن جرير: (﴿إِذْ وُقِفُوا﴾، يوم القيامة،
[ ٢ / ٦٠٢ ]
أي: حبسوا). وقال ابن كثير: (أي: أوقفوا بين يديه). وقال النسفي: (مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده ليعاقبه، أوْ وُقِفُوا على جزاء ربهم). قلت: وكلها معان متقاربة متكاملة في إظهار آفاق المعنى.
وقوله: ﴿قَال أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾.
أي: أليس هذا المعاد -الذي أنكرتم وكذبتم في الدنيا- حقًّا؟
فأجابوه: ﴿قَالوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾.
أي: بلى والله إنه لحق. قال القاسمي: (أكدوا اعترافهم باليمين إظهارًا لكمال يقينهم بحقيّته، وإيذانًا بصدور ذلك عنهم بالرغبة والنشاط، طمعًا في نفعه).
فأجابهم مهينًا لهم قاطعًا كل أمل في نفوسهم بالنجاة أو العودة: ﴿قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
أي: ذوقوا مسَّ العذاب الذي أنكرتم أو أخفيتم مقابل الكبر في الأرض وتعظيم الأهواء والشهوات وكبت المؤمنين ورفع شأن المجرمين الملحدين.
وفي التنزيل: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٥ - ١١١].
وفي التنزيل -كذلك-: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧].
أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة، وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله -ﷺ-: [يُؤتى بالعبد يوم القيامة فيقولُ له: ألمْ أجْعَلْ لك سمعًا وبصرًا ومالًا وولدًا وسخرت لك الأنعامَ والحرثَ، وتَرَكْتُكَ تَرْأَس وتَرْبعُ فكنت تَظُنُّ أنكَ مُلاقيَّ يومَكَ
[ ٢ / ٦٠٣ ]
هذا؟ فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني] (١).
قال أبو عيسى: (ومعى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب).
٣١ - ٣٢. قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾.
في هذه الآيات: إِخْبَارٌ من الله تعالى عن خسارة المكذبين بلقائه، وعن خيبة أملهم وفرط ندمهم إذا عاينوا المشهد يوم القيامة وقد جاؤوا مثقلين بأوزارهم وخطاياهم. وإنما هذه الحياة باغيها في لعب ولهو، وإن الدار الآخرة هي دار القرار للمتقين أفلا تعقلون.
فقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾.
قال ابن جرير: (قد هلك وَوُكِسَ، في بيعهم الإيمان بالكفر). وقال النسفي: (﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ ببلوغ الآخرة وما يتصل بها، أو هو مجرى على ظاهره لأن منكر البعث منكر للرؤية).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾.
قال القرطبي: (سميت القيامة بالساعة لسرعة الحساب فيها).
وقال السدي: (أما ﴿يَاحَسْرَتَنَا﴾، فندامتنا، ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، فضيعنا من عمل الجنة).
وقال القاسمي: (والحسرة: التلهف على الشيء الفائت. وذكرت على وجه النداء للمبالغة. والمراد: تنبيه المخاطبين على ما وقع بهم من الحسرة. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ أي: قصرنا ﴿فِيهَا﴾ أي: في الحياة الدنيا. أضمرت وإن لم يجر ذكرها، للعلم بها. أي: على ما ضيعنا فيها، إذ لم نكتسب من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ما ينجينا. أو
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي في السنن (٢٥٥٨) -كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، وانظر صحيح سنن الترمذي- حديث رقم (١٩٧٨). وأصل معناه في صحيح الإمام مسلم.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
الضمير للساعة، أي: على ما فرطنا في شأنها، ومراعاة حقها، والاستعداد لها، بالإيمان بها، واكتساب الأعمال الصالحة).
وقال ابن جرير: (الضمير يعود إلى الصفقة التي دل عليها قوله. ﴿قَدْ خَسِرَ ..﴾ إلخ، إذ الخسران لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت. قال: والمعنى: قد وُكِسَ الذين كذبوا بلقاء الله، ببيعهم الإيمان الذي يستوجبون به من الله رضوانَه وجنته، بالكفر الذي يستوجبون به منه سَخَطَهُ وعقوبته. ولا يشعرون ما عليهم من الخسران في ذلك، حتى تقوم الساعة. فإذا جاءتهم الساعة بغتة، فرأوا ما لحقهم من الخسران في بيعهم، قالوا حينئذ تندمًا: ﴿يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾).
وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
الأوزار: جمع وزر، وهو الحمل الثقيل، وسمي به الذنب لثقله على صاحبه، والوَزَرُ الجَبَل. وخَصَّ الظهر بالحمل لأن المعهود حمل الأثقال عليه، كما عهد الكسب بالأيدي.
قال القاسمي: (ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يُسْند إليه من تدبير الولاية: والمعنى أنهم لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها).
وقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
أي: ما يحملون من الإثم والتبعات.
قال قتادة: (﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، قال: ساء ما يعملون).
وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ - فيه أكثر من معنى:
١ - قال ابن جرير. (يقول: ما باغي لذاتِ الحياة التي أدْنيت لكم وقربت منكم في داركم هذه، ونعيمها وسرورها، فيها، والمتلذذُ بها، والمنافس عليها إلا في لعب ولهو، لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذُ فيها بملاذّها، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر، كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه، ثم يعقبه منه ندمًا، ويورثه منه تَرَحًا).
٢ - قال القرطبي: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: لِقِصَرِ مدتها).
٣ - قال النسفي: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ واللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع، واللهو الميل عن الجد إلى الهزل. قيل
[ ٢ / ٦٠٥ ]
ما أهل الحياة الدنيا إلا أهل لعب ولهو. وقيل: ما أعمال الحياة الدنيا إلا لعب ولهو لأنها لا تعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة).
٤ - وقيل: معنى ﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ باطل وغرور. وقيل: (المعنى متاعُ الحياة الدنيا لعب ولهوٌ، أي: الذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له، فهو بمنزلة اللعب واللهو) ذكره القرطبي.
٣ - وقال ابن كثير: (﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: إنما غالبها كذلك).
قلت: والراجح من المعنى لهذه الآية أنها متصلة بالآية قبلها، لتدحض قول الكافرين: ﴿وَقَالوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ - فجاء توضيح حقيقة هذه الحياة الدنيا، أنها للكفار دار لهو ولعب، وللمؤمنين دار استثمار وعمل، فيفوز العاملون المؤمنون في الآخرة، ويشقى الكفار اللاهون اللاعبون.
أخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم بسند صحيح من حديث سهل بن سعد، عن النبي -ﷺ- قال: [لو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جناحَ بعوضة ما سقى كافِرًا منها شَرْبَةَ ماء] (١).
وأخرج ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده، بسند صحيح عن ابن عباس: [أن رسول الله -ﷺ- دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشًا أوثر من هذا؟ فقال: ما لي وللدنيا؟ ! ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار، ثم راح وتركها] (٢).
وله شاهد عند الترمذي وابن ماجة عن عبد الله مرفوعًا: [ما لي وللدنيا؟ ! ما أنا والدنيا؟ ! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها] (٣).
وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن خولة بنت قيس امرأة حمزة بن عبد المطلب، أن رسول الله -ﷺ- دخل على حمزة فتذاكرا الدنيا، فقال رسول الله -ﷺ-: [إن الدنيا خَضِرَةٌ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجة (٤١١٠)، والحاكم (٤/ ٣٠٦)، وله شواهد.
(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٢٣٢٦)، وأحمد (١/ ٣٠١)، والحاكم (١/ ٣٠١)، وبنحوه البيهقي. من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
(٣) حديث صحيح. أخرجه انترمذي (٢/ ٦٠)، والحاكم (٤/ ٣١٠)، وابن ماجة (٢/ ٥٢٦)، وأحمد (١/ ٣٩١) بإسناد صحيح من حديث عبد الله مرفوعًا.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
حلوةٌ، فمن أخذها بحقها بُوركَ له فيها، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مال الله ومال رسوله ليس له إلا النارَ يوم يلقى الله] (١).
وقوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وكقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].
قال ابن جرير: (﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، يقول: أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بالبعث حقيقة ما نخبرهم به، من أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وهم يرون من يُخْتَرم منهم، ومن يهلك فيموت، ومن تنوبه فيها النوائب وتصيبُه المصائب وتفجعه الفجائع. ففي ذلك لمن عقل مدَّكر ومزدجر عن الركون إليها، واستعباد النفس لها، ودليلٌ واضح على أن لها مدبِّرًا ومصرفًا يلزم الخلقَ إخلاصُ العبادة له، بغير إشراك شيء سواه معه).
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله -ﷺ-: [ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينَه وبينه ترجمان، ولا حجابٌ يَحْجُبُهُ، فينظرُ أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشقِّ تمرة] (٢).
٣٣ - ٣٦. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا
_________________
(١) حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي (٣/ ٢٧٧)، وأحمد (٦/ ٣٦٤) (٦/ ٣٧٨) من طريقين.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (١٤١٣) -كتاب الزكاة، وكذلك (٧٤٤٣)، كتاب التوحيد، ورواه مسلم في الصحيح (١٠١٦) ح (٦٧) - كتاب الزكاة.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾.
في هذه الآيات: تَسْلِيَةُ الله سبحانه نَبِيّهُ -ﷺ- مما يلقى هن تكذيب قومه، فإنهم يا محمد لا يكذبونك فيما آتيتهم به من الوحي، بل يعلمون صحته، وإنما يجحدون حقيقته قولًا فلا يؤمنون به. فاصبر على ذلك العناد، فقد كذبت رسل من قبلك أرسلتهم إلى أممهم، فنالوهم بمكروه، فصبروا حتى حكم الله بينه وبينهم وأنزل نصره، فتأس بإخوتك الرسل ممن مضى قبلك. وإن كان عظم عليك إعراضهم فشق عليك ولم تصبر لمكروه ما ينالك منهم فإن استطعت أن تتخذ سربًا في الأرض أو درجًا في السماء فتأتيهم بعلامة وبرهان على صحة قولك أفضل مما أتيناهم فافعل، فإن الله تعالى لو شاء لجمعهم على محجة الحق ملة واحدة فتنبه، فإنما يستجيب لدعائك من فتح الله عليه، ونوّر قلبه بالحياة، وسمعه بالحق، وأما الأموات المبطلون فلا سبيل إليهم فقد طبع الله على قلوبهم وأصم آذانهم لكبرهم وتعاليهم على الحق، ثم يبعثهم يوم القيامة للحساب والجزاء ونكال العقاب.
فقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
قال قتادة: (يعلمون أنك رسول الله ويجحدون). وقال سعيد بن جبير: (ليس يكذبون محمدًا، ولكنهم بآيات الله يجحدون).
وفي التنزيل: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].
وكذلك قوله جل ذكره: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦].
وقوله جلت عظمته: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٣].
يروي ابن جرير من طريق السدي قال: (التقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرُك يسمع كلامنا. فقال أبو جهل: ويحكَ؟ والله إن محمدًا لصادق، وما كَذَب محمدٌ قَطٌّ، ولكن إذا ذَهَبت بنو قُصَيّ باللواء والسقاية والحِجابة والنُّبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟).
وأخرج البيهقي في "الدلائل" نحوه من طريق محمد بن إسحاق: (قال الأخنس بن
[ ٢ / ٦٠٨ ]
شريق لأبي جهل: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سَمِعت من محمد؟ -وكان يستمع كل منهما قراءة النبي -ﷺ- من الليل- قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشَّرف: أَطْعَموا فَأَطعَمْنا، وحمَلُوا فحَملنا، وأعطَوا فأعْطَيْنا، حتى إذا تجاثَينا على الركب، وكنا كفرسي رِهَان، قالوا: منا نبيٌّ يأتيه الوحيُ من السماء! فمتى نُدْرِكُ هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه) (١).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾.
قال قتادة: (يُعَزّي نبيه -ﷺ- كما تسمعون، ويخبره أن الرسل قد كُذِّبَتْ قبله، فصبروا على ما كذبوا، حتى حكم الله وهو خير الحاكمين).
قال القرطبي: (﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ أي: فاصبر كما صبروا. ﴿وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ أي: عوننا، أي: فسيأتيك ما وُعِدْتَ به).
وقوله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: ولا مُغَيِّرَ لكلمات الله، و﴿كَلِمَاتِهِ﴾ تعالى ذكره: ما أنزل الله إلى نبيه محمد -ﷺ-، من وعده إياه النصر على من خالفه وضادّه، والظفَر على من تولّى عنه وأدبر).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
قال القاسمي: (أي: من خبرهم في مصابرة الكافرين، وما منحوه من النصر، فلا بد أن نزيل حزنك بإهلاكهم، وليس إمهالهم لإهمالهم، بل لجريان سنته تعالى بتحقيق صبر الرسل وشكرهم).
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾.
أي: إن شق عليك وثقل نأيهم عن الإيمان بما نزل عليك من القرآن، ونهيهم الناس عنه، فإنه وجدت منفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض لتستخرج لهم معجزة خارقة مما اقترحوه، أو تصعد مصعدًا في السماء لتأتيهم بذلك فافعل.
قال ابن عباس: (قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، و"النفق" السَّرب، فتذهب فيه، ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، أو تجعل
_________________
(١) مرسل. أخرجه البيهقي في "الدلائل" (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧) من طريق ابن إسحاق به.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
لك سلمًا في السماء، فتصعد عليه، فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به، فافعل).
قال قتادة: (﴿نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾: سَرَبًا، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾، قال: السلم الدَّرَج).
قال الزجاج: (وهو مشتق من السلامة كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد).
قال النسفي: (فافعل- وهو جواب ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، وإن استطعت وجوابها جواب ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾. والمعنى إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم).
وقال القاسمي: (وَحَسُنَ حذف الجواب لعلم السامع به. أي: لكن لم يجعل الله لك هذه الاستطاعة، إذ يصير الإيمان ضروريًا غير نافع).
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾.
قال ابن عباس: (إن رسول الله -ﷺ- كان يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبر الله أنه لا يؤمن إلا من قد سَبَقَ له من الله السعادة في الذكر الأول).
وهناك أقوال للمفسرين تكمل المعنى وتزيده وضوحًا وبيانًا:
١ - قال القرطبي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أي: لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه، بَيَّن تعالى أن كفرهم بمشيئة الله ردًّا على القدرية. وقيل المعنى: أي لأراهم آية تَضْطَرّهم إلى الإيمان، ولكنه أراد ﷿ أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن).
٢ - قال النسفي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾: لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك).
٣ - قال القاسمي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ أي: ولكنه شَاء بمقتضى جلاله وجماله، إظهار غاية قهره، وغاية لطفه).
٤ - وأكّد شيخ المفسرين هذه المعاني حيث قال: (يقول تعالى ذكره: إن الذين يكذبونك من هؤلاء الكفار، يا محمد، فيحزنك تكذيبهم إياك، لو أشاء أن أجمعهم على استقامة من الدين، وصواب من محجة الإسلام، حتى تكون كلمة جميعكم واحدة، وملتكم وملتهم واحدة، لجمعتهم على ذلك، ولم يكن بعيدًا عليَّ، لأني
[ ٢ / ٦١٠ ]
القادر على ذلك بلطفي، ولكني لم أفعل ذلك لسابق علمي في خلقي، ونافذ قضائي فيهم من قبل أن أخلقهم وأصوِّر أجسامهم).
قلت: وهذه الآية العظيمة تندرج ضمن مفهوم المشيئة الإذنية، فإن المشيئة كما وردت في الكتاب والسنة ثلاثة أقسام: كونية وشرعية ومشتركة.
أولًا: المشيئة الكونية. وهي نوعان:
١ - المشيئة الإجبارية.
٢ - المشيئة الإذنية.
ثانيًا: المشيئة الشرعية.-أمر الله ونهيه-.
ثالثًا: المشيئة المشتركة.-اشتراك المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية-.
وقد فصلت ذلك ببيان مُدَلّل في كتابي: أصل الدين والإيمان -عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان- في أبحاث القدر- الباب السادس: مفهوم المشيئة والاستطاعة. فلله الحمد والمنة.
وأما الآية الكريمة موضوع التفسير هنا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ - فهي تدل على مفهوم المشيئة الإذنية: وهي المشيئة المرتبطة بعلم الله وعدله وحكمته، إذ علم سبحانه الأعمال وكتبها فلا أحد اختار الإيمان رغم مشيئة الله، ولا أحد اختار الكفر رغم مشيئة الله، بل الكل داخل في اختياره تحت مشيئته تعالى، فلا أحد يخرج بإرادته ومشيئته عن إرادة الله ومشيئته ﷿.
قال سبحانه في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقال جل ذكره في سورة النساء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (٦٤)﴾. وقال جل ثناؤه في سورة النحل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. وقال جلت عظمته في سورة يونس: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
[ ٢ / ٦١١ ]
فهو سبحانه لا يسأل عما يفعل لتمام علمه وكمال حكمته وعدله.
أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن، عن عبد الله بن عمر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (١).
وفي لفظ عند البيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال النبي - ﷺ - لأبي بكر: [يا أبا بكر، لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس].
وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
فيه أكثر من تأويل:
١ - قال ابن جرير: (يقول: فلا تكونَنَّ ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى جميع خلقه بلطفه، وأن من يكفر له من خلقه إنما يكفر به لسابق علم الله فيه ونافذ قضائه بأنه كائن من الكافرين، به اختيارًا لا اضطرارًا)،
٢ - قال القرطبي: (﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من الذين اشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد، وإلى ما لا يحِل. أي: لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين).
٣ - وقال النسفي: (﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من الذين يجهلون ذلك. وهو أن لو شاء سبحانه: لجعلهم بحيث يختارون الهدى، ولكن لما علم أنهم يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك - كذا قاله الشيخ أبو منصور ﵀).
٤ - وقال القاسمي: (﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: بما تقتضيه شؤونه تعالى، التي من جملتها ما ذكر من عدم تعلق مشيئته تعالى بإيمانهم. إما اختيارًا، فلعدم توجههم إليه. وإما اضطرارًا، فلخروجه عن الحكمة التشريعية المؤسسة على الاختيار).
٥ - وقيل: الخطاب للنبي - ﷺ - والمراد به الأمة، فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذابتهم.
قلت: والآية درس في إفهام أحد أركان الإيمان بالقدر، فإن هذا الركن العظيم يرتكز على أركان ثلاثة: هي صفات لله سبحانه:
١ - العلم. ٢ - الحكمة. ٣ - العدل.
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٩٢)، والبيهقي في "الأسماء" (١٥٧).
[ ٢ / ٦١٢ ]
فقد قضى سبحانه بعلمه وحكمته أن لا يجبر الناس على الإيمان، بل بسط لهم صفحات هذا الكون الفسيح يقرؤون فيها دلالات إفراده تعالى بالتكبير والتعظيم، ثم بسط لهم صفحات التنزيل الكريم، يقرؤون فيها عن أسمائه و. صفاته الحسنى، وآياته ونعمه العظمى، وخبر الأمم التي أهلكها الله بالكفر والكبر والعناد، وخبر المرسلين وأتباعهم المؤمنين، وما أعدّ الله لهم من النعيم المقيم، وما هيأ لأعدائه من العذاب المقيم. فالكتابة في اللوح المحفوظ عن كلٍّ من اختيار الفريقين مصيرَهم هي كتابة علم لا كتابة جبر أو قهر. وبذلك يفهم حديث الكتابين اللذين أخرجهما رسول الله - ﷺ - يومًا أمام أصحابه:
فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا: لا، إلا أن تُخْبِرنا يا رسول الله. فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أُجْمِلَ على آخرهم، فلا يُزادُ فيهم ولا ينْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقَصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: فلأي شيء إذن نعمَلُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرِغ منه؟ قال رسول الله - ﷺ -: سدِّدُوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم ﷿ من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.
قال مجاهد: (﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، المؤمنون، للذكر، ﴿وَالْمَوْتَى﴾، الكفار، حين يبعثهم الله مع الموتى).
وقال قتادة: (هذا مثل المؤمن، سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله. والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم، وهذا مثل الكافر أصم أبكم، لا يبصر هدى ولا ينتفع به).
_________________
(١) حديث صحيح. انظر مسند أحمد (٤/ ١٨٦)، وصحيح ابن حبان (١٨٠٦)، ومستدرك الحاكم (١/ ٣١)، ومسند أبي يعلى (٢/ ١٧١)، وصحيح الجامع الصغير - حديث (٨٨).
[ ٢ / ٦١٣ ]
فالكفار موتى القلوب، فكان ذلك تشبيهًا من الله لهم بأموات الأجساد.
وفي التنزيل: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠].
وقال في هذه الآية: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. قال ابن كثير: (وهذا من باب التهكم بهم، والإزراء عليهم).
٣٧ - ٣٩. قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾.
في هذه الآيات: يخبر تعالى عن قيل هؤلاء المعرضين الجاحدين نبوة محمد - ﷺ -: هلا نزل على محمد آية من ربه؟ قل يا محمد لهؤلاء - قائلي ذلك - إن الله قادر أن ينزل حجة على ما يسألون، ولكن أكثر الذين يسألون ذلك لا يدرون تبعات ذلك عليهم، أو وجه ترك إنزال ذلك. ثم أعلمهم أن الله محيط بأعمالهم وأقوالهم ومواقفهم، فلا يغفل سبحانه عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغير أو كبير، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل كُلُّ هؤلاء أُمَمٌ مُصَنَّفَة، قد أحصى أحوالهم سبحانه، وأثبت ذلك في أم الكتاب، وجميعهم آتيه إلى أرض المحشر يوم القيامة. ولكن مثل الكافر كالأصم الأبكم، لا يبصر هدى، ولا ينتفع به، صم عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، والله سبحانه يضل من يشاء من عباده عدلًا، ويهدي من يشاء إلى صراطه القويم فضلًا.
فقوله: ﴿وَقَالوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.
قال الحسن: (﴿لَوْلَا﴾ ها هنا بمعنى هلَّا). قال القرطبي: (وكان هذا منهم تعنتًا بعد ظهور البراهين، وإقامة الحجة بالقرآن الذي عجزوا أن يأتوا بسورة مثله، لما فيه من الوصف وعلم الغيوب).
[ ٢ / ٦١٤ ]
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾.
أي: قل لهم يا محمد إن الله قادر على إنزال الخوارق والمعجزات والآيات، بنحو ما تعنتوا كقولهم: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ - فيه تفاسير متكاملة:
١ - لا يعلمون أن الله ﷿ إنما ينزل من الآيات ما فيه مصلحة لعباده، فهو العليم بمصالحهم.
٢ - لا يعلمون ما يترتب عليهم في نزول ذلك من البلاء، أو ما يعقب ذلك من العقوبة لو كفروا بعد معاينة تلك الآيات.
٣ - لا يعلمون ما كتب الله من إخراج عباد صالحين من أصلابهم يؤمنون بالله ورسوله، فلم يرد سبحانه من أجل ذلك استئصالهم.
٤ - لا يعلمون ما وجه ترك إنزال ذلك عليك من حكمة الله التي لا يحيط بها أحد.
٥ - لا يعلمون أن ذلك الاقتراح منهم دليل على جهلهم.
وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾.
فيه أقوال متقاربة:
١ - قال مجاهد: (أصناف مصنفة تُعرف بأسمائها).
٢ - قال قتادة: (يقول: الطير أمة، والإنس أمة، والجن أمة).
٣ - وقال السدي: (﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾، يقول: إلا خلق أمثالكم).
٤ - وقال ابن جريج فيها: (الذرّة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من الدواب).
قال ابن جرير: (وكيف يغفل عن أعمالكم، أو يترك مجازاتكم عليها، وهو غير غافل عن عمل شيء دبَّ على الأرض صغير أو كبير، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء، بل جعل ذلك كله أجناسًا مُجَنَّسَة وأصنافًا مصنفة، تعرف كما تعرفون، وتتصرف فيما سخرت له كما تتصرفون، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها، ومُثْبَت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب).
[ ٢ / ٦١٥ ]
وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
يعني كتابة جميع دقائق تلك الأمم والعوالم في اللوح المحفوظ.
قال ابن عباس: (ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أم الكتاب).
وقال ابن زيد: (لم نغفل الكتاب، ما من شيء إلا وهو في الكتاب).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
فيه قولان:
١ - قال ابن عباس: (موت البهائم حشرها). قال: (حشرها الموت).
٢ - قال أبو هريرة: (يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدوابَّ والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجَمَّاء من القَرْناء، ثم يقول: "كوني ترابًا"، فلذلك يقول الكافر: ﴿يَاليْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾) - ذكره بسنده ابن جرير.
والراجح القول الثاني، وهو أن الحشر هنا يُعنى به الجمع لبعث الساعة وقيام القيامة.
أخرج عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، عن عثمانَ ﵁أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الجماء لتقتصّ من القرناء يوم القيامة] (١).
ويشهد له ما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لَتُؤدُّنَ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القَرْناء] (٢).
وكذلك يشهد له ما أخرجه الطيالسي في "مسنده" عن الأعمش قال: سمعت منذرًا الثوري يحدث عن أصحابه عن أبي ذر قال: [رأى رسول الله - ﷺ - شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر! أتدري فيما تنتطحان؟ قلت: لا، قال: ولكن ربك يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة] (٣).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾.
قال قتادة: (هذا مثل الكافر، أصم أبكم، لا يبصر هدى، ولا ينتفع به، صَمَّ عن الحق في الظلمات، لا يستطيع منها خروجًا، متسكّعٌ فيها).
_________________
(١) صحيح بشواهده. أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (١/ ٧٢)، والبزار (٣٤٤٩).
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٥٨٢) - كتاب البر والصلة - باب تحريم الظلم.
(٣) حديث حسن. أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٤٨٠)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٦٢). وله شواهد.
[ ٢ / ٦١٦ ]
وفي التنزيل: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧ - ١٨].
فالأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا يتكلم، وبذلك شبّه الله المكذبين بحججه وآياته في جهلهم وقلة علمهم وسوء فهمهم. قال القرطبي: (أي: عَدِموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم، فكل أمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون).
وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
أي: هو سبحانه المتصرف في خلقه كما يشاء، فيهدي من يشاء منهم فضلًا، ويضل من يشاء منهم عدلًا، فهو وحده ﵎ الذي اطلع على قلوب عباده.
قال القاسمي: (فمن أحب هدايته، وَفَّقَهُ بفضله وإحسانه للإيمان، ومن شاء ضلالته تركه على كفره. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]).
قلت: ومفهوم ذلك أن الله سبحانه يعاقب العبد على حبه الضلال بقسوة القلب، ويجازي المؤمن على إيثاره طاعة ربه بالهداية والثبات.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [تُعْرَضُ الفتنُ على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).
والصراط المستقيم هو طريق الحق الذي مشى عليه الرسل والصالحون وثبتهم الله عليه، حتى أكرمهم يوم القيامة بتجاوز الصراط إلى دار النعيم المقيم، جعلنا الله والمؤمنين الصادقين من أهل صراطه المستقيم.
٤٠ - ٤٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (١/ ٨٩ - ٩٠)، وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠) - كتاب الفتن - من حديث حذيفة ﵁.
[ ٢ / ٦١٧ ]
وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾.
في هذه الآيات: قل يا محمد لهؤلاء المعاندين من قومك: أخبروني إن جاءكم عذاب الله كالذي نزل على أمم قبلكم فهلكوا - كالرجفة والصيحة والصاعقة والغرق - أو جاءتكم الساعة التي تخرجون فيها من قبوركم لمشهد الحساب يوم القيامة، أغير الله هناك تدعون لكشف ما نزل بكم! ! هل تدعون شركاءكم وآلهتكم المكذوبة!؟ بل إنكم هنالك تفزعون إلى الله وحده ليكشف عنكم ما أغمكم من الشدائد والأهوال دون كل شيء غيره، وتنسون حينئذ ما تشركونه في العبادة. لقد أرسلنا إلى جماعات قبلكم من الأمم فأمرناهم ونهيناهم وامتحناهم بالفقر والضيق والأسقام لعلهم يخلصون العبادة لله ويفردونه بالتعظيم، وإذ لم يتضرعوا بل أقاموا على تكذيبهم واستكبارهم قساوة قلب منهم، واستهتارًا بعقاب الله، وقد حَسَّنَ الشيطان لهم أعمالهم التي يسخطها الله منهم، فلما أصروا على غيّهم استدرجناهم بعاجل لذات الدنيا حتى إذا فرحوا بسعة العيش والصحة وسكروا فاجأناهم بعقوبة مؤلمة وأخذناهم فأصبحوا هالكين. فاستؤصل القوم الذين عتوا على ربهم والحمد لله رب العالمين.
فقوله: (﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾. أي: أخبروني. وقوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾. أي: بمثل ما نزل بالأمم الماضية الكافرة التي عتت عن أمر ربها ورسله. ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ يعني القيامة.
وقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي: أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضًا، فلم تصرّون على الشرك في حال الرفاهية؟ ! وكانوا يعبدون الأصنام ويدعون الله في صرف العذاب).
وقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. أي: تخصون بالدعوة. ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾.
قال القاسمي: (أي: إن شاء كشفه. والتقييد بالمشيئة لبيان أن إجابتهم غير
[ ٢ / ٦١٨ ]
مطردة، بل هي تابعة لمشيئته تعالى، المبنية على حِكَم استأثر بعلمها).
وقوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.
أي: وقت الحاجة والضرورة وحلول المهالك. وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾.
يعني: الفقر وضيق العيش والقحط والشدائد. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ يعني الأمراض والأسقام والآلام. وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾. أي: يتذللون لله ويدعونه ويتضرعون إليه ويخشعون.
وقوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾.
قال ابن كثير: (أي: فهلَّا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتَمَسْكَنُوا لدينا).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
قال القرطبي: (أي: صَلُبَت وغَلُظَت، وهي عبارة عن الكبر والإصرار على المعصية، نسأل الله العافية). وقال القاسمي: (وجيء بـ "لولا" ليفيد أنه لم لكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم، كما قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فلم يكن فيها لين يوجب التضرع، ولم ينزجروا وإنما ابتلوا به).
وقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
أي: من الكبر والشرك والعجب والغرور.
قال النسفي: (وصاروا معجبين بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم).
أخرج ابن عدي والبيهقي بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب] (١).
وفي لفظ البيهقي: [لو لم تكونوا تذنبون، لخِفْتُ عليكم ما هو أكبَرُ من ذلك، العُجْبَ العُجْبَ].
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه ابن عدي (١/ ١٦٤)، والعقيلي (١٧١)، والبيهقي، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (٦٥٨).
[ ٢ / ٦١٩ ]
وقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
أي: لما تمادوا بالغي والغرور والعجب والاستكبار فتحنا عليهم أبواب الملذات والرزق من كل ما يختارون استدراجًا لهم وعلامة على اقتراب النهاية.
قال ابن عباس: (﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، يعني: تركوا ما ذكروا به). وقال ابن جريج: (ما دعاهم الله إليه ورسله، أبوْه وردّوه عليهم).
وعن مجاهد: (﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: رخاء الدنيا ويُسْرها، على القرون الأولى). وقال قتادة: (يعني الرخاء وسعة الرزق).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.
قال السدي: (أخذهم العذاب بغتة، فإذا هم مهلكون، متغيِّر حالهم).
وقال مجاهد: (﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، قال: الاكتئاب).
وقال ابن زيد: (المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه. والمبلس أشد من المُسْتكين، وقرأ: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦]، وكان أول مرة فيه معاتبة وبقية. وقرأ قول الله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾، حتى بلغ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ثم جاء أمرٌ ليس فيه بقية. وقرأ: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾، فجاء أمر ليس فيه بقية. وكان الأول، لو أنهم تضرعوا كُشف عنهم).
قلت: والإبلاس في كلام العرب الانكسار والحزن. يقال: أبلس فلان إذا سكت غمًّا. قال الرازي: ("أبلس" من رحمة الله أي: يئس. ومنه سمي "إبليس").
أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن جرير في التفسير، بسند قوي، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: [إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾] (١).
وقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
قال السدي: (قطع أصل الذين ظلموا). وقال ابن زيد: (استؤصلوا).
_________________
(١) صحيح لشواهده. أخرجه أحمد (٤/ ١٤٥)، وابن جرير (٧/ ١١٥)، والبيهقي في "الشعب" (٤٥٤٠).
[ ٢ / ٦٢٠ ]
قال النسفي: (أي: أهلكوا عن آخرهم ولم يترك منهم أحد. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾: إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة، وأنه من أجل النعم وأجزل القسم، أو احمدوا الله على إهلاك من لم يحمد الله).
وفي كلام العرب: الدابر الآخر. دبر فلان القوم إذا كان آخرهم في المجيء.
قال القرطبي: (ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور).
يروي ابن أبي حاتم عن قتادة قال: (بغتَ القومَ أمرُ الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون).
فالحمد لله الذي أظهر حججه، ونصر رسله، وأهلك أعداءه، تمكينًا لدينه في الأرض، وتكرمة لأوليائه وأهل طاعته أتباع رسله، فله الحمد في الأولى والآخرة، وفي كل حال.
٤٦ - ٤٩. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله العادلين به الأوثان والطواغيت، المكذبين بنبوتك ماذا لو أصمّكم الله فذهب بأسماعكم، وأَعْماكُم فذهب بأبصاركم، وطبع على قلوبكم فعميت الفقه والحجة وعدمت الفهم! فأي إله غير الله - جلت عظمته - يرد عليكم ما ذهب عنكم، انظر يا محمد كيف نتابع عليهم الأمثال والحجج ليعتبروا ثم هم يعدلون ويعرضون. قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، المكذبين بنبوتك ماذا لو فاجأكم الله بعذاب من عنده، هل يحيق الهلاك إلا بالظالمين الآثمين. إنّما نرسل رسلنا بشارة لأهل الطاعة، نذارة لأهل المعصية فمن آمن وعمل صالحًا فلا خوف عليهم عند قدومهم على ربهم، ولا هم
[ ٢ / ٦٢١ ]
يحزنون على ما خلفوا وراءهم في هذه الدنيا. وأما الذين كذبوا بالآيات والحجج وعاندوا فأولئك يباشرهم العذاب بما كانوا يكسبون.
فقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾.
أي: بأن أَصَمَّكُم وأَعْمَاكُم وغطى على قلوبكم ما يزول به عقلكم وفهمكم.
وقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾.
أي: بما أخذ منكم وحرمكم من الاستمتاع بهذه النعم العظيمة. قال القاسمي: (وإنما خصت هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر، لأنها أشرف أعضاء الإنسان، فإذا تعطلت اختل نظام الإنسان، وفسد أمره، وبطلت مصالحه في الدين والدنيا).
وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.
أي: انظر يا محمد كيف نورد هذه الدلالات والأمثال ثم يُصِرُّ هؤلاء المشركون على الجحود والعناد والإعراض بغيًا وحسدًا وكبرًا. قال ابن عباس: (﴿يَصْدِفُونَ﴾: يعدلون).
وقال مجاهد: (﴿يَصْدِفُونَ﴾: يعرضون). وقال السدي: (يصدّون).
وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾.
أي: أخبروني إن فاجأكم الله بعذابه على غرة أو معاينة تنظرون إليه.
قال مجاهد: (﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾، فجأة آمنين، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾، وهم ينظرون).
وقوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: هل يهلك الله منا ومنكم إلا من كان يعبد غير من يستحق علينا العبادة، ويترك عبادة من يستحق علينا العبادة).
وقال القرطبي: (والظلم هنا بمعنى الشرك، كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾).
وقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.
قال الحسن: (مبشرين بِسعة الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة. قال: ومعنى ﴿مُنْذِرِينَ﴾ مخوفين عقاب الله).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
وقوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: فمن آمن قلبُه بما جاؤوا به وأصلح عمله باتباعه إياهم ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: بالنسبة إلى ما يستقبلونه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها، الله وليهم فيما خَلَّفُوه، وحافظهم فيما تَرَكوه).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
أي: إن الذين كذبوا بالقرآن والمعجزات ونبوة محمد - ﷺ - سَيُبَاشِرُهُم العذاب بما كانوا يكفرون ويجحدون. قال ابن زيد: (كل ﴿فِسْقٌ﴾ في القرآن، فمعناه الكذب).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: [والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أَحَدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصرانيٌّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار] (١).
٥٠ - ٥٤. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾
في هذه الآيات: خِطَابٌ من الله سبحانه لنبيّه - ﷺ -: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٥٣) - كتاب الإيمان. باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد - ﷺ - إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
نبوتك - لست أملك خزائنِ الرب ﷿، خزائن السماوات والأرض، ولست أعلم ما يغيب ولا أدعي أني مَلك، وإنما أنا عبد رسول أتبع ما يوحى إليّ من ربي ﷿، فهل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به أفلا تتفهمون هذه الحجج! ! وأنذر بهذا القرآن يا محمد الذين يخافون ربهم، والموقف في الحشر وأهوال ذلك اليوم، حيث لا ناصر ولا شفيع يشفع عند الله من عقابه الذي قضاه لأهل الكفر والجحود، لعلهم يرهبون ويحذرون ما يسخطه ويعملون ما يحبه - جلت عظمته. ثم لا تطرد المؤمنين المستضعفين من مجلسك من أجل الطغاة المجرمين، فإن جلوس المؤمنين أحب إلى الله من جلوس أولئك الذين يستكبرون أن يقعدوا جنب المؤمنين، فحذار أن تطردهم فتكون من الظالمين. فإنما فتَنَّا هؤلاء بهؤلاء بقسمة الأرزاق والأخلاق والقوة والضعف ليقول المجرمون المخدوعون بالقوة والمال أهؤلاء الفقراء الضعفة مَن الله عليهم بالهدى ونحن أحق! فأجابهم الله تعالى: أليس الله بأعلم بالشاكرين. وإذا جاءك المؤمنون يا محمد وقد انكسرت قلوبهم بذنوب زلّت نفوسهم وجوارحهم بها فبشرهم بسعة مغفرة الله ورحمته لمن تاب وآمن وعمل صالحًا وأنه سبحانه غفور رحيم.
فقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾.
أي: فيكون أمر التصرف بها إليّ، وأجيبكم ما خَطَرَ لكم.
قال القاسمي: (لا أدعي أن خزائن رزق الله مفوضة إليّ، فأعطيكم منها ما تريدون من قلب الجبال ذهبًا، وغير ذلك). وقال القرطبي: (هذا جواب لقولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ فالمعنى: ليس عندي خزائن قدرته فأنزل ما اقترحتموه من الآيات، ولا أعلم الغيب فأخبركم به).
والخزائن جمع خزانة. وهي المكان الذي يخزن فيه الشيء. قال الرازي: (خزن المال جعله في الخزانة). وَخَزْنُ المال أو الشيء إحرازه، بحيث لا تناله الأيدي.
أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يَحْلُبَنَّ أحَدٌ ماشِيةَ امرئٍ بغير إذنه، أَيُحِبُّ أحدُكُم أن تؤْتَى مَشْرَبَتُهُ فتكْسَرَ خِزَانتهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُه؟ فإنما تَخْزُن لهم ضروعُ مواشيهم أَطْعماتِهم، فلا يَحْلُبَنَّ أحد ماشيةَ أحدٍ إلا بإذنه] (١).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٢٤٣٣) - كتاب في اللقطة - باب: لا تُحْتَلَبُ ماشية أحد بغير إذنه. من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾.
أي: لا أدعي أني ملك من الملائكة أُظهر الخوارق.
قال ابن جرير: (لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهرًا بصورته لأبصار البشر في الدنيا، فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك). وقال القرطبي: (وكان القوم يتوهمون أن الملائكة أفضل، أي: لست بملك فأشاهد من أمور الله ما لا يشهده البشر).
والخلاصة: قال لهم رسول الله - ﷺ -: لست ملكًا حتى تكلفوني بِخوارق العادات مما لا يطيقه البشر، من الرقيّ في السماء، ورؤية الأمور العظام، إنما أنا بشر يأكل ويشرب وينام ولكن الله اصطفاني بالوحي لأبلغ كلامه ورسالته، ولذلك قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.
وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
قال مجاهد: (﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، قال: الضال والمهتدي). وقال قتادة: (﴿الْأَعْمَى﴾ الكافر الذي قد عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه، و﴿الْبَصِيرُ﴾، العبد المؤمن الذي أبصر نافعًا، فوحد الله وحده، وعمل بطاعة ربه، وانتفع بما آتاه الله).
وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
قال ابن جرير: (ومعناه، يعلمون أنهم يحشرون، فوضعت "المخافة" موضع "العلم"، لأن خوفهم كان من أجل علمهم بوقوع ذلك ووجوده من غير شك منهم في ذلك).
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: أنذِرْ هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله - ﷿ - ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، فيعملون في هذه الدار عملًا يُنْجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويُضاعف لهم به الجزيل من ثوابه).
وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سعد قال: [فِيَّ نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ
[ ٢ / ٦٢٥ ]
﴿رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قال: نزلت في ستة، أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تُدْني هؤلاء] (١).
وأخرج ابن ماجة والحاكم وابن جرير بسند صحيح عن المقدام بن شُرَيح عن أبيه، عن سعد قال: [كنا مع النبي - ﷺ - ستة نفر، فقال المشركون للنبي - ﷺ -: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقع فحدّث نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] (٢).
وقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ - في تأويله أقوال:
١ - ذكر ابن عباس ومجاهد أن المراد بالدعاء المحافظة على الصلاة المكتوبة في الجماعة.
قال ابن عباس: (﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾، يعبدون ربهم، ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، يعني: الصلاة المكتوبة).
وقال مجاهد: (الصلاة المفروضة، الصبح والعصر).
٢ - ذكر إبراهيم أن المقصود بالدعاء الذكر. قال إبراهيم: (لا تطردهم عن الذكر).
وقال منصور: (هم أهل الذكر).
٣ - ذكر أبو جعفر أن المراد تعلمهم القرآن وقراءته. قال أبو جعفر: (كان يقرئهم القرآن، من الذي يَقُصُّ على النبي - ﷺ -).
٤ - ذكر الضحاك أن المقصود العبادة. قال الضحاك: (﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال: يعني: يعبدون، ألا ترى أول قال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (٤٣)﴾ [غافر: ٤٣]، يعني: تعبدون).
_________________
(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٤١٣)، وسنن ابن ماجة (٤١٢٨)، ومستدرك الحاكم (٣/ ٣١٩). ورواه النسائي في "التفسير" (١٨٣)، وأخرجه أبو يعلى (٨٢٦)، والطبري (١٣٢٦٦)، وغيرهم. من حديث سعد ﵁.
(٢) حديث صحيح. انظر سنن ابن ماجة (٤١٢٨) - باب مجالسة الفقراء. ومستدرك الحاكم (٣/ ٣١٩) وقال صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. وانظر الواحدي (٤٣١)، والصحيح المسند - الوادعي. الأنعام (٥٢). وأخرجه النسائي في "الكبرى" (١١١٦٣)، والطبري في "التفسير" (١٣٢٦٦)، وأبُو يعلى (٨٢٦). من حديث سعد ﵁.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
قلت: والدعاء يشمل كل ما ذكر، فالصلاة دعاء، والذكر والقرآن والعبادة بجميع ألوانها وأشكالها من الدعاء. وفي الحديث: [إن الدعاء هو العبادة] (١). وفي الحديث: [ليس شيء أكرم على الله سبحانه من الدعاء] (٢).
وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ - فيه قولان:
القول الأول: يريدون طاعته، والإخلاص في عبادتهم لله تعالى، فلا يتوجهون بذلك إلا إليه.
قال ابن جرير: (يلتمسون بذلك القربة إلى الله، والدنو من رضاه).
القول الثاني: يبتغون الله الموصوف بالوجه. قال القرطبي: (يريدون الله الموصوف بأن له الوجه، كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وهو كقوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ..﴾ [الرعد: ٢٢]. وخصّ الغداة والعشي بالذكر، لأن الشغل غالب فيهما على الناس، وما كان في وقت الشغل مقبلًا على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل).
قلت: وكلا القولين صحيح. فإن الآية تفيد الإخلاص في العمل لله الواحد الأحد، كما تفيد إثبات صفة الوجه لله الكريم. وقد أكدت السنة الصحيحة هذه الصفة الجليلة.
ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا ينام، ولا ينبغي أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور (أو النار)، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره]. وفي لفظ: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد وأصحاب السنن من حديث النعمان بن بشير. انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٣٠٨٦).
(٢) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٠٨٧) - كتاب الدعاء- باب فضل الدعاء. انظر صحيح سنن ابن ماجة -حديث رقم- (٣٠٨٧).
(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (١٧٩)، كتاب الإيمان. والحجاب هو الذي يحجب الأبصار أن تراه في الدنيا، وهو الذي أشار إليه النبي - ﷺ - بحديث أبي ذر: [قال: سألت رسول الله - ﷺ -: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنّى أراه]. أخرجه مسلم في صحيحه (١٧٨) - كتاب الإيمان. باب قوله - ﷺ -: "نور أنى أراه"، "رأيت نورًا".
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
كقول نوح ﵇ حين ردّ على قومه مثل ذلك، قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿قَالوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾.
والمعنى: إنما حسابهم على الله ﷿، وليس عليّ من حسابهم شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء. ذكره القاسمي.
قال أبو السعود: (وذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ مع إن الجواب قد تم بما قبله، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه - ﷺ -، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلًا، وهو انتفاء كون حسابه ﵇، عليهم، على طريقة قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقال النسفي: (وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فقال: حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم).
وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾.
جواب النفي وهو: "ما عليك من حسابهم".
وقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
جواب النهي، وهو قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾. أو في موقع العطف على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ على وجه التسبيب، لأن كونه ظالمًا مسبب عن طردهم.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾.
قال ابن عباس: (﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، يعني أنه جعل بعضهم أغنياء وبعضهم فقراء، فقال الأغنياء للفقراء: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، يعني: هداهم الله. وإنما قالوا ذلك استهزاء وسُخْرِيًّا).
فأجابهم سبحانه بهذه الآية التي تقرع العقول والقلوب وتفَهِّم بحث القدر: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
أي: هو تعالى وحده الذي اطلع على قلوب عباده وعلم أعمالهم وكتب ذلك في اللوح المحفوظ كتابة علم لا كتابة جبر، فقسم الأعمال والأخلاق والأرزاق. فهدى
[ ٢ / ٦٢٨ ]
المؤمنين هداية توفيق وإلهام، اختصاصًا بهم بعد هداية الرسل الكرام. كما قال جل ذكره: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم]. وفي لفظ: [إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم] (١).
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّبَ إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إلي بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصوه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما تردّدت عن شئ أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته] (٢).
فهذا الشكر المتتابع من العبد لربه ﷿ بحرصه على محابه، جلت عظمته، أعقبه الله فيه اختصاصًا وولاية، حتى صار في ذمة الله فمن عاداه فقد أعلن الله تعالى عليه الحرب، ومن آذنه الله بالحرب فقد هلك.
وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.
يعني: إذا جاءك يا محمد أهل الإيمان والتصديق فأكرمهم برد السلام عليهم، وبَشِّرهم برحمة الله الواسعة الشاملة، وقرِّبهم منك ولا تبعدهم.
قال البيضاوي: (وصفهم تعالى بالإيمان بالقرآن، واتباع الحجج، بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة، وأمره بأن يبدأهم بالتسليم، أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم، ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله، بعد النهي عن طردهم، إيذانًا بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل. ومن كان كذلك ينبغي أن يقرّب ولا يطرد، ويُعَزّ وَلا يُذَل، ويُبَشَّر من الله بالسلامة في الدنيا، والرحمة في الآخرة).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٥٦٤) (٣٣)، وكذلك (٣٤) من حديث أبي هريرة، كتاب في البر والصلة. وأخرجه أحمد في المسند (٧٨١٤).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٤/ ٢٣١) من حديث أبي هريرة، والبغوي في شرح السنة (١/ ١٤٢/ ٢)، ويشهد له ما في المسند (٦/ ٢٥٦).
[ ٢ / ٦٢٩ ]
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي - ﷺ -: [إنّ الله لمّا خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي] (١).
وقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال النسفي: (﴿أَنَّهُ﴾ الضمير للشأن ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ ذنبًا ﴿بِجَهَالةٍ﴾ في موضع الحال، أي: عمله وهو جاهل بما يتعلق به من المضرة، أو جعل جاهلًا لإيثاره المعصية على الطاعة ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد السوء أو العمل ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أخلص توبته ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).
٥٥ - ٥٩. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾.
في هذه الآيات: يقول جلَّ ذكره: كما فصلنا لك يا محمد في هذه السورة من ابتدائها حتى هذا الموضع، كذلك نفصل لك الأدلة والحجج في كل حق لإزهاق محاولات أهل الباطل ولتتضح لك سبيل المجرمين. قل لهؤلاء المشركين -يا محمد-: إن ربي ﷿ نهاني عن عبادة ما تدعون من دونه ولن أوافق أهواءكم، وإن فعلت فقد اخترت حينئذ سبيل الضلال. إني على بيان من الله وحجة ناصعة وبرهان، وكذبتم أنتم بربكم، وما تستعجلونه من النقم والعذاب ليس بيدي، إنما الحكم في كل شأن في هذا الكون لله أعدل الحاكمين وخير الفاصلين. ولو أن بيدي ذلك لعجلت لكم به،
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح -حديث رقم- (٣١٩٤)، (٧٤٠٤)، (٧٥٥٣)، وأخرجه مسلم برقم (٢٧٥١)، ورواه أحمد في المسند (٢/ ٣١٣).
[ ٢ / ٦٣٠ ]
ولأريتكم الآيات والخوارق، والعذاب الذي تستعجلون، ولكنه بيد الجبار سبحانه، وهو أعلم بوقت إرساله على الظالمين. فعنده مفاتح الغيب لا يشركه بذلك أحد، وهو الذي يعلم ما في البر والبحر وما يجري فيها وما يكون، وما تسقط ورقة في الصحارى والجبال والبراري والأمصار والقرى إلا يعلمها، وكذلك لا يغيب عنه علم كل حبة أو شجرة وكل رطب أو يابس في أرجاء هذا الكون، بل هو مثبت في اللوح المحفوظ.
فقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾.
أي: كما فعلنا في هذه السورة من بدايتها وقد بسطنا لك يا محمد في ذكر ما يدحض حجج المبطلين، فالأمر سيستمر كذلك في كل هذا القرآن العزيز. قال ابن جرير: (كذلك نفصل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حق ينكره أهل الباطل من سائر أهل الملل).
قال قتادة: (﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾، نبين الآيات).
وقوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ - فيه قراءات:
١ - قرأها عامة قراء المدينة: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ﴾ بنصب سبيل. أي: لتستبينَ أنت يا محمد سبيل المعاندين المجرمين الذين رغبوا بطرد المؤمنين. قال ابن زيد: (﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ﴾: الذين يأمرونك بطرد هؤلاء).
٢ - وقرأها بعض المكيين والبصريين: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. والتقدير: ولتتضح لك يا محمد وللمؤمنين طريقُ المجرمين.
٣ - وقرأها عامة قراء الكوفة: ﴿وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ بالياء في الكلمة الأولى بدل التاء. وأشهر هذه القراءات وأقربها القراءتان الثانية والثالثة، وهذا اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
أي: فلا يستحق التعظيم إلا الله.
قال النسفي: (أي: صرفت وزجرت بأدلة العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون الله).
وقوله: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ - تأكيد لقطع أطماعهم.
قال البيضاوي: (هو إشارة إلى الموجب للنهي، وعلة الامتناع عن متابعتهم،
[ ٢ / ٦٣١ ]
واستجهال لهم، وبيان لمبدأ ضلالهم، وأن ما هم عليه هوى، وليس بهدى. وتنبيه لمن تحرّى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد).
وقوله: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾.
أي: إن ركبت أهواءكم، ومضيت كما مضيتم في تخبطكم.
وقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
أي: دخلت حينئذ في متاهات الضلال، وانحرفت عن سبيل الهدى والرشاد، فشاركتكم في ضلالكم وضياعكم.
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾.
أي: على بصيرة ونور من شريعة ربي ﷿.
وقوله: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾.
أي: وقد كذبتم بالحق الذي شرفني الله به وعميتم عنه.
وقوله: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾.
قال القرطبي: (أي: العذاب، فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء (١). وقيل: ما عندي من الآيات التي تقترحونها) (٢).
وقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.
قال ابن كثير: (أي: إنما يرجع أمرُ ذلك إلى الله، إن شاء عجَّلَ لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجَّلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة).
وقوله: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾.
قال القرطبي: (أي: يقص القصص الحق، وبه استدل من منع المجاز في القرآن).
_________________
(١) كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِذْ قَالوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وكقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ..﴾ [الإسراء: ٩٢].
(٢) كما قال تعالى في معرض ذكر اقتراحاتهم: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا﴾. وكقوله: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. وكقوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].
[ ٢ / ٦٣٢ ]
وقوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.
أي: خير من فصل الخلافات والخصومات والقضايا، وهو سبحانه خير الفاتحين الحاكمين بين عباده. وفي التنزيل: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
أخرج أبو داود والنسائي بسند صحيح، عن هانئ بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله هو الحكم، وإليه الحُكْمُ] (١).
وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.
أي: لو كان أمر العذاب بيدي لأنزلته بكم وعاجلتكم به كما ترغبون، حتى ينقضي الأمر إلى آخره.
قال أبو السعود: (لأهلكتكم عاجلًا، غضبًا لربي، واقتصاصًا من تكذيبكم به).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾.
قال القرطبي: (أي: المشركين وبوقت عقوبتهم).
وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
قال السدي. (﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، يقول: خزائن الغيب).
وعن عطاء، عن ابن عباس: (﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، قال: هن خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
والمفاتح جمع مِفْتَح. يقال: مِفْتح ومِفْتاح. قال ابن جرير: (فمن قال: "مِفْتَح"، جمعه "مفاتح"، ومن قال: "مفتاح"، جمعه "مفاتيح").
أخرج البخاري في صحيحه عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: [مفاتحُ الغيب خمسٌ لا يعلمها إلا الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾] (٢).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩٥٥). ورواه النسائي. انظر تخريج الإرواء (٢٦٨٢)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (١٨٤١).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٢٧)، وأخرجه النسائي في السنن "الكبرى" (٧٧٢٨).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وفي صحيح مسلم وسنن الترمذي والنسائي، وابن ماجة - واللفظ له - من حديث أبي هريرة قال: [كان رسول الله - ﷺ - يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل. فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر. قال: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: أن تعبدَ الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيمَ الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصومَ رمضان. قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إنْ لا تراه فإنه يراك. قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعْلمَ من السائل، ولَكِنْ سَأُحَدِّثك عن أشراطِها. إذا وَلَدَت الأمَةُ رَبَّتَها فذلك من أشراطِها، وإذا تطاول رِعاء الغنم في البُنْيان فذلك من أشرِاطها، في خَمْسٍ لا يعْلَمُهُن إلا الله. فتلا رسولُ الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾] (١).
وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
أي: من الخلق والعجائب. فإنه سبحانه يحيط علمه بجميع عوالم السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من ذلك ولو كان مثقال ذرة.
وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾.
قال ابن جرير: (ولا تسقط ورقة في الصحارى والبراري، ولا في الأمصار والقرى، إلا الله يعلمها). قال القرطبي: (أي: من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط وأين تسقط وكم تدور في الهواء).
وقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
قال ابن عباس: (خلق الله النُّون - وهي الدَّواة - وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتى ينقضي ما كان من خَلْق مخلوق، أو رِزْقٍ حلال أو حرامٍ، أو عَمَلِ بِرٍّ أو فجور، وقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ..﴾ إلى آخر الآية) - رواه ابن أبي حاتم.
وظلمات الأرض بطونها، والمعنى: لا تنبت حبة في أية بقعة في الأرض إلا يعلم سبحانه متى تنبت، وكم تنبت، ومن يأكلها. ولا تيبس أرض أو ترطب إلا يعلم
_________________
(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٨)، وسنن ابن ماجة (٦٤) - باب في الإيمان - واللفظ له. وأخرجه بنحوه الترمذي في السنن (٢٦١٠)، والنسائي (٨/ ٩٧)، وأخرجه ابن حبان (١٦٨).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
سبحانه يبسها إذا يبست، ورطوبتها إذا رطبت.
قال النسفي: (وقوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ كالتكرير لقوله ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾، لأن معنى ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ومعنى ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ واحد، وهو علم الله أو اللوح).
وقال القرطبي: (﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. أي: في اللوح المحفوظ لتعتبر الملائكة بذلك، لا أنه سبحانه كتب ذلك لنسيان يلحقه، تعالى عن ذلك. وقيل: كتبه وهو يعلمه لتعظيم الأمر، أي: اعلموا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف بما فيه ثواب وعقاب).
قلت: وقد دلت السنة الصحيحة على آفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة] (١).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عَبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بإسناد صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [فرغ الله ﷿ إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٣). وفي رواية: (من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه).
وله شاهد عند ابن عساكر بسند جيد عن أنس، بلفظ: [فرغ الله من أربع: من الخَلق والخُلق والرزق والأجل].
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٦٩)، وأخرجه الترمذي (٢٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو، وانظر صحيح مسلم (٨/ ٥١) بلفظ قريب. وأخرجه ابن حبان (٦١٣٨).
(٢) حديث صحيح. رواه الطبراني بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو. انظر تخريج الطحاوية (٧٨)، وصحيح الجامع الصغير -حديث رقم- (٤٠٨٠)، ورواه البيهقي.
(٣) إسناده صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٩٧)، وابن عساكر (١٧/ ٤٩٣/ ٢)، والطبراني في الكبير والأوسط، من حديث أبي الدرداء. قال الهيثمي (٧/ ١٩٥): (رواه أحمد والبزار والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات). وانظر تخريج السنة لابن أبي عاصم (٣٠٣)، (٣٠٤)، (٣٠٥) - الألباني. وانظر للشاهد بعده "صحيح الجامع" (٤٠٧٩).
[ ٢ / ٦٣٥ ]
٦٠ - ٦٢. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾
في هذه الآيات: عَطْفٌ على البيان السابق: - وقل لهم يا محمد: إن الله تعالى هو الذي يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من أجسادكم، ويعلم ما كسبتم من الأعمال في النهار، ثم يوقظكم من نومكم في النهار فيبعثكم، ليقضي الأجل الذي كتبه لحياتكم بالموت عند انتهاء العمر الذي اختاره لكم ثم معادكم ومردكم إليه سبحانه فيخبركم بما كنتم تعملون. وهو الغالب خلقه والعالي عليهم بقدرته وجبروته ويرسل ملائكته فيكم فيتعاقبون ليلًا ونهارًا يحفظون أعمالكم ويصعدون بذلك إلى الله، فإذا جاء الموت أرسل إليكم ملائكة يقبضون أرواحكم من ملك الموت ولا يفرطون في ذلك ويصعدون بها. ثم رُدَّت الملائكة الذين جاؤوا بالأرواح بعد نزعها - إلى الله سيدهم الحق، ألا له الحكم والقضاء وهو أسرع من حسب أعماركم وآجالكم وأعدادكم وأعمالكم.
فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾.
قال السدي: (أما ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ ففي النوم، وأما ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ فيقول: ما اكتسبتم من الإثم). وقال قتادة: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾، رمني بذلك نومهم، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، أي: ما عملتم من ذنب فهو يعلمه، لا يخفى عليه شيء من ذلك). قال ابن جرير: (وهذا الكلام وإن كان خبرًا من الله تعالى ذكره عن قدرته وعمله، فإن فيه احتجاجًا على المشركين به، الذين كانوا ينكرون قدرته على إحيائهم بعد مماتهم وبعثهم بعد فنائهم).
قلت: والتوفي المذكور في هذه الآية هو التوفي الأصغر، دون القبض التام للروح الذي هو التوفي الأكبر. كما قال تعالى في سورة الزمر: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الزمر: ٤٢].
قال الشوكاني: (﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾: أي: يقبضها عند حضور أجلها ويخرجها من الأبدان).
وقال الفراء: (المعنى ويقبض التي لم تمت عند انقضاء أجلها. قال: وقد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا: والتي لم تمت وفاتها نومها). قال ابن زيد: (فالنوم وفاة). والمقصود: يقبضها عن التصرف والتمييز مع بقاء الأرواح في أجسادها. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إذا آوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خدّه، ثم يقول: "اللهم باسمك أموت وأحيا". وإذا استيقظ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور"] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الترمذي بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي ردّ عليّ روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره] (٣).
الحديث الرابع: أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بسند صحيح عن جابر، عن النبي - ﷺ -، [النوم أخو الموت، ولا يموت أهل الجنة] (٤).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٧٢٠) - كتاب الدعوات، وكذلك (٧٣٩٣) - كتاب التوحيد. ورواه مسلم (٢٧١٤) - كتاب الذكر والدعاء. باب الدعاء عند النوم.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٣١٤) - كتاب الدعوات - باب وضع اليد تحت الخد اليمنى. وانظر (٦٣١٢) منه - باب ما يقول إذا نام، وكذلك (٦٣٢٤)، (٧٣٩٤).
(٣) حديث حسن. انظر تخريج الكلم الطيب (٣٤)، (٤٣)، وصحيح الجامع الصغير (٣٢٦).
(٤) حديث صحيح. أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٣٦/ ٢)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٩٠).
[ ٢ / ٦٣٧ ]
قلت: فالوفاة هنا في هذه الآية بمعنى النوم، والنوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة. وقد بسطت القول في مفهوم الوفاة وأنواع استخدام لفظها، وكذلك الصلة بين الروح والنفس والفؤاد والعقل والجسد والمشاعر في كتابي: "تحصيل السعادتين" فلله الحمد والمنة.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾.
قال مجاهد: (﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾، قال: في النهار). وقال قتادة: (والبعث اليقظة).
وعن السدي: (﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾، قال: هو أجل الحياة إلى الموت). وقال مجاهد: (وهو الموت). وقال عبد الله بن كثير: (﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾، قال: مدّتهم).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
أي: ثم إلى الله بارئكم يكون معادكم ومآلكم، ثم تعرض عليكم أعمالكم في صحفكم، ثم يجازيكم بها، ولا تظلم نفس مثقال ذرة.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾، والله الغالب خلقه، العالي عليهم بقدرته، لا المقهور من أوثانهم وأصنامهم).
وفي مسهتدرك الحَاكم عن عائشة قالت: [كان إذا تَضَوَّرَ من الليل قال: لا إله إلا الله الواحد القهار، ربّ السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار] (١).
وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾.
أي: من الملائكة، يحفظون بدن العبد، وغيرهم يحفظ أعماله ويحصيها.
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان والحاكم من حديث عائشة. انظر صحيح ابن حبان (٢٣٥٨)، ومستدرك الحاكم (١/ ٥٤٠)، والسلسلة الصحيحة (٢٠٦٦).
[ ٢ / ٦٣٨ ]
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق].
قال السدي: (﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾، قال: هي المعقبات من الملائكة، يحفظونه ويحفظون عمله). وعن ابن عباس: (والمعقبات من الله هي الملائكة، "يحفظونه من أمر الله" قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه).
وقال مجاهد: (﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: عن اليمين الذي يكتب الحسنات، وعن الشمال الذي يكتب السيئات).
وفي مُعْجَم الطبراني بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن صاحب الشمال ليرفع القلم ستَّ ساعات عن العبد المسلم المخطيء، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتبت واحدة] (١).
وفي المسند بسند صحيح عن بلال بن الحارث المزني ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله ﷿ له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالى عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه] (٢).
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.
قال إبراهيم: (أعوان ملك الموت). وكان ابن عباس يقول: (لملك الموت أعوان من الملائكة). وقال الكلبي: (إنّ ملك الموت هو يلي ذلك، فيدفعه، إن كان مؤمنًا، إلى ملائكة الرحمة، وإن كان كافرًا إلى ملائكة العذاب).
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بهذا المعنى، في أحاديث:
_________________
(١) حديث صحيح. رواه الطبراني في "الكبير" (ق ٢٥/ ٢)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٣٩٤/ ١).
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٦٩)، ومالك (٢/ ٩٨٥/ ٥)، والترمذي (٢/ ٥٢)، وأخرجه ابن ماجة في السنن (٣٩٦٩)، وابن حبان (١٥٧٦)، والحاكم (١/ ٤٥ - ٤٦)، وغيرهم.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
الحديث الأول: حديث البراء - أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والطيالسي وفيه: [إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كان وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة (وفي لفظ: المطمئنة) اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، حتى إذا خرجت روحه صلّى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، فذلك قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾] الحديث. ثم يقول: [وإن العبد الكافر (وفي لفظ: الفاجر) إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه معهم المسُوح من النار، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السَّفود الكثير الشعب من الصوف المبلول فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل صالحًا قال: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بِرَوْحٍ ورَيْحان، وربٍّ غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج (٢). قال: فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦)، وأبو داود (١/ ٢٨٢) بسند صحيح من حديث البراء بن عازب ﵁. وانظر أحكام الجنائز (١٥٩).
(٢) وفي رواية: [ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تعالى].
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، وأبو داود (٣٢١٢) نحوه، وابن ماجة (٤٢٦٢).
[ ٢ / ٦٤٠ ]
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ - في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا - وفيه: قال النبي - ﷺ -: [فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه ملك الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم - أي: حكمًا - فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له. فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة] (١).
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.
قال ابن عباس: (لا يضيّعون).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.
قال ابن جرير: (ثم ردت الملائكة التي توفَّوهم فقبضوا نفوسهم وأرواحهم، إلى الله سيدهم الحق، ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾، يقول: ألا له الحكم والقضاء دون من سواه من جميع خلقه، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، يقول: وهو أسرع من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم، أيها الناس، وأحصاها، وعرف مقاديرها ومبالغها).
وقال القاسمي: (﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يومئذ لا حكم فيه لغيره، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ يحاسب الخلائق في أسرع زمان).
قلت: والله سبحانه من أسمائه الحكم، وهو بمعنى الحاكم، وحقيقته: الذي سُلِّم له الحكم وَرُدَّ إليه. كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.
وكقوله في سورة المائدة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٦/ ٣٧٣ - ٣٧٤) من حديث أبي سعيد، وأخرجه مسلم في صحيحه -حديث رقم- (٢٧٦٦)، وغيرهما.
[ ٢ / ٦٤١ ]
وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن هانيء بن يزيد، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله هو الحَكَمُ، وإليه الحُكْمُ] (١).
٦٣ - ٦٥. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾.
في هذه الآيات: خِطَابُ الله المتتابع لنبيّه - ﷺ -، قل لهؤلاء المشركين بربهم -يا محمد-: من الذي ينجيكم إذا دخلتم في ظلمات سبل البر أو البحر وشعرتم بالخوف ومظنة الهلاك وتحيّرتم بهذا الضياع والضلال، إلا الله تعالى الذي إليه مفزعكم حينئذ بالدعاء، تدعونه استكانة سرًّا وجهرًا، لئن أنجيتنا يا رب من هذه لنخْلِصَنَّ لك الشكر والعبادة. قل لهم يا محمد: الله وحده القادر على نجاتكم وفرَجكم ثم أنتم بعد تَكَرُّمِه عليكم بالنجاة والفرج تشركون. إنه - جلت عظمته - هو القادر أن يعيدكم في الظلمات والأهوال مرة أخرى مقابل خيانتكم العهود والمواثيق وانتكاسكم مرة ثانية في أوحال الشرك، وأن يرسل عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزابًا متفرقة يقتل بعضكم بعضًا، فانظر يا محمد تتابع هذه الحجج والآيات على هؤلاء المشركين لعلهم يفقهون.
فقوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.- قال قتادة: (يقول: من كرب البر والبحر).
قال القاسمي: (﴿ظُلُمَاتِ الْبَرِّ﴾، أي: شدائده، كخوف العدو، وضلال الطريق. ﴿وَالْبَحْرِ﴾ كخوف الغرق، والضلال، وسكون الريح. استعيرت الظلمة للشدة، لمشاركتها في الهول، وإبطال الأبصار، ودهش العقول. يقال لليوم الشديد: يوم
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٩٥٥) - كتاب الأدب - باب في تغيير الاسم القبيح، وأخرجه النسائي في السنن (٥٣٨٧) - وانظر صحيح سنن أبي داود -حديث رقم- (٤١٤٥)، وصحيح سنن النسائي -حديث رقم- (٤٩٨٠).
[ ٢ / ٦٤٢ ]
مظلم، ويوم ذو كواكب. أي: اشتدت ظلمته حتى عاد كالليل، وظهرت الكواكب فيه).
وقوله: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.
قال ابن جرير: (﴿تَضَرُّعًا﴾ منكم إليه واستكانة وجهرًا، ﴿وَخُفْيَةً﴾، يقول: وإخفاء للدعاء أحيانًا، وإعلانًا، وإظهارًا).
وقوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
قال القرطبي: (﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الشدائد ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: من الطائعين. فوبّخَهم الله في دعائهم إياه عند الشدائد، وهم يدعون معه في حالة الرخاء غيره بقوله: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.
وفي التنزيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [يونس: ٢٢ - ٢٣].
وفيه كذلك: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ [النمل: ٦٣].
وقال في هذه الآيهْ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.
أي: إن الله وحده القادر أن ينجيكم من هذه الظلمات ومن كل كرب وهم وغم دون شفاعة أحد ولا عون، ثم أنتم بعد ذلك إذا رجعتم إلى الرخاء تشركون ولا تشكرون.
قال القرطبي: (﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ تقريع وتوبيخ، مثل قوله في أول السورة: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾. لأن الحجة إذا قامت بعد المعرفة وجب الإخلاص، وهم قد جعلوا بدلًا منه وهو الإشراك، فَحَسُنَ أن يُقَرَّعُوا ويُوَبَّخُوا على هذه الجهة وإن كانوا مشركين قبل النجاة).
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ - فيه أقوال:
١ - قيل ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ عذاب السماء. ﴿ومن تحتكم﴾ الخسف في الأرض.
قال السدي: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، عذاب السماء، ﴿أَوْ مِنْ
[ ٢ / ٦٤٣ ]
تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، فيخسف بكم الأرض). وكذا قال مجاهد: (الخسف).
٢ - وقيل: (معنى: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الرجم بالحجارة والطوفان والصيحة والريح، كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح). ذكره سعيد بن جبير. ومعنى: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الخسف والرجفة كما فعل بقارون وأصحاب مدين. واختاره ابن جرير.
٣ - قيل: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الأمراء الظلمة، و﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: السّفِلة وعبيد السوء.
قال ابن عباس: (فأما العذاب من فوقكم، فأئمة السوء، وأما العذاب من تحت أرجلكم، فخدم السوء). وفي رواية: (﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، يعني: من أمرائكم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، يعني: سفلتكم).
قلت: والراجح القول الأول وما في معنى القول الثاني، إذ عليه يدل السياق، وآيات التنزيل. قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ [الإسراء: ٦٦ - ٦٩].
قال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - باب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية. يلبسكم: يَخْلِطَكُم من الالتباس. ﴿يَلْبِسُوا﴾ يخلِطوا. ﴿شِيَعًا﴾: فِرَقًا. حدثنا حَمَّاد بن زيد بن عمرو بن دينار، عن جابر ﵁ قال: [لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال رسول الله - ﷺ -: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله - ﷺ -: هذا أهْوَنُ- أو هذا أيْسَرُ] (١).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٢٨) - كتاب التفسير -. ورواه في كتاب التوحيد (٧٤٠٦)، وأخرجه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٣١٣) وفي لفظه: (هاتان أهون، أو أيسر). وأخرجه الترمذي (٣٠٦٥)، والنسائي في "التفسير" (١٨٤)، وأبو يعلى (١٩٨٢)، وغيرهم.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾.
أي: أو يخلطكم فرقًا ويجعلكم ملتبسين شيعًا متناحرين متخالفين. وفيه أقوال متقاربة:
١ - قال ابن عباس: (﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: الأهواء والاختلاف).
٢ - قال مجاهد: (الأهواء المتفرقة). قال: (ما كان منكم من الفتن والاختلاف).
٣ - قال السدي: (يفرق بينكم). وقال ابن زيد: (الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء، وسفك دماء بعضهم بعضًا).
وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾.
قال ابن عباس: (يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب).
وقال السدي: (بالسيوف). وقال مجاهد: (عذاب هذه الأمة أهل الإقرار، بالسيف: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، وعذاب أهل التكذيب، الصيحة والزلزلة). وقال نوف البكالي: (﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: هي والله الرجال في أيديهم الحراب، يطعنون في خواصركم).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن عامر بن سعدٍ عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - أقبل ذاتَ يوم مِنَ العالية، حتى إذا مَرَّ بمسجد بني مُعاويةَ، دخَلَ فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربَّهُ طويلًا، ثم انصرف إلينا، فقال - ﷺ -: [سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألتُ ربي أَنْ لا يُهْلِكَ أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألتُه أن لا يُهْلِكَ أمتي بالغَرَق فأعطانيها، وسألته أنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُمْ بينهم فَمَنَعَنِيها] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن جابر بن عَتِيك أنه قال: [جاءنا عبد الله بن عُمَر في بني معاوية -قرية من قُرى الأنصار- فقال لي: هل تَدْرِي أين صَلّى رسول الله - ﷺ - في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم. فأشرتُ إلى ناحيةٍ منه، فقال: هل تدري ما الثلاثُ التي دعا بهنّ فيه؟ فقلت: نعم. فقال: فَأخبرني بهنَّ،
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٢٨٩٠)، كتاب الفتن، وأخرجه أحمد (١/ ١٧٥)، (١/ ١٨١)، وأبو يعلى (٧٣٤).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
فقلت: دعا بِأَلَّا يُظهرَ عليهم عَدُوًّا من غيرهم، ولا يُهْلِكَهُم بالسِنين فَأُعْطِيَهُما، ودَعا بألَّا يجعل بأسهم بينهم، فَمُنِعَها. قال: صَدَقْتَ، فلا يزال الهَرْجُ إلى يوم القيامة] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن شدّاد بن أوس، أن رسول الله - ﷺ - قال: [إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارِقَها ومغاربها، وإن مُلْكَ أمَّتي سَيَبْلُغ ما زُوِيَ لي منها، وإني أعطيتُ الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي -﷿- ألَّا يُهلِكَ أمتي بِسنَةٍ بِعَامّةٍ، وألا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا فيهلكهم بِعَامَّةٍ، وألَّا يلبسَهُم شيعًا، وألا يذيق بعضَهم بأس بعض. فقال: يا محمد، إني إذا قضيتُ قَضَاءً فإنه لا يُرَدّ، وإني قد أعطيتُك لأمتك ألَّا أُهْلِكَهُم بسنةٍ بعامَةٍ، وألا أسلِّطَ عليهم عَدُوًّا ممن سواهم فَيهلكِوهم بعامَّة، حتى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضًا، وبعضُهم يقتل بعضًا، وبعضهم يَسْبي بعضًا. قال: وقال النبي - ﷺ -: وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المُضِلّين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يُرْفَع عنهم إلى يوم القيامة] (٢).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن معاذ بن جبل قال: [صلى رسول الله - ﷺ - يومًا صلاة، فأطال فيها، فلما انصرف قلنا: يا رسول الله أطلتَ اليوم الصلاةَ؟ قال: إني صليتُ صلاة رغبةٍ ورهبة، سألت الله ﷿ لأمتي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، وردَّ عليَّ واحدةً، سألتُه أن لا يُسَلّط عليهم عدوًا من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يهلكهم غَرَقًا، فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها عَلَيَّ] (٣).
وفي رواية عند أحمد: (أن لا يبعث عليهم سنة تقتلهم جوعًا) بدل "غرقًا".
_________________
(١) إسناده جيد. أخرجه أحمد (٥/ ٤٤٥)، والطبراني في "الكبير" (١٧٨١)، وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٢١): رواه أحمد، ورجاله ثقات. وقال الحافظ ابن كثير في "التفسير": (ليس هو في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنّة).
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٢٣)، والبزار (٣٢٩١)، وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٢١) رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح. ولأجزائه شواهد في الصحيح.
(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (٣٩٥١)، وابن خزيمة في "صحيحه" (رقم- ١٢١٨)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٤٠)، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير رجاء الأنصاري - قال الذهبي: ما روى عنه سوى الأعمش. لكن له شواهد في المسند (٥/ ٢٤٣) (٥/ ٢٤٧) من طريقين. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة -حديث رقم- (١٧٢٤).
[ ٢ / ٦٤٦ ]
ويبدو من مجموع هذه الأحاديث أن ذكر الغرق والسنة محفوظ في أصل الحديث، والله تعالى أعلم.
وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.
أي: انظر يا محمد كيف نبين لهم الحجج والدلالات ونفسر لهم الآيات لعلهم يفهمون مقصد هذه الحجج ويتدبرون آفاق هذه الدلالات وما يراد بها من بيان بطلان ما هم عليه من الشرك والمعاصي والآثام.
٦٦ - ٦٩. قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾.
في هذه الآيات: يتابع الله تعالى ذكره خطابه لنبيّه، فيقول: وكذب -يا محمد- قومك بما تخبر عن الله من الوحي وتنذر، قل لهم: لست عليكم بحفيظ ولا رقيب، ولكل خبر مستقر ونهاية، فيظهر في آخر المطاف الحق من الباطل ويتميز الصدق من الكذب وسوف تعلمون. وإذا رأيت - يا محمد - المشركين المستهترين الذين يخوضون في الوحي وآيات التنزيل هزوًا ولعبًا فصدّ عنهم وجهك وإياك ومجالستهم، بل قم عنهم واعتزلهم حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم، وإن أنساك الشيطان أمرنا هذا باجتنابهم حالة سخريتهم ثم ذكرت ذلك فامتثل الأمر فوْرَ الذِّكرى ولا تقعد مع القوم الظالمين. ومن اتقى الله فعظم أوامره واجتنب نواهيه، وحصل أن جلس ولم يعرض عن مجلس هؤلاء المستهزئين فما عليه من تبعة إثمهم ما دام سخط ما كانوا عليه، ولكن الإعراض هو الأقرب للتقوى -وهو الذي سيستقر عليه الأمر- لعلهم يتقون.
فقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
قال السدي: (كذبت قريش بالقرآن وهو الحق، وأما ﴿الوكيل﴾ فالحفيظ، وأما ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب).
وقال مجاهد: (﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، لكل نبأ حقيقة، إما في الدنيا وإما في الآخرة، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، ما كان في الدنيا فسوف ترونه، وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم).
وقال ابن عباس: (﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يقول: فعل وحقيقة، ما كان منه في الدنيا وما كان منه في الآخرة).
وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
أي: إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والردّ والاستهزاء فاجتنب مجلسهم واعتزلهم، والخطاب وإن كان للنبي - ﷺ - فهو عام لجميع المؤمنين. قال القرطبي: (فإن العلة سماع الخوض في آيات الله، وذلك يشملهم وإياه).
قال مجاهد: (﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾: هم الذين يستهزئون بكتاب الله، نهاه الله عن أن يجلس معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر قام).
قال ابن العربي: (وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل).
وقال ابن خُوَيْزَ مَنْداد: (من خاض في آيات الله تُركت مجالسته وهُجر، مؤمنًا كان أو كافرًا).
وقال السدي: (كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي - ﷺ - فسبوه واستهزؤوا به، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره).
قلت: وهذا النهي ينسحب اليوم على أهل الأهواء والبدع فلا يجلس معهم أثناء بدعتهم.
قال الفضيل بن عياض: (من جَلَسَ مع صاحبِ بدعة لم يعط الحكمة، وإذا علم الله ﷿ من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة رَجَوْتُ أن يغفر الله له). وقال: (ومن زوّجَ كريمته من مُبْتدع فقد قطع رحمها).
وفي صحيح مسلم عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات:
[ ٢ / ٦٤٨ ]
[لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض] (١).
فقوله: "لعن الله من آوى محدثًا"، أي: مبتدعًا، وإيواؤه الرضا عنه، وحمايته عن التعرض له، واتخاذه جليسًا ونديمًا، وتقريبه وتوقيره.
وقوله: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير الذي فيه تكذيب واستهزاء وسخرية بالشريعة.
وقوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
قال أبو مالك: (إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم) ذكره السدي عنه.
وفي التنزيل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. أي: لو تابعتم الجلوس بعد ورود النهي فقد أقررتموهم على استهزائهم فشاركتموهم في الإثم.
وكذلك: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث سلمة -يوم الحديبية والصلح- قال: [فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض، أتيتُ شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله - ﷺ -، فأبغضتهم فتحولت إلى شجرة أخرى ] الحديث (٢).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [من كان
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٦/ ٨٤). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٢٦١) - باب: في من ذبح لغير الله. من حديث علي ﵁.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (١٨٠٧)، كتاب الجهاد، باب غزوة ذي قرد، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٥٢ - ٥٤) من حديث سلمة ﵁.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدار عليها الخمر] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن نافع، عن صَفِيّة، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ - قال: [من أتى عَرَّافًا فَسَأَلهُ عن شيء لم تُقْبَلْ له صلاةُ أربعين ليلة] (٢).
وله شاهد عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [من أتى عَرّافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -].
وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ - فيه أقوال:
١ - ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم. قاله سعيد بن جبير.
٢ - بل معناه وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير.
٣ - أي: إذا تجنّبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك، فقد برئوا من عهدتهم، وتخلصوا من إثمهم.
قلت: والقول الثالث أقواها، أي: إن امتثلتم الاجتناب فاعتزلتم القوم الذين استطردوا بالخوض والاسْتهزاء بآيات الله، فما عليكم من حسابهم من شيء، وإن لم تفعلوا وتابعتم الجلوس فقد أشركتموهم في الإثم - كما قال تعالى في آية النساء: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾. وبذلك تكون الآيتان منسجمتين إذ لا دليل على النسخ المزعوم.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذ تذكيرًا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك، ولا يعودون إليه).
قلت: وهذا تفسير قوي منسجم مع السياق، ومع ما قبله، وقد ذكر ابن جرير نحوه
_________________
(١) حديث حسن. وهو جزء من حديث أطول، أخرجه الترمذي (٢٩٦٥) - باب ما جاء في دخول الحمام. من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٢٣٠) - كتاب السلام. باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان. وانظر للشاهد صحيح الجامع (٥٨١٥)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٧٦) لتفصيل البحث.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
عن السدي: (﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾، يقول: إذا ذكرت فقم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مساءتكم، إذا رأوكم لا تجالسونهم استحيوا منكم، فكفوا عنكم).
٧٠. قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.
في هذه الآية: يقول تعالى ذكره لنبيه - ﷺ - في متابعة خطابه: ذر يا محمد هؤلاء الذين حوّلوا علاقتهم بدينهم إلى اللهو واللعب والاستهزاء، وقد اغتروا بزينة هذه الحياة الدنيا فألهتهم وفتنتهم وأنستهم الموت والسؤال والعذاب، وذكرهم بهذا القرآن وما فيه من الوعيد فلا تبسل أنفسهم بما كسبت من الأوزار فتحبس وتسلم للعذاب، ثم لا يقبل من أي نفس أبسلت يومئذ ولو جاءت بملء الأرض ذهبًا لتفتدي به من الشراب الحميم والعذاب الأليم، الذي أعدّ للذين أبسلوا بما كسبوا من الآثام وكانوا يكفوون.
فقوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾.
أي: دعهم واعتزلهم فإنهم بذلك على خَطر عظيم.
قال القرطبي: (أي: لا تعلّق قلبك بهم فإنهم أهل تَعنّت وإن كنت مأمورًا بِوَعْظِهم).
وقال النسفي: (﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام ﴿لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ سخروا به واستهزؤوا).
وقوله: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
أي: انحصر اهتمامهم وعلمهم بهذه الحياة الفانية وزينتها.
وقوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾.
أي: بالقرآن أو الحساب أو الموقف يوم الحسرة والندامة.
[ ٢ / ٦٥١ ]
وقوله: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾.
المعنى كما قال ابن كثير: (لئلا تُبْسَل). وقال ابن جرير: (أن لا تبسل). فحذفت لا، لدلالة الكلام عليها، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. أي: أن لا تضلوا، أو كي لا تضلوا. وفي معنى ﴿تبسل﴾ أقوال متكاملة:
١ - قال ابن عباس: (تُفضح).
٢ - قال عكرمة والحسن ومجاهد: (تبسل: تُسْلَم).
٣ - قال قتادة: (تُحْبَس).
٤ - وقال مُرّة وابن زيد: (تؤاخذ).
٥ - وقال الكلبي: (تجازى).
وكلها أقوال متقاربة متكاملة في بيان المعنى، مفادها كما قال القاسمي: (مخافة أن تسلم إلى الهلاك، وترتهن بسوء كسبها، وغرورها بإنكار الآخرة).
وأصل الإبسال المنع. يقال: أبسله لكذا: عرضه ورهنه، أو أسلمه للهلكة. قال الرازي: (أبسله: أسلمه للهلكة).
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾.
قال النسفي: (﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾ ينصرها بالقوة، ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يدفع عنها بالمسألة). قال: والمعنى: (وذكر بالقرآن كراهة أن تبسل نفس عادمة وليًّا وشفيعًا بكسبها).
وفي التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾.
قال قتادة: (لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لم يقبل منها).
وقال السدي: (فما يعدلها لو جاءت بملء الأرض ذهبًا لتفتدي به ما قبل منها).
وقال ابن زيد: (﴿وَإِنْ تَعْدِلْ﴾، وإن تفتد، يكون لهُ الدنيا وما فيها يفتدي بها، ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾، عدلًا عن نفسه، لا يقبل منه).
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا
[ ٢ / ٦٥٢ ]
وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
أي: هؤلاء المشار إليهم الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا وأسلموا للهلاك ولا ناصر ولا شفيع، إنما أسلموا إلى العذاب والهلاك بسبب اغترارهم بهذه الحياة الدنيا، وإنكارهم الحساب في الآخرة، والانهماك في الشهوات المحرمة واستباحتها.
قال القاسمي: (﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾. أي: ماء مغليّ يتجرجر في بطونهم، وتتقطع به أمعاؤهم، ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: بنار تشعل بأبدانهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم).
٧١ - ٧٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾.
في هذه الآيات: يقول جلت عظمته لنبيه - ﷺ - قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين إفراد الله تعالى بالتعظيم، العادلين بربهم الأوثان والأنداد، الداعين لك إلى عبادة آلهتهم والأصنام معهم: أندعو من دون الله حجرًا أو خشبًا أو خلقًا آخر ضعيفًا لا يملك القدرة على جلب منفعة أو دفع مضرة، ونترك عبادة الله الواحد الأحد الصمد الذي بيده النفع والضر والحياة والموت والعز والذل، ونرد على أدبارنا منتكسين لم نظفر بحاجتنا ولم تجب دعوتنا، بعد أن لمسنا عز الهداية وأُنْسَ القرب من الله، فنكون في هذا التدلي كالرجل استتبعه الشيطان فهو يمضي في الحياة حيران، له أصحاب على الحق واستقامة المنهج ينادونه إلى الامتثال وسلوك سبيل النجاة، وهو يأبى ذلك ويهوي في ضلاله. قل يا محمد لهؤلاء المتخبطين في منهاجهم ذلك: إن طريق الله هو الهدى وأمرنا بلزومه
[ ٢ / ٦٥٣ ]
فهو ينقلنا إلى شاطئ السلامة ودار النعيم والأمن والقرار. وَأُمِرْنا بإقامة الصلاة والتزام تقوى الله فإليه المرد والمآل ويحشر الناس إليه جميعًا. إنه وحده - جلت عظمته - الذي خلق السماوات والأرض بالحق والعدل الذي هو إفراده سبحانه بالتعظيم والعبادة، والأمر يومئذ قوله كن فيكون، فقوله الحق وله السلطان ولا يشاركه أحد في الآخرة بأمر أو سلطان، فقد انقطع سلطان كل ذي سلطان يوم ينفخ في الصور، ولم يبق إلا أمر الواحد القهار عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير.
فقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية.
قال السدي: (قال المشركون للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، - ﷺ -.
فقال الله تعالى ذكره: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾، هذه الآلهة، ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض. يقول: مثلكم إن كفرتم بعد الإيمان، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضل الطريق، فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: "ائتنا، فإنا على الطريق"، فأبى أن يأتيهم. فذلك مثل من يتبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام) - ذكره ابن جرير.
ثم روى عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: (هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها، وللدعاة الذين يدعون إلى الله، كمثل رجل ضل عن الطريق تائهًا ضالًا، إذ ناداه مناد: "يا فلان ابن فلان، هلم إلى الطريق"، وله أصحاب يدعونه: "يا فلان، هلم إلى الطريق"! فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق).
وعن مجاهد: (في قوله: ﴿مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾، قال: الأوثان).
وعن قتادة: (﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: أضلته في الأرض حيران).
وقال مجاهد: (رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، فذلك مثل من يضل بعد إذ هدي، وقال: (هذا مثل ضربه الله للكافر، يقول: الكافر حيران، يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب).
[ ٢ / ٦٥٤ ]
وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إلى قوله: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
قال قتادة: (علمها الله محمدًا وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة).
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ..﴾ [الزمر: ٣٧].
وكقوله سبحانه: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].
وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (وأمرَنا ربنا وربّ كل شيء تعالى وجهه، لنسلم له، لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية، فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة).
وقوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. أي: وأمرنا -تعالى ذكره- أن أقيموا الصلاة.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾.
قال ابن كثير: (أي: وَأُمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. أي: يوم الحشر، يوم الحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾.
قال القرطبي: (أي: فهو الذي يجب أن يعبد لا الأصنام. ومعنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بكلمة الحق. يعني قوله: ﴿كُنْ﴾).
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾.
قال القاسمي: (بيان لقدرته تعالى على حشرهم، بكون مراده لا يتخلف عن أمره، وأن قوله وأمره هو النافذ والواقع. والمراد بـ (القول) كلمة ﴿كُنْ﴾ تحقيقًا أو تمثيلًا).
والتقدير: واذكر يوم يقول كن. أو اتقوا يوم يقول كن، أو قدّر يوم يقول كن. ذكره القرطبي. فيكون ﴿يَوْمَ﴾ قد نُصِبَ على العطف على قوله ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ - أي: اتقوا يوم يقول كن فيكون. أو على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ - أي: وخلق يومَ يقول كن فيكون.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
وإما على إضمار فعل تقديره اذكر - أي: واذكر يوم يقول كن فيكون. ذكره ابن كثير. قلت: وكلها من وجوه الإعجاز القرآني يحتملها السياق وتفيد في بسط المعنى وآفاق مفهومه.
وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾.
قال النسفي: (والمعنى: أنه خلق السماوات والأرض بالحق والحكمة وحين يقول لشيء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة، أي: لا يكون شيئًا من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب).
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾.
أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: [قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصّور؟ قال: قَرْنٌ ينفخ فيه] (١).
فالصور هو القَرْن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ حين يأخذ الأمر من ربه ﷿. كما قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
وكما قال - جلت عظمته -: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].
يروي البخاري عن ابن عباس: [قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ الصور. و﴿الرَّاجِفَةُ﴾: النفخة الأولى. و﴿الرَّادِفَةُ﴾: الثانية] (٢).
وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يومًا؟ قال: أبيت (٣). قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبتُ البقلُ.
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٣١٢)، وأبو داود في السنن (٤٧٤٢)، والترمذي في الجامع (٣٢٤٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٦).
(٢) حديث صحيح. رواه البخاري في ترجمة باب. انظر تخريج المشكاة (٥٥٢٩). وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٢٧) - بحث النفخ في الصور - لمزيد من التفصيل.
(٣) أي: امتنعت عن الجواب لأني ما أدري ما الصواب.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
قال: وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عَجْبُ الذنب (١)، ومنه يُركب الخلق يوم القيامة] (٢).
فإذا تذكر المسلم هول ذلك اليوم ونفخة الصور قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
فقد أخرج الترمذي في جامعه بسند حسن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كيف أنعم وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ؟ فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل] (٣).
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ إما أن يكون بدلًا من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
أو أن يكون ظرفًا لقوله سبحانه: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، كما قال جل ذكره: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وكقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٦].
وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
قال ابن عباس: (يعني: أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور).
والراجح أن ﴿عَالِمُ﴾ صفة لـ ﴿الَّذِي﴾ خلق السماوات والأرض. أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هو".
والتقدير: أي وهو الذي خلق السماوات والأرض عالم الغيب. واختاره شيخ المفسرين، وكذلك الإمام القرطبي.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
أي: الحكيم في أقواله وأفعاله، الخبير بأعمال عباده وأعمارهم ومستقبلهم بين يديه. قال النسفي: (﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في الإفناء والإحياء. ﴿الْخَبِيرُ﴾ بالحساب والجزاء).
_________________
(١) هو العظم بين الأليتين أسفل الصلب، فمنه خُلِق - الإنسان - وفيه يركب. ففي رواية لمسلم: [كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجبَ الذنب، منه خلق وفيه يركب].
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٣٥)، وأخرجه مسلم (٢٩٥٥/ ١٤١)، وغيرهما.
(٣) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي (٢٥٨٥) - أبواب فضائل القرآن - سورة الزمر.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
٧٤ - ٧٩. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.
في هذه الآيات: يتابع الله سبحانه في ذكر براهين الحق وحجج الدلالة والحكمة ليواجه نبيه - ﷺ - خصومه المنكرين الجاحدين المشركين - واذكر يا محمد خليلي إبراهيم إذ قال لأبيه آزر معيبًا عليه اتخاذ الأوثان آلهة من دون الله، ومنكرًا عليه وعلى قومه باطل ما هم مقيمون عليه من الضلال في العبادة: كيف تعبد - يا أبت - هذه الأصنام وتتخذها ربًّا دون الله الذي خلقك وسَوّاك ورزقك. وكذلك - يا محمد - نُبَصِّرُ - إبراهيم في دينه، ونريه الحق في ملكوت السماوات والأرض ليكون أحسن العابدين المؤمنين. فلما واراه الليل وغيّبه أبصر كوكبًا حين طلع فقال هذا ربي، فلما زال وقد علم أن ربه دائم لا يزول قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر قد طلع وسطع قال هذا ربي فلما ذهب قال لئن لم يمنّ الله عليّ بهدايته لأكونّن من الذين أخطؤوا طريق الحق والهدى، وعبدوا غير الله. فلما رأى الشمس طالعة قال هذا الطالع ربي، هذا أكبر من الكوكب والقمر، فلما غابت قال إبراهيم لقومه إني بريءٌ من عبادة الأوثان والأصنام وهذه المخلوقات الزائلة، بل وجهت وجهي في عبادتي للذي خلق السماوات والأرض وهو الحي لا يموت ولا يزول ولا يفنى، مخلصًا له الدين وما أنا من المشركين.
فقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾.
قال السدي: (اسم أبيه آزر).
وكذلك قال محمد بن إسحاق: (﴿آزَرَ﴾ أبو إبراهيم).
[ ٢ / ٦٥٨ ]
قلت: ولا عبرة بكلام آخر غير هذا، فالقرآن صرّح باسم والد إبراهيم ﵊ أنه ﴿آزَرَ﴾، وكذلك صرّحت السنة الصحيحة.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال:
[يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قتَرَةٌ وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد. فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافريق. ثم يقال لإبراهيم: ما تحتَ رجليك؟ فينظر فإذا هو بذِيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيُلقى في النار] (١).
وقوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾.
أي: تتأله لصنم تصرف له العبادة من دون الله.
وقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
أي: إني أراك والقوم السالكين دربك وطريقتك في العبادة تائهين ضالين جائرين عن الحق وعن قصد السبيل.
وفي التنزيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨].
قال ابن كثير: (فكان إبراهيم - ﵇ - يستغفر لأبيه مُدَّةَ حياته، فلما مات على الشرك وتبيّن إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له، وتبرّأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]).
_________________
(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح البخاري (١٣٤٤). والقترة: السواد من الكآبة والحزن. والذيخ: ذكر الضبع الكثير الشعر. والحديث ذكره الإمام البخاري في كتاب الأنبياء.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال القاسمي: (أي: نطلعه على حقائقهما، ونبصره في دلالتهما على شؤونه ﷿، من حديث إنهما بما فيهما، مربوبان ومملوكان، له تعالى. و﴿الملكوت﴾ مصدر على زنة المبالغة، كالرَّهَبوت والجبروت، ومعناه: الملك العظيم، والسلطان القاهر. وقيل: ملكوتهما عجائبهما وبدائعهما).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩].
وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
قال النسفي: (فعلنا ذلك أو ليستدل، وليكون من الموقنين عيانًا كما أيقن بيانًا).
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾
أي: ستره بظلمته. قال ابن جرير: (وكل ما توارى عن أبصار الناس، فإن العرب تقول فيه: "قد جَنَّ"). ومنه الجَنّة والجِنّة والجُنّة والجَنين والمِجَنّ والجن كله بمعنى الستر. قال القرطبي: (وجَنان الليل ادلهمامُه وستره).
قال: (ويقال: جنون الليل أيضًا. ويقال: جَنّه الليل وأجَنّه الليل، لغتان).
والمقصود: فلما أظلم الليل على إبراهيم ﵊ وستره بظلامه ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾. أي: نجمًا، والكوكب لغة النجم.
وفي قوله: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾.
قال النسفي: (أي: الزهرة أو المشتري، وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئًا منها ليس بإله لقيام دليل الحدوث فيها، ولأن لها محدثًا أحدثها ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها).
[ ٢ / ٦٦٠ ]
وقوله: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾
قال القاسمي: (إرخاء للعنان معهم بإظهار موافقته لهم أولًا، ثم إبطال قولهم بالاستدلال، لأنه أقرب لرجوع الخصم).
قال الزمخشري: (قول إبراهيم ذلك، هو قول من ينصف خصمه، مع علمه بأنه مبطل. يحكي قولَهُ كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق، وأنجى من الشغَب. ثم يكرّ عليه بعد حكايته، فيبطله بالحجة).
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾. أي: غاب. ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. قال قتادة: (علم أنَّ ربه دائم لا يزول).
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾. أي: طالعًا منتشر الضوء. وبزغت الشمس إذا طلعت، وكذلك القمر.
وقوله: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. على الأسلوب المتقدم. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. قال ابن جرير: (أي: من القوم الذين أخطؤوا الحق في ذلك، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله).
قال النسفي: (نبّه قومه على أن من اتخذ القمر إلهًا فهو ضال، وإنما احتج عليهم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال، لأن الاحتجاج به أظهر، لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب).
وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾.
فنصب قوله ﴿بَازِغَةً﴾ على الحال، لأن هذا من رؤية العين. وفي لغة العرب: بزغ وأفل متضادان. بزغ يَبْزُغ بُزوغًا إذا طلع، وأفلَ يأفِلُ أفولًا إذا غاب.
قال الكسائي: (﴿هَذَا رَبِّي﴾ على معنى: هذا الطالع ربي). وقيل: هذا الضوء.
قال القرطبي: (وقال: ﴿هَذَا﴾ والشمس مؤنثة، لقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾. فقيل: إن تأنيث الشمس لتفخيمها وعِظمها، فهو كقولهم: رجل نَسّابة وعلّامة).
وقال ابن جرير: (﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾، يعني: هذا أكبر من الكوكب والقمر، فحذف ذلك لدلالة الكلام عليه).
وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾. أي: غابت. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
[ ٢ / ٦٦١ ]
قال ابن كثير: (فلما انتفتِ الإلهيّة عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنورُ ما تقعُ عليه الأبصارُ، وتحقَّق ذلك بالدليل القاطع ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾، أي: أنا بريء من عبادتهنَّ وموالاتهنَّ، فإن كانت آلهةً فكيدوني بها جميعًا ثم لا تُنْظرون).
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
أي: إنما أتوجه بالعبادة وكمال التعظيم لخالق هذه الموجودات والأشياء ومخترعها ومسخّرها ومقدّر أمورها ومدبر أحوالها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وكل شيء في هذا الكون فقير إليه محتاج إلى قوته وقيوميته وتدبيره وتصريفه.
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف].
وفي التنزيل: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ [النمل].
أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي تميمةَ عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله - ﷺ -، أو قال: شهدت رسول الله - ﷺ - وأتاه رجل فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشَفَ عنك، والذي إن أضللت بأرض قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).
وقد أثنى الله سبحانه على إبراهيم - ﵊ - في غير ما موضع في القرآن:
قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٤٠٨٤). ورواه أحمد بسند صحيح. انظر تخريج المشكاة (٩١٨)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٤٢). وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٤٤٢).
[ ٢ / ٦٦٢ ]
وقال تعالى في سورة النحل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾
أخرج البخاري من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: [إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وأول من يُكْسى يوم القيامة إبراهيم] (١).
وفي صحيح البخاري أيضًا عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: [أن النبي - ﷺ - لما رأى الصُّورَ في البيت لم يدخل حتى أمرَ بها فمُحِيَتْ، ورأى إبراهيم وإسماعيلَ ﵉ بأيديهما الأزلامُ فقال: قاتلهم الله، والله إن استقسما بالأزلام قط] (٢).
وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾.
أي: مائلًا عن الأديان الباطلة، والتصورات الزائفة الزائغة، إلى الحق القويم، دين رب العالمين، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [كل مولود يولد على الفِطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسَانه، كما تولد البهيمة بهيمةً جمْعاء، هل تحسون فيها من جدعاء] (٣).
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حِمار قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله ﷿: إني خلقت عبادي حُنَفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحَرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم] (٤).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٣٤٩) ضمن حديث أطول - كتاب أحاديث الأنبياء.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٣٣٥٢) - كتاب أحاديث الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام. من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨)، وأحمد في المسند (٢/ ٢٥٣)، والترمذي في الجامع (٢١٣٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٨٦٥)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٦)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٥٣).
[ ٢ / ٦٦٣ ]
٨٠ - ٨٣. قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.
في هذه الآيات: يقول سبحانه: وجادل إبراهيم قومه في إفراده الله سبحانه بالتعظيم وبراءته من أصنامهم، وكانوا يزعمون أن آلهتهم خير من إلهه، فقال: أتجادلونني في توحيد الله الواحد الأحد الصمد وقد وفقني برحمته لمعرفة توحيده وإفراده بالعبادة والتعظيم، ولا أخاف آلهتكم التي تدعونها فما تملك لي ضرًا ولا نفعًا، بل خوفي من الله الذي بيده النفع والضر، والرزق والضيق أو النقصان. ثم كيف أرهب ما أشركتموه في عبادتكم ربَّكم وهو مخلوق ضعيف لا يملك ضرًا ولا نفعًا وأنتم لا تخافون الله الواحد القهار الذي دان له الكون بكل ما فيه، فمن الذي هو أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. إن المؤمنين الصادقين في توحيد ربهم وتعظيمه أحق بالأمن، فالأمن أمن الإيمان، والهلاك في الشرك وأهله، وهذه بعض حججنا علمناها إبراهيم - ﵊ - ليواجه بقوارعها بهتان قومه وعنادهم، نختار للمعالي والدرجات من نشاء من عبادنا، إن الله حكيم - حيث يضع رسالته، عليم بقلوب وأفعال عباده.
فقوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾.
قال ابن جريج: (﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾، قال: دعا قومُه مع الله آلهة، وخوّفوه بآلهتهم أن يُصيبَهُ منها خَبَل، فقال إبراهيم: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾، قال: قد عرفت ربي، لا أخاف ما تشركون به).
قال ابن جرير: (﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ يقول: ولكن خوفي من الله الذي خلقني وخلق السماوات والأرض، فإنه إن شاء أن ينالني في نفسي أو مالي بما شاء من فناء أو
[ ٢ / ٦٦٤ ]
بقاءٍ، أو زيادة أو نقصان أو غير ذلك، نالني به، لأنه القادر على ذلك. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ يقول: وعلم ربي كلَّ شيء، فلا يخفى عليه شيء، لأنه خالق كل شيء، ليس كالآلهة التي لا تضر ولا تنفع ولا تفهم شيئًا، وإنما هي خشبة منحوتة، وصورة ممثلة، ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يقول: أفلا تعتبرون، أيها الجهلة، فتعقلوا خطأ ما أنتم عليه مقيمون، من عبادتكم صورة مصوّرة وخشبة منحوتة، لا تقدر على ضر ولا على نفع، ولا تفقه شيئًا ولا تعقله، وترككم عبادة من خلقكم وخلق كل شيء، وبيده الخير، وله القدرة على كل شيء، والعالم بكل شيء).
وقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾.
قال محمد بن إسحاق: (يقول: كيف أخاف وثنًا تعبدون من دون الله لا يضر ولا ينفع، ولا تخافون أنتم الذي يضر وينفع، وقد جعلتم معه شركاء لا تضر ولا تنفع).
وقوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن جريج: (أمَنْ يعبد ربًّا واحدًا، أم من يعبد أربابًا كثيرة؟).
قال محمد بن إسحاق: (يضرب لهم الأمثال، ويصرِّف لهم العبر، ليعلموا أن الله هو أحق أن يخاف ويعبد مما يعبدون من دونه).
قال مجاهد: (قول إبراهيم حين سألهم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾، هي حجة إبراهيم - ﷺ -).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
قال محمد بن إسحاق: (أي: الذين أخلصوا كإخلاص إبراهيم - ﷺ - لعبادة الله وتوحيده، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: بشرك، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، الأمن من العذاب، والهدى في الحجة بالمعرفة والاستقامة).
وقال ابن زيد: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، قال بِشرك. قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. فأما الذنوب فليس يبرأ منها أحد).
أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله قال: [لمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
[ ٢ / ٦٦٥ ]
بِظُلْمٍ﴾، قال أصحابه: وأيّنا لم يظلم نفسه؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾] (١).
وأخرج الإمام مُسلم في صحيحه عن عَلْقَمَةَ، عن عبد الله قال: [لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - وقالوا: أيّنا لا يظلمُ نَفْسَهُ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ليس هو كما تَظُنُّون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]] (٢).
وفيِ لفظ أحمد: [إنه ليسَ الذي تعنُون! ألم تسمعوا ما قال العبدُ الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، إنما هو الشرك].
وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾.
قال مجاهد: (قال إبراهيم حين سأل: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾؟ قال: هي حجة إبراهيم، وقوله: ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾، يقول: لقناها إبراهيم وبصَّرناه إياها وعرَّفناه).
وقرأ قراء الكوفة: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، في حين قرأها قراء الحجاز والبصرة: ﴿نرفع درجاتِ مَنْ نشاء﴾. وهما قراءتان مشهورتان متقارب معناهما. قال ابن جرير: (وذلك لأن من رفعت درجته، فقد رفع في الدرج، ومن رفع في الدرج، فقد رفعت درجته. قال: فمعنى الكلام إذن: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾، فرفعنا بها درجته عليهم، وشرّفناه بها عليهم في الدنيا والآخرة. فأما في الدنيا فآتيناه فيها أجره، وأما في الآخرة، فهو من الصالحين، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، أي: بما فعل من ذلك وغيره).
وفي الصحيحين عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [يا أيها الناس! إنكم تحشرون
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢)، (٤٦٢٩). وأخرجه مسلم (١٢٤)، وأحمد (١/ ٣٨٧)، وغيرهم. من حديث عبد الله ﵁.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٢٤) - كتاب الإيمان، باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، ورواه ان حبان في صحيحه (٢٥٣)، وأخرجه ابن مندة (٢٦٨)، وغيرهم. وانظر للفظ التالي مسند أحمد (١/ ٣٧٨) بإسناد على شرط الشيخين.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
إلى الله حُفاة عُراة غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾. ألا وإن أول الخلائق يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم ..] الحديث (١).
وقال القرطبي: (﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾: أي: بالعلم والفهم والإمامة والملك). وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
قال القاسمي: (﴿حَكِيمٌ﴾ في رفعه وخفضه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بحال من يرفعه واستعداده له).
وقال شيخ المفسرين: (إن ربك، يا محمد، ﴿حكيم﴾، في سياسته خلقَه، وتلقينه أنبياءَه الحجج على أممهم المكذبة لهم، الجاحدة توحيد ربهم، وفي غير ذلك من تدبيره، ﴿عَلِيمٌ﴾، بما يؤول إليه أمر رسله والمرسل إليهم، من ثبات الأمم على تكذيبهم إياهم، وهلاكهم على ذلك، أو إنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد الله تعالى ذكره وتصديق رسله، والرجوع إلى طاعته).
٨٤ - ٩٠. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾.
في هذه الآيات: اختصاصُ الله سبحانه إبراهيم ﵊ بذرية فيها النبوة، منهم ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب، هديناهم لسبيل الرشاد، كما هدينا
_________________
(١) حديث صحيح. غُرْلًا أي غير مختونين. انظر مختصر صحيح مسلم (٢١٥١) ص (٥٧١). ورواه البخاري في صحيحه (٣٣٤٩)، ضمن حديث أطول.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
نوحًا لذلك من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، كذلك نجزي بالإحسان كل محسن. كما هدينا أيضًا من ذرية نوح إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وفضلناهم على العالمين. كما هدينا من آباء هؤلاء وذرياتهم أمة اخترناها لهذا الدين، وهذا الهدى توفيق الله ولطفه بمن يشاء من عباده، ولو أشرك هؤلاء الأنبياء لبطل ما كانوا يعملون ولذهب جزاء ما كانوا يتقربون. وهؤلاء الذين سميناهم من الأنبياء والرسل قد آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، فإن يكفر بها قومك يا محمد، فقد استحفظناها أولئك الرسل والأنبياء ومن سار معهم على هداهم وما كانوا بها كافرين، وهؤلاء الذين هدى الله من إخوتك الأنبياء والرسل قبلك يا محمد موضع القدوة والأسوة في أمة الدعوة من الخلق أجمعين، فامض على منهاجهم واصبر على إقامة الحق والدين في الأرض، وأخبر قومك أنك لا تريد بهذا البلاغ عوضًا فما هو إلا ذكرى للعالمين.
فقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾.
قال ابن كثير: (يذكر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طَعَنَ في السنِّ، وأيس هو وامرأته "سارّة" من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط، فبَشَّروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك، وقالت: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢، ٧٣]. وبشروهما مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلًا وعَقِبًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]. وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، أي: ويولد لهذا المولود ولدٌ في حياتكما، فتقرّ أعينكما به كما قَرَّتْ بوالده، فإن الفَرَح بِوَلَدِ الولدِ شديدٌ لبقاء النَّسل والعَقِب. ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يُتَوهَّم أنه لا يُعْقَبُ لضعفه وقعت البشارة به وبولده باسم "يعقوب"، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاةً لإبراهيم - ﵇ - حين اعتزل قومه وترَكهم، ونزَحَ عنهم وهاجر من بلادهم ذاهبًا إلى عبادة الله في الأرض، فعوّضه الله - ﷿ - عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صُلْبِه على دينه، تَقَرُّ بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤٩]. وقال ها هنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾).
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
أي: وفقناه إلى اتباع منهج الحق قبل إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال القاسمي: (﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبله، هديناه كما هديناه. وعدّ هداه نعمة على إبراهيم، من حيث إنه أبوه، وشرف الوالد يتعدى إلى الولد). قال ابن كثير: (كل منهما له خصوصية عظيمة. أما نوح ﵇ فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض، إلا مَن آمن به، وهم الذين صَحِبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح وكذلك الخليل إبراهيم ﵇، لَمْ يبعث الله - ﷿ - بعده نبيًا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ. . .﴾ [العنكبوت: ٢٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]).
أخرج الإمام أحمد في المسند، والبيهقي في "الأسماء"، بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: [إن نبيّ الله نوحًا - ﷺ - لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين، آمرك بـ: "لا إله إلا الله" فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كنّ حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر. قال: قلت: أو قيل: يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟ قال: لا، قال: هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه؟ قال: لا. قيل: يا رسول الله فما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمص الناس] (١).
وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. فيه قولان:
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٥٤٨)، وأخرجه البيهقي في "الأسماء" (٧٩)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (١٣٤).
[ ٢ / ٦٦٩ ]
القول الأول: وهدينا من ذريته - أي: من ذرية نوح - ﷺ - هؤلاء الرسل الكرام، عليهم الصلاة والسلام.
قال ابن جرير: (﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾، من ذكر نوح. وذلك لأن الله تعالى ذكره ذكر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطًا فقال: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. ومعلوم أن لوطًا لم يكن من ذرية إبراهيم صلى الله عليهم أجمعين. قال: ولكنه من ذرية نوح).
القول الثاني: وهدينا من ذريته - أي: ذرية إبراهيم - ﷺ - هؤلاء الرسل الكرام.
قال ابن عباس: (هؤلاء الأنبياء جميعًا مضافون إلى ذرية إبراهيم، وإن كان فيهم مَنْ لم تلحقه ولادة من جهته من جهة أب ولا أم، لأن لوطًا ابن أخي إبراهيم).
والعرب تجعل العمّ أبًا كما أخبر الله عن ولد يعقوب أنهم قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. وإسماعيل عمُّ يَعْقوب.
قال القرطبي: (وعدّ عيسى من ذرية إبراهيم وإنما هو ابن البنت. فأولاد فاطمة ﵂ ذريّة النبي - ﷺ -. وبهذا تمسك من رأى أن ولد البنات يدخلون في اسم الولد. قال أبو حنيفة والشافعي: من وَقَفَ وقفًا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا).
قلت: وفي السنة الصحيحة ما يدل على هذا:
فقد أخرج البخاري من حديث أبي بكرة أن رسول الله - ﷺ - قال للحسن بن علي: [إن ابني هذا سيِّد، ولعل الله أن يُصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين] (١).
قال ابن كثير: (وعود الضمير - في ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ إلى ﴿نوح﴾ لأنه أقرب المذكورين، ظاهر. وهو اختيار ابن جرير، ولا إشكال عليه. وعودُه إلى ﴿إبراهيم﴾ لأنه الذي سيقَ الكلام من أجله حَسَن، لكن يشكل على ذلك ﴿لوط﴾، فإنه ليس من ذرية ﴿إبراهيم﴾، بل هو ابن أخيه ماران بن آزَرَ، اللهم إلا أن يُقَالَ: إنه دخل في الذريَّة تغليبًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٧٠٤) و(٣٦٢٩)، وأبو داود (٤٦٦٢)، وأحمد (٥/ ٤٩). وأخرجه النسائي (٣/ ١٠٧). والحديث يدل أن بني البنات تدخل في وصية الرجل لذريته.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، فإسماعيل عمه، ودخل في آبائه تغليبًا. وكما في قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ. .﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١]، فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذُمَّ على المخالفة، لأنه كان قد تشبه بهم، فعومل معاملتهم ودخل فيهم تغليبًا، وإلا فهو كان من الجِنّ وطبيعته من النار والملائكة من نور).
قلت: وكلا المعنيين حق، ويحتملهما السياق، وإعجاز البيان الإلهي الكريم.
و(داود): هو داود بن إيشا. و(سليمان) هو ابنه: سليمان بن داود. و(أيوب): هو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم. و(يوسف): هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. و(موسى): هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. و(هرون): هو أخو موسى.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال النسفي: (ونجزي المحسنين جزاء مثل ذلك، فالكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف).
وقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وهدينا أيضًا لمثل الذي هدينا له نوحًا من الهدى والرشاد من ذريته: زكريا بن إدُّو بن برخيَّا، ويحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم ابنة عمران بن ياشهم بن أمون بن حزقيا). ثم ذكر قولين في إلياس:
١ - كان ابن إسحاق يقول: هو إلياس بن يسي بن فنحاص بن العيزار بن هرون بن عمران، ابن أخي موسى نبيّ الله - ﷺ -.
٢ - وكان غيره يقول: هو إدريس. فعن عبد الله بن مسعود قال: ("إدريس" هو "إلياس"، و"إسرائيل"، هو "يعقوب") - ذكره بسنده إليه.
ثم قال شيخ المفسرين: (وأما أهل الأنساب فإنهم يقولون: "إدريس"، جدّ نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، و"أخنوخ" هو "إدريس بن يرد بن مهلائيل". وكذلك روي عن وهب بن منبه، والذي يقول أهل الأنساب أشبه بالصواب. وذلك أن الله تعالى ذكره نسب "إلياس" في هذه الآية إلى "نوح"، وجعله من ذريته، و"نوح" ابن "إدريس" عند أهل العلم، فمحال أن يكون جدّ أبيه منسوبًا إلى أنه من ذريته).
[ ٢ / ٦٧١ ]
وقوله: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
يعني هؤلاء الرسل الكرام: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾.
المعنى: وكذلك هدينا أيضًا من تلك الذرية ﴿إسماعيل﴾، وهو: إسماعيل بن إبراهيم، ﴿واليسع﴾، وهو: اليسع بن أخْطُوب بن العجوز، كما ذكر ابن جرير.
قال القرطبي: (وتوهّم قوم أن اليسع هو إلياس، وليس كذلك، لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر. وقال وهب: اليسع هو صاحب إلياس، وكانا قبل زكرياء ويحيى وعيسى). وقيل: إلياس هو الخضر، وقيل: بل اليسع هو الخضر، والله تعالى أعلم.
﴿ويونس﴾: هو يونس بن متى. ﴿وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يعني: على عالم أزمانهم.
وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾.
يعني: وهدينا كذلك مما لم نذْكر آخرين سواهم من آباء مَنْ سمَّيْنا، وكذلك من ذرياتهم وإخوانهم، هديناهم للحق والدين الخالص ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾. قال مجاهد: (أخلصناهم).
وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وهو الدين الحق الذي ارتضاه الله للأنبياء والرسل والعباد.
وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
أي: هذا التسديد والتوفيق لطاعة الله على منهاج الرسل الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما هو شرف يؤتيه الله من يشاء من عباده، واصطفاء واجتباء منه سبحانه، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعرف بقلوب عباده وحبهم له ولطاعته وإقامة دينه كما قال جل ذكره: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
تحْذيرٌ من مغبة الشرك وتَغْليظٌ لأمره. وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله تعالى: (﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]. وكقوله
[ ٢ / ٦٧٢ ]
جل ذكره: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧].
فالمعنى: ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سمّاهم ربهم فعبدوا معه غيره، لبطل ثواب عملهم ولذهب الأجر وكان الهلاك. ولكنهم لم يفعلوا فقد كانوا خير البشر بحق، واستحقوا الاصطفاء بصدق، فليحذر مغبة الشرك أقوامهم ومن جاء بعدهم من أمة الخلق. فإن الله تعالى لا يحابي أحدًا.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعِزّ إزاري، فمن نازعني في شيء منهما عذّبته] (١).
ورواه الإمام أحمد عنه بلفظ: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار] (٢).
ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [قال الله تعالى: الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته] (٣).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾.
يعني الفهم بالكتاب، وَفِقْهَ ما فيه من الأحكام والشرائع، واصطفاء مقام النبوة. والحديث عن الأنبياء والرسل الذين مضى ذكرهم والثناء عليهم، فقد قاموا بمهمة النبوة والحكم بمنهاج الوحي أحسن قيام - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: إن يكفروا بالقرآن). والمعنى: فإن يكفر - يا محمد - هؤلاء المشركون من قومك. قال قتادة: (أهل مكة).
وقوله: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾
قال قتادة: (أهل المدينة) - يعني الأنصار الذين استجابوا لله والرسول وحرسوا هذا الدين مع إخوانهم من المهاجرين. قال السدي: (إن تكفر بها قريش، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٣٥ - ٣٦)، وروى البخاري في الأدب المفرد (٥٥٢) نحوه. من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٨)، (٢/ ٣٧٦)، وانظر سنن أبي داود (٤٠٩٠)، وسنن ابن ماجه (٤١٧٤)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٥٤١).
(٣) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٦١) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأقره الألباني. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤١٨٥).
[ ٢ / ٦٧٣ ]
الأنصار). قال ابن كثير: (أي: إن يكفر بهذه النعم (١) من كَفَرَ بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عَرَبٍ وعجم، ومِلّيين وكتابيِّين، فقد وكلنا بها قومًا آخرين، يعني: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة، ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، أي: لا يجحدون شيئًا منها، ولا يَرُدّون منها حرفًا واحدًا، بل يؤمنون بجميعها: مُحْكَمِها ومُتَشَابهها، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه وإحسانه).
وقيل: المقصود: الملائكة. وقيل بل المقصود: الأنبياء الثمانية عشر. واختاره ابن جرير.
قلت: والراجح ما ذهب إليه الحافظ ابن كثير، من أن المقصود مَنْ يحملُ رسالة النبي محمد - ﷺ - من أمته بعد استكبار كفار قريش وبعض العرب والملل عن ذلك، فيشمل المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم ومضى على منهاجهم إلى يوم الدين، من جماعة الحق وطائفة المؤمنين حفظة هذا الدين.
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عمر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [أكرموا أصحابي فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا من سرَّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهم، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن] (٢).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
قال ابن عباس: (ثم قال في الأنبياء الذين سماهم في هذه الآية: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾).
والمعنى: هؤلاء أهل الهداية والمراتب الرفيعة عند الله - يا محمد - من إخوتك الأنبياء الذين سبقوك وكانوا على منهاج الحق والنبوة، فاقتد بهم في الطريق والمنهج فإن دين الأنبياء والمرسلين واحد.
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال: أخبرني سُليمان الأحْوَلُ: [أن
_________________
(١) يعني: النعم السابقة - الكتاب والحكم والنبوة.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٧٧) من حديث عمر ﵁، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤٣١) بلفظ "أحسنوا".
[ ٢ / ٦٧٤ ]
مجاهدًا أخْبَرَهُ: أنَّه سألَ ابن عباس أفي ﴿ص﴾ سَجْدَةٌ؟ فقال: نَعَمْ، ثم تلا ﴿وَوَهَبْنَا﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثم قال: هو منهم.
زاد يزيدُ بنُ هارون، ومحمدُ بن عُبَيْدٍ، وسَهْلُ بنُ يوسفَ عن العَوَّام، عن مجاهد: قُلْتُ لابن عباس، فقال: نبيّكم - ﷺ - مِمَّن أمِرَ أَنْ يُقْتَدي بهم] (١).
وقوله: ﴿هو منهم﴾، قال الحافظ في الفتح (٨/ ٢٩٥): (أي: داود ممن أُمِرَ نبيكم أن يقتدي به). ومراد ابن عباس - كما ذكر أهل العلم - إثبات سنية السجود في سورة ﴿ص﴾ إذ سجد داودُ ﵇.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أولادُ علّات (وفي رواية: الأنبياء إخوة من علات)، أمهاتهم شتى ودينهم واحد] (٢).
وبنو العلات هم أولاد الرجل الواحد من نساء شتى، لذلك أمرنا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بالصلاة عليهم كما نصلي عليه.
فقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بإسناد حسن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني] (٣).
وله شاهد عند ابن عساكر بسند حسن عن وائل بن حجر ولفظه: [صلوا على النبيين إذا ذكرتموني، فإنهم قد بُعثوا كما بُعثت].
فربط الله تعالى منهاج نبينا محمد - ﷺ - بمنهاج إخوته الأنبياء قبله، وأمرنا بالصلاة عليهم كلما ذكرناه وصلينا عليه، فإنهم قد بعثوا جميعًا بدين واحد ومنهج واحد فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٦٣٢) - كتاب التفسير، باب قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٣٤٤٢)، كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلك (٣٤٤٣)، ورواه مسلم في الصحيح (٢٣٦٥) ح (١٤٤) (١٤٥)، كتاب الفضائل.
(٣) حديث حسن. أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان". انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٦٧٦)، وللشاهد بعده - حديث رقم - (٣٦٧٥)، وكذلك انظر تخريج فضل الصلاة - حديث رقم - (٤٢) - الألباني. وروى الخرائطي نحوه.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.
أي: لا أطلب منكم على القرآن جُعْلًا ولا أجرة ولا مالًا، بل هو موعظة للخلق، فمن شاء استفاد من هذه الذكرى واتعظ وتهيأ ليوم المعاد، ودافع الكفر بالصدق واليقين والإيمان.
٩١ - ٩٢. قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾.
في هذه الآيات: يقول جلت عظمته: وما عظموا الله حق تعظيمه، وما أَجَلُّوه حق إجلاله، حين قالوا ما أنزل الله على آدمي كتابًا ولا وحيًا! فقل يا محمد - لمشركي قومك -: من أنزل التوراة جلاءً وضياء وبيانًا للناس يجعلها حملتُها قراطيس - أي: قِطعًا - يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرِّفون فيها ويبدلون ويغيرون ويقولون كذبًا هذا من عند الله، ثم قل لهم يا محمد: ومَنْ أنزل القرآن الذي علَّمكم الله فيه خبر الأمم التي سبقتكم، وأنبأكم فيه ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم؟ ! قل الله أنزله بعلمه ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يتخبطون ويلعبون. وهذا القرآن كتاب مبارك أنزله الله سبحانه وختم به الكتب من عنده مصدقًا لما قبله ولتنذر به مكة وما حولها من أحياء العرب وسائر طوائف بني آدم من عرب وعجم، وكل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن بهذا الكتاب ويحافظ على الصلاة وسائر الفرائض من شعائر هذا الدين.
فقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
قال ابن عباس: (ما آمنوا أنه على كل شيء قدير). وقال الحسن: (ما عظموه حق عظمته).
قال القرطبي: (وشرحُ هذا أنهم لما قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ نسبوا الله ﷿ إلى أنه لا يقيم الحجة على عباده، ولا يأمرهم بما لهم فيه الصلاح، فلم
[ ٢ / ٦٧٦ ]
يعظموه حق عظمته ولا عرفوه حق معرفته). وقال أبو عبيدة: (أي: ما عرفوا الله حق معرفته).
قلت: والخطاب في الآية لقريش، كما قال ابن عباس: (يعني مشركي قريش). وقيل لليهود، والأول أرجح. وبه قال ابن جرير، ورجحه كذلك ابن كثير، لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وأما قريش فقد حكى الله ذلك عنهم:
قال تعالى في سورة يونس: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾.
وقال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾.
فقد حاجَّهم سبحانه بقضية معروفة يَعْلمونها هُمْ نتيجة صلتهم ومعاملتهم لليهود، ويعلمها كل أحد، أن التوراة كتاب من عند الله أنزله على موسى ليستضاء به في كشف الشبهات والظلمات ومحو الجهالات التي كانت في حياة بني إسرائيل.
وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
فيه قراءتان:
القراءة الأولى: ﴿يَجعلونه قراطيس يُبْدونها ويخفون كثيرًا﴾ بالياء. وهي قراءة مجاهد.
فالمعنى: أن اليهود كانوا يجعلون التوراة في قراطيس يكتبونها من الكتاب الأصلي الذي بأيديهم ويحرفون فيها ويبدلون حسب الأهواء والمصالح، حتى أخفوا ما جاء فيها من إثبات نبوة محمد - ﷺ - ووجوب متابعته والإيمان معه.
القراءة الثانية: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾.
والمعنى، كما قال القاسمي ﵀: (فهو التفات من خطاب قوم إلى خطاب قوم آخرين. وهو التفات عند الأدباء - حكاه الخفاجيّ - وإنما جعل من الانتقال عن خطابهم إلى خطاب اليهودية، تعريضًا لهم بأن إنكارهم إنزال الله تعالى من جنس فعل هؤلاء بالتوراة في البطلان، وعدم الإسناد إلى برهان).
[ ٢ / ٦٧٧ ]
قلت: وكلا المعنيين حق يحتمله السياق، ويقتضيه البيان الإلهي، فإن كانت هذه الآية مدنية دون سائر السورة، وعني بالخطاب اليهود، كان التأويل واضحًا وسهلًا.
وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾.
قال ابن كثير: (أي: ومَن أنزل القرآن الذي عَلَّمَكُم الله فيه من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي ما لم تكونوا تَعْلمون ذلك لا أنتم ولا آباؤكم. وقد قال قتادة: هؤلاء مشركو العرب. وقال مجاهد: هذه للمسلمين).
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾.
قال ابن عباس: (أي: قلُ: الله أنزله).
وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. تهديد ووعيد.
قال القاسمي: (أي: يفعلون فعل اللاعب، وهو ما لا يجرّ لهم نفعًا، ولا يدفع عنهم ضررًا، مع تضييع الزمان).
والمقصود: اتركهم واعتزلهم حتى يأتيهم - وهم في غمرة ضلالهم وجهلهم - اليقين من الله، وحتى يوقنوا ويعاينوا لمن ستكون العاقبة أللمتقين أم للجاحدين المستهزئين.
وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
أي: وهذا القرآن كتاب من الله تعالى أنزله مباركًا مصدقًا ما سبقه من الكتب ومهيمنًا عليها، وناسخًا لما سلفه من الشرائع السابقة بأحكام استقرت إلى يوم الدين، ولا يقبل الله من أحد يجحد بهذا الكتاب وَلَوْ آمَنَ بكل الكتب السابقة.
وعن ابن عباس: (يعني بـ: ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ مكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من القرى إلى المشرق والمغرب).
وقال قتادة: (﴿أُمَّ الْقُرَى﴾، مكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، الأرض كلها). وقال: (بلغني أن الأرض دُحِيَت من مكة).
قلت: وأم كلّ شيء وسطه ومركزه وأصله - هكذا في كلام العرب - ومنه سميت مكة أم القرى لأنها توسطت الأرض.
والخلاصة: لتنذر - يا محمد - أهل مكة - ومن حولها من أحياء العرب وقبائلهم وكذلك من سائر طوائف بني آدم عربهم وعجمهم، فالكل داخل تحت بلاغ هذا النبي - ﷺ - ونذارته.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. . .﴾ [الأنعام: ١٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا. . .﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال جل ذكره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قال: [أعطيت خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرْتُ - بالرعب مسيرةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطَهورًا، فأيُّما رجل من أمَّتِي أدركتْهُ الصلاةُ فليصلِّ، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبْعَثُ إلى قومه خاصّةً وبُعثت إلى الناس عامة] (١).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.
المعنى: إن كل مَنْ صَدّق بالآخرة خاف الوعيد الذي سينزل بمن كذب بهذا القرآن وهذا النبي - عليه الصلاة السلام - فيحمله هذا الخوف - ولا بد - على الإيمان واليقين، والمحافظة على الصلاة عمود هذا الدين. قال النسفي: (خصت الصلاة بالذكر لأنها علم الإيمان وعماد الدين فمن حافظ عليها يحافظ على أخواتها ظاهرًا).
وقال القاسمي: (وتخصيصها لكونها أشرف العبادات بعد الإيمان، وأعظمها خطرًا).
وقال الرازي: (ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة]. أي: صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال ﵊: من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر (٢). فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام).
أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق، قال في هذه الآية: ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: أأي: يحافظون على مواقيتها).
ولا شك أن المحافظة عليها تشمل أيضًا المحافظة على أركانها وواجباتها ووضوئها وركوعها وسجودها وخشوعها، فهي عنوان التزام العبد بهذا الدين وَعَلَمُهُ وعمودُه.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٣٥) كتاب التيمم، وكذلك (٤٣٨)، (٣١٢٢)، ورواه مسلم.
(٢) روى مسلم في صحيحه عن جابر، قال رسول الله - ﷺ -: [بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة]. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٠٤).
[ ٢ / ٦٧٩ ]
التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ
عَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ
تَفْسِيرُ القُرآنِ الكَريمِ عَلَى مِنْهَاجِ الأَصْلَيْنِ العَظِيْمَيْنِ
- الوَحْيَيْنِ: القُرآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيْحَةِ -
عَلَى فَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ
تَفْسِيرٌ مَنْهَجِيٌّ فِقْهِيٌّ شَامِلٌ مُعَاصِرٌ
الجُزْءُ الثَّالِث
تأليف الأستاذ الدكتور
مَأْمُون حَمُّوش
[ ٣ / ١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٣ / ٢ ]
التَّفْسِيْرُ المَأْمُونُ
عَلَى مَنْهَجِ التَّنْزِيلِ والصَّحِيْحِ المَسْنُونِ
[ ٣ / ٣ ]
جميع حقوق الطبع والتصوير محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
موافقة وزارة الإعلام
رقم: ٩١٠٩٢
ورقم: ٩١٤٥١
تاريخ: ١٦/ ٧/ ٢٠٠٦ م
دمشق - سورية
يطلب من المؤلف
دمشق هاتف: ٣٢١٨٤٧١
المدقق اللغوي
الدكتور أحمد راتب حموش
[ ٣ / ٤ ]
٩٣ - ٩٤. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾.
في هذه الآيات: يقول سبحانه: ومن أشد جرمًا وأجهل فعلًا وأكثر بغيًا ممن اختلق على الله كذبًا أو ادعى النبوة والرسالة وأنه يوحى إليه من الله، أو زَعَمَ أنه سينزل مثل ما أنزل الله، ولو ترى - يا محمد - إذ يغمر الموت بسكراته حين موعده الظالمين المكذبين، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون لهؤلاء الظلمة: اخرجوا إلى سخط من الله وغضب، فتفرق أرواحهم في أجسادهم، فينتزعونها فتَقَطَّعُ مع ذلك النزع الشديد العروق والعصب، هذا يومكم الذي توعدون، وهذا الخزي جزاء ما كنتم تفترون على الله وتكذبون وتستكبرون. ولقد قدمتم - يوم القيامة - وحدانًا لا مال ولا سلطان ولا ولد ولا خدم، وخلفتم أيها القوم ما مكناكم في الدنيا مما فتنكم وأكثرتم به التباهي والاستكبار، وما نرى معكم مَنْ زعمتم أنهم سيكونون لكم شفعاء، بل تمزقت الأوصال بينكم وبينهم، وضل عنكم ما كنتم تزعمون.
فقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾.
قال ابن جرير: (ومن أخطأ قولًا وأجهل فعلًا ممن اختلق على الله كذبًا، فادعى عليه أنه بعثه نبيًا وأرسله نذيرًا، وهو في دعواه مبطل، وفي قيله كاذب).
قال عكرمة وقتادة: (نزلت في مُسيلمة الكذّاب). وذلك أنه زعم أن الله أوحى إليه.
قلت: وبنحوه الأسود العنسي وسجَاح زوج مُسَيلمة، كلهم تنبأ وزعم النبوة وورود الوحي من الله عليه، وهم مفترون في ذلك كاذبون، تشملهم الآية وتشمل أمثالهم إلى
[ ٣ / ٥ ]
يوم الدين. وقد أخبر النبي - ﷺ - عن تتابع ما لا يقل عن ثلاثين كذابًا على ذلك الافتراء - في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: [إن بين يدي الساعة كذابين، فاحذروهم] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في الصحيح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [يكون في آخر الزمان دجّالون كذّابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يُضلونكم ولا يفتنونكم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذّابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله] (٣).
وله شاهد عند أبي داود من حديث ثوبان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيّ الله، وأنا خاتم النبيين، لا نبيَّ بعدي].
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: [سيكون في أمتي دجالون كذّابون يحدثونكم ببدع من الحديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يفتنونكم].
وفي لفظ: [بين يدي الساعة قريب من ثلاثين دجالين كذابين، كلهم يقول: أنا نبي، أنا نبي].
وفي لفظ من طريق ابن عمر: [إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالًا كذابًا].
وفي لفظ عنده وعند الطبراني عن حذيفة: [في أمتي كذابون وَدَجَّالون، سبعة وعشرون، منهم أربعُ نسوة، وإني خاتم النبيين، لا نبيّ بعدي] (٤).
فهؤلاء الدجالون بين يدي الساعة يخرجون فيزعمون أنه يوحى إليهم من الله، وإنما
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٦/ ٤). وانظر مختصر صحيح مسلم (١١٩٦)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٦٦) - لتفصيل ذلك في علامات الساعة.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد ومسلم. انظر صحيح مسلم (٨/ ١٨٩). وانظر - للفظ أحمد - صحيح الجامع الصغير - حديث (٨٠٠٧)، والمرجع السابق (٢/ ٩٦٦) لتفصيل البحث.
(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢٠٢٣)، وتخريج المشكاة (٥٤٠٦) للشاهد بعده.
(٤) انظر تفصيل هذه الروايات في صحيح الجامع (٢٠٤٤)، وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٦٧).
[ ٣ / ٦ ]
هو في حقيقته تَنَزُّلٌ من الشياطين عليهم نتيجة انحراف مناهجهم فسلطهم الله عليهم كما قال جلت عظمته في سورة الشعراء: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾.
قال القرطبي: (قلت: ومن هذا النَّمط من أعرض عن الفقه والسّنَن وما كان عليه السلف من السنن فيقول: وقع في خاطري كذا، أو أخبرني قلبي بكذا، فيحكمون بما يقع في قلوبهم ويغلب عليهم من خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من الأكدار وخلوّها عن الأغيار، فتتجلّى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكليات ويعلمون أحكام الجزئيات فيَستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية العامة، إنما يحكم بِها عَلى الأغبياء والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص، فلا يحتاجون لتلك النصوص. وقد جاء فيما ينقلون: "استفت قلبك وإن أفتاك المُفْتون" (١) ويستدلون على هذا بالخَضِر، وأنه استغنى بما تجلّى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وهذا القول زَنْدَقَةٌ وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، فإنه يلزم منه هدّ الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا - ﷺ -).
وقوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
قال ابن كثير: (يعني: ومن ادّعى أنه يُعارض ما جاء من عند الله من الوحي بما يفتريه من القول، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا. . .﴾ [الأنفال: ٣١]).
وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾
قال ابن عباس: (هذا عند الموت. و"البسط"، الضرب، يضربون وجوههم
_________________
(١) حسن لشواهده. هو بعض حديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٨)، وأبو يعلى (١٥٨٦) عن وابصة بن مَعْبد، وللحديث شواهد، ولذلك حسنه النووي في الأربعين ح (٢٧)، وكذلك ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص (٢٢٠)، بعد أن أفاض في تخريجه، وأنه ورد من حديث أبي ثعلبة الخشني، وإسناده جيد، ومن حديث واثلة، وأبي هريرة، وغيرهم. والحديث يدل على الاستئناس بما يطمئن إليه القلب عند اختلاف الفتوى من أهل العلم، واختلاف الاستدلال، وعدم وضوح الحلال من الحرام نتيجة الاجتهادات المختلفة في فهم النصوص الشرعية، فإن للحق نورًا يسطع في قلب المؤمن، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. أي نورًا يفرق به بين الحق والباطل.
[ ٣ / ٧ ]
وأدبارهم). قال: (و﴿الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾، وملك الموت يتوفاهم).
وقال الضحاك: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾، يعني سكرات الموت).
وأصل الغَمْرة الشيء الذي يغمرُ الأشياء فيغطيها، ومنه قولهم: غَمَرَه الماء. ثم استعملت في الشدائد والمكاره. ومنه غمرات الحرب. قال الجوهري: (والغَمْرَة الشدة).
وقوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾.
قال القرطبي: (أي: خلصوها من العذاب إن أمكنكم، وهو توبيخ. وقيل: أخرجوها كرهًا، لأن روح المؤمن تَنْشَطُ للخروج للقاء ربه، وروح الكافر تُنْتَزَعُ انتزاعًا شديدًا).
وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾.
قال ابن كثير: (وذلك أن الكافر إذا احْتُضِرَ بشَّرته الملائكة بالعذاب والنَّكال، والأغلال والسَّلاسِل، والجحيم والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرَّق روحُه في جسده، وتَعْصِي وتأبى الخروج، فتضم بهم الملائكة حتى تخرجَ أرواحُهم من أجسادهم، قائلين لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ .. الآية، أي: اليوم تُهانون غايةَ الإهانة، كما كنتم تُكَذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله).
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم والطيالسي بسند صحيح من حديث البراء: قال رسول الله - ﷺ -: [ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه - أي: رأس الكافر أو الفاجر - فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول، فتقطع معها العروق والعصب] (١).
الحديث الثاني: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فإذا كان الرجل السوء قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٧)، وأبو داود (٢/ ٢٨١)، والنسائي (١/ ٢٨٢)، وابن ماجه (١/ ٤٦٩)، وأخرجه الحاكم (١/ ٣٧ - ٤٠) من حديث البراء بن عازب ﵁، وانظر رواياته المختلفة في: أحكام الجنائز ص (١٥٩).
[ ٣ / ٨ ]
الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسَّاق، وآخرَ من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: [وإن الكافر إذا خرجت روحُه - قال حمّاد وذكر من نَتْنِها، وذكَرَ لَعْنًا - ويقول أهل السماء: روحٌ خبيثةٌ جاءت من قِبَلِ الأرض، قال: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل] (٢).
وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.
قال القرطبي: (أي: تتعظمون وتأنفون عن قبول آياته).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
قال ابن جرير: "فرادى" وحدانًا لا مال معهم، ولا إناث، ولا رقيق، ولا شيء مما كان الله خولهم في الدنيا، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، عراة غلفًا غرلًا حفاة، كما ولدتهم أمهاتهم، وكما خلقهم جل ثناؤه في بطون أمهاتهم لا شيء عليهم ولا معهم مما كانوا يتباهون به في الدنيا).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراة غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾] الحديث (٣).
وقوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾.
أي: أتيتمونا مجردين من كل ما أعطيناكم وما مَلّكْناكم في هذه الحياة الدنيا، وخلفتم وراءكم النعم والأموال التي اقتنيتموها فلم يعد لكم فيها من لذة أو متاع. وأصل الخَوَل: ما أعطاه الله للإنسان من العبيد والنعم.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده، من حديث قَتادة عن مُطَرِّف، عن أبيه قال: [أتيت النبي - ﷺ - وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: يقولُ ابن آدم: مَالِي،
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه (٤٢٦٢)، وأحمد (٢/ ٦٤ - ٢٨٨ - ٢٩٦)، وله شواهد كثيرة.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨٧٢) - كتاب الجنة ونعيمها - باب: عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه. وحماد: هو حمّاد بن زيد، أحد الرواة.
(٣) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٢١٥١) ص (٥٧١). وغُرْلًا: أي غير مختونين.
[ ٣ / ٩ ]
مَالِي. قال: وهَلْ لكَ، يا ابن آدَمَ! مِنْ مَالِكَ إلَّا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ] (١).
وروى مسلم نحوه من حديث أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [يقول العَبْدُ: مالِي، مالِي، إنما له مِنْ مالِهِ ثلاثٌ: ما أَكَلَ فأفنى، أو لَبِسَ فَأَبْلَى، أو أَعْطَى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ، وتاركه للنَاس] (٢).
وقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾.
قال السدي: (فإن المشركين كانوا يزعمون أنهم كانوا يعبدون الآلهة، لأنهم شفعاء يشفعون لهم عند الله، وأن هذه الآلهة شركاء لله).
والآية توبيخ للمشركين وتقريع بفساد منهجهم، فإنهم ظنوا أن الأمر في الآخرة يمكن أن يعالج بمثل ما كانوا يعالجون قضايا حياتهم الدنيا، فأخبرهم الله سبحانه أنه لا ينفع اليوم واسطة ولا رشوة، ثم لا شفاعة لتلك الآلهة التي كانوا يعبدونها، وإنما الشفاعة يوم القيامة للملائكة والنبيين والصالحين حين يأذن الله تعالى لهم، وشفاعتهم منحصرة بالمؤمنين دون الكافرين والمشركين.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢ - ٢٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣].
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠].
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله لا يظلم
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (٢٩٥٨) - كتاب الزهد - باب: الدنيا سجن للمؤمن وجنة للكافر. ورواه أحمد في المسند (٤/ ٢٤)، والترمذي (٢٣٤٢)، والنسائي (٦/ ٢٣٨)، وابن حبان (٧٠١). من حديث قتادة عن مُطرِّف عن أبيه مرفوعًا.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٩٥٩) - كتاب الزهد. الباب السابق، وله شواهد كثيرة.
[ ٣ / ١٠ ]
مؤمنًا حسنته يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يجزى بها] (١).
وقوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾.
المعنى: لقد تقطع الوصل بينكم وما كان يجمعكم، وحاد عن طريقكم ومنهاجكم ما كنتم تظنونه من رجاء الأصنام وشفاعة الأوثان، وبدا لكم من الله ما لم تكونوا تحتسبون.
فعن مجاهد: (﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قال: تواصلهم في الدنيا). وقال قتادة: (وصلكم). وقال أيضًا: (ما كان بينكم من الوصل). وقال ابن عباس: (﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، يعني الأرحام والمنازل).
وقراءة أهل المدينة بالنصب ﴿لَقَدْ تَّقَطَعَ بَيْنَكُمْ﴾ - أي: تقطع ما بينكم. في حين قرأها قراء مكة وأهل العراق: ﴿لَقَدْ تَّقَطَّعَ بَيْنُكُمُ﴾ بالرفع، أي: لقد تقطع وصلكم وشملكم. وكلاهما قراءتان مشهورتان.
والمقصود أن الأمر سينقلب على المشركين يوم القيامة، وسيمزق الله الأرحام والأنساب والأوصال التي جمعتهم على الشرك بالله تعالى، وسيرون فساد المنهج الذي ضمّهم ووصلهم.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾.
٣ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
_________________
(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم (٦٠) - كتاب الإيمان. باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا. وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٧٥٧) في تفصيل بحث الشفاعة - ومن يحال بينه وبين الشفاعة.
[ ٣ / ١١ ]
٩٥ - ٩٧. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾.
في هذه الآيات: إن الله سبحانه - معشر العادلين به الآلهة والأنداد - هو الذي فلق الحب فشقّه من كل نبات ينبت في الأرض وأخرج لكم به الزرع، وكذلك فلق النوى - مما له نواة - فأخرج لكم به الشجر، يخرج السنبل الحي من الحب الميت، ويخرج الحب الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي، أفلا يستحق هو أن يفرد بالعبادة والتعظيم أيها الجاهلون. وهو الذي شق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده، فأضاء لكم به الفجر وما بعده، بعد أن جعل لكم الليل سكنًا، فاستقر كل شيء وهدأ راحة لكم ونعمة يحتجّ بها عليكم، وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب، تحصون بذلك عدد الأيام والشهور والسنين، ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم علامات تهتدون بها إذا ضللتم الطريق في البر والبحر، أفلا تعني لكم هذه الآيات الكبيرة بطلان شرككم والنهوض لعبادة الواحد الأحد، الجبار القهار الذي دانت له السماوات وما فيهن والأرضين وما فيهن.
فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾.
قال السدي: (أما ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: ففالق الحب عن السنبلة، وفالق النواة عن النخلة).
وقال قتادة: (يفلق الحب والنوى عن النبات). وقال الضحاك: (خالق الحب والنوى).
وقال مجاهد: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: الشقان اللذان فيهما).
وخلاصة المعنى كما قال الحافظ ابن كثير: (﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ أي: يشُقُّهُ في الثرى فَتَنْبُتُ الزروعُ على اختلاف أصنافها من الحبوب، والثمار على اختلاف أشكالها وألوانها وطعومها من النوى. ولهذا فسّر قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، أي: يُخرجُ النباتَ الحيَّ من الحبِّ والنوى الذي هو كالجماد
[ ٣ / ١٢ ]
الميت، كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ إلى قوله ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦]).
وقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾. معطوف على قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾.
قال ابن عباس: (يخرج النطفة الميتة من الحي، ثم يخرج من النطفة بشرًا حيًا).
وقال السدي عن أبي مالك: (النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة). قال السدي: (أما ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، فيخرج السنبلة الحية من الحبة الميتة، ويخرج الحبة الميتة من السنبلة الحية، ويخرج النخلة الحية من النواة الميتة، ويخرج النواة الميتة من النخلة الحية).
ولا شك أن الآية تشمل كل إخراج للميت من الحي والحي من الميت حقيقة أو كناية، فيدخل في ذلك خروج الولد الصالح من الكافر، والكافر من الصالح، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، وغير ذلك.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
أي: إن الذي أجرى هذه السنن وأمضى هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له، فكيف تصرفون عن عبادته وإفراده بالتعظيم والكبرياء، فتعبدون معه غيره.
أخرج الإمام أحمد في المسند، وأبو داود في السنن، بسند صحيح، عن أبي تميمة عن رجل من قومه، أنه أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: أنت رسول الله أو قال: أنت محمد؟ فقال: نعم. قال: فإلامَ تَدْعو؟ قال: [أدعو إلى ربك الذي إن مَسَّكَ ضر فدعوته كشَف عنكَ، والذي إن أضللت بأرضٍ قفرٍ فدعوته ردّ عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت لك] (١).
وقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾.
قال مجاهد: (إضاءة الفجر). وقال الضحاك: (إضاءة الصبح).
وعن ابن عباس: (يعني بالإصباح، ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٦٤) وإسناده صحيح على شرطهما، وجهالة الصحابي لا تضر. وأخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٤٠٨٤). وانظر تخريج مشكاة المصابيح (٩١٨)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٤٢).
[ ٣ / ١٣ ]
قال ابن جرير: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾، شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وسواده).
والإصباح مصدر، من قول القائل: أصبحنا إصباحًا.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾.
قال النسفي: (أي: ليسكن فيه الخلق عن كدّ المعيشة إلى نوم الغفلة، أو عن وحشة الخلق إلى الأنس بالحق).
وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾.
قال ابن عباس: (يعني عدد الأيام والشهور والسنين).
وقال: (يجريان إلى أجل جُعِل لهما). وقال الربيع: (الشمس والقمر في حساب، فإذا خلت أيامهما فذاك آخر الدهر، وأول الفزع الأكبر). وقال قتادة: (يدوران في حساب).
وفي التنزيل: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].
والحسبان في كلام العرب جمع حِساب، والمقصود أن الشمس والقمر يمضيان بحساب ويدوران لمصالح العباد، حتى يبلغا نهاية أمرهما وحد آجالهما. قال السيوطي: (فالآية أصل في الحساب والميقات).
وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو فيقول: [اللهم فالقَ الإصباح وجاعلَ الليل سكنًا والشمس والقمر حُسبانًا اقض عني الدَّيْن وأغنني من الفقر وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك] (١).
قلت: ويَشهد لبعض هذه المعاني ذلك الدعاء الجامع الذي كان يدعو به رسول الله - ﷺ - عند النوم. ففي صحيح مسلم عن جرير عن سُهيل قال: [كان أبو صالح يأمُرُنا، إذا أراد أحَدُنا أن ينامَ، أن يضطجعَ على شِقِّهِ الأيمن، ثم يقول: اللهمَّ! ربَّ السماوات وربَّ الأرض ورَبَّ العَرْشِ العظيم، ربَّنا وَرَبَّ كُلِّ شيء، فالِقَ الحَبِّ والنوى، ومُنْزِلَ التوراةِ والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شَرِّ كل شيءٍ أنت آخذٌ بناصِيَتِهِ، اللهمَّ! أنت
_________________
(١) صحيح. أخرجه مالك في الموطأ (٤٩٣) باب (٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٥/ ٨) عن مسلم بن يسار، وأورده القرطبي في التفسير - وقال المحقق عبد الرزاق المهدي: (وهذا مرسل يعضد مرسل يحيى بن سعيد عند مالك). يعني حديث ابن أبي شيبة عن مسلم بن يسار، ولبعضه شواهد.
[ ٣ / ١٤ ]
الأول فليس قبلك شَيْء، وأنت الآخر فليس بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقكَ شَيْءٌ، وأنت الباطنُ فليس دونك شيءٌ، اقْضِ عنا الدَّينَ وأغْنِنا من الفَقر. وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -] (١).
وفي رواية: عن سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة قال: [كان رسول الله - ﷺ - يأمُرُنا، إذا أخذنا مضاجِعَنا أن نقولَ، بمثل حديث جرير، وقال: "من شرِّ كل دابة أنت آخِذٌ بناصيتَها"].
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
قال القاسمي: ﴿ذلك﴾ أي: التسيير بالحساب المعلوم ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ أي: الغالب على أمره، ﴿العليم﴾ بتدبيرهما، ومراعاة الحكمة في شأنهما).
وقال الرازي: ﴿العزيز﴾ إشارة إلى كمال قدرته، و﴿العليم﴾ إشارة إلى كمال علمه).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
قال ابن عباس: (يضل الرجل وهو في الظلمة والجور عن الطريق).
أي: فجعل الله النجوم يهتدي بها الضال في سبيله في البر أو في البحر، فيعدل مساره.
وفي صحيح البخاري عن قتادة قال: (خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلاماتٍ يُهتدى بها. فمن تأول غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وكلف ما لا عِلْمَ له به).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥].
قال شيخ الإسلام ﵀: (وقد أخبر سبحانه في كتابه من منافع النجوم، فإنه يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وأخبر أنها زينة للسماء الدنيا، وأخبر أن الشياطين تُرجم بالنجوم).
قلت: فإن ثمة علمًا صحيحًا يستنبط من دوران النجوم وحركة الشمس والكواكب، وهو علم الفلك الثابت بالحسابات والجداول المعروفة عند أهل هذا التخصص، وهذا
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٧١٣) - كتاب الذكر والدعاء، باب الدعاء عند النوم.
[ ٣ / ١٥ ]
علم مباح وفيه فوائد كثيرة، وقد استعمله العرب قديمًا وأقره الإسلام، فقد كانوا يهتدون إلى الجهات في أسفارهم بما يعلمونه عن حركات الكواكب وظهور وأفول النجوم. ثم أثبت الله سبحانه أنه جعل هذه النجوم ترجُمُ الشياطين رحمة منه بعباده، ليظهر لهم كذب هؤلاء الدجالين من السحرة والعرافين والمنجمين، الذين لا يستطيعون إتمام استراق خبر كامل من السماء، فيلجؤون إلى إكمال الخبر بالكذب، والطلاسم والسحر.
أخرج الإمام أحمد في المسند بسند قوي عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد] (١).
وعند ابن عساكر - عن أبي محجن مرفوعًا: [أخاف على أمتي ثلاثًا: حيف السلطان، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا بالقدر] (٢).
وقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: بيّنا هذه الحجج والدلالات لقوم يحبون معرفة الحق فلا يستمرون في الخوض في الباطل والشبهات.
٩٨ - ٩٩. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾.
في هذه الآيات: يتابع الله تعالى بيان آلائه ونعمه على الجاحدين توحيده فيقول: وإلهكم - أيها المشركون العادلون بالله أوثانكم وآلهتكم - الذي أوجدكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئًا، فخلقكم من صلب أبيكم آدم فتناسلتم وقد جعل المستقر في الأرحام والمستودع في الأصلاب فانحدرت الذرية المتتابعة فكان أجدادكم ثم آباؤكم
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٧) من حديث عبد الله بن عباس ﵄. وسنده قوي كما جاء في تحقيق "فتح المجيد" ص (٣٢٧).
(٢) حديث صحيح. رواه ابن عساكر، وحسنه السيوطي، انظر المرجع السابق ص (٣٦٧).
[ ٣ / ١٦ ]
ثم أوجدكم من بعدهم، وقد بينا لكم الحجج وميزنا الأدلة والعبر لكم لعلكم تعتبرون. إن الله ربكم هو الذي أنزل لكم من السماء ماء فأخرج لكم به نباتكم ونبات أنعامكم وأرزاقكم المختلفة، وأخرج منه رطبًا من الزرع أخضر، وأخرج من الخضر حبًا في السنابل، ومن النخل من طلعها قنوانه دانية لاصقة عُذوقها بالأرض تنعمون بقربها من أيديكم وسهولة تناولها، وأخرج لكم جنات من أعناب، وأخرج الزيتون والرمان مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمره، متاعًا لكم، فانظروا إلى ثمر هذه الأشجار المختلفة ونضجه إذا نضج، إن في كل ذلك لآيات لقوم يثبتون التعظيم لله وحده، ويعظمون أوامره وينتهون عن محرماته.
فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾.
قال ابن جرير: (يعني الذي ابتدأ خلقكم من غير شيء، فأوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئًا).
وعن السدي وقتادة: (﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، قال: من آدم ﵇).
وقوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ - فيه أقوال:
١ - القول الأول: هو الذي أنشاكم من نفس واحدة، فمنكم مستقِرٌّ في الرحم، ومنكم مستودع في القبر حتى يبعثه الله لنشر القيامة.
قال ابن مسعود: (مستقرها في الأرحام، ومستودعها حيث تموت).
وقال إبراهيم: (مستقرها في الأرحام، ومستودعها في الأرض، حيث تموت فيها).
٢ - القول الثاني: المستودع أصلاب الآباء، والمستقر بطون النساء وبطون الأرض أو ظهورها.
فعن سعيد بن جبير: (﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾، قال: مستودعون، ما كان في أصلاب الرجال. فإذا قرّوا في أرحام النساء أو على ظهر الأرض أو في بطنها، فقد استقروا).
٣ - القول الثالث: قيل بل المعنى: فمستقر في الأرض على ظهورها، ومستودع عند الله.
قال مجاهد: (المستقر في الأرض، والمستودع عند ربك).
وقال إبراهيم، قال عبد الله: (مستقرها في الدنيا، ومستودعها في الآخرة).
٤ - القول الرابع: فمستقر في الرحم، ومستودع في الصلب.
[ ٣ / ١٧ ]
قال ابن عباس: (﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: مستقر في الرحم، ومستودع في صلب، لم يخلق سَيُخْلق). وقال: (المستقر في الأرحام، والمستودع في الصلب، لم يخلق وهو خالقه). وقال عكرمة: (المستقر الذي قد استقر في الرحم، والمستودع الذي قد استودع في الصلب).
قلت: والراجح القول الرابع، فهو أقرب للسياق، واختاره الحافظ ابن كثير، في حين اعتبر شيخ المفسرين كل التأويلات السابقة واردة، والله تعالى أعلم. وقد رأى آدم ﵊ كل ذريته التي أخرجها الله من صلبه أمامه بنعمان قريب من عرفات.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد حسن عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: [أخذ الله ﵎ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلًا قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]] (١).
وقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾.
قال قتادة: (﴿فَصَّلْنَا﴾ بينا وقررنا). وقال ابن جرير: (قد بينا الحجج، وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ مواقعَ الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبّهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عاينوا من البشر، وخلقي ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
أي: وإن من آياته العظيمة الدالة على وجوب إفراده بالعبادة والتعظيم أنه أنزل الماء بأمره من السماء فأخرج به بقدرته العجيبة بدائع من النبات من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأقوات بني آدم ومطاعمهم وما يتغذون به فينبتون عليه وينمون).
وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾.
قال الأخفش: (أي: أخضر). قال القرطبي: (والخَضِر رطب البقول).
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٩١)، وأخرجه الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا. وانظر الروايات المختلفة في بحث "الميثاق" من كتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٦٦).
[ ٣ / ١٨ ]
وقوله: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾.
أي: السنابل التي حبُّها يركب بعضه بعضًا.
قال ابن عباس: (يريد القمح والشعير والسُّلت (١) والذرة والأرز وسائر الحبوب).
وقال السدي: (فهذا السنبل). والمقصود أنه يركب بعضه على بعض كالسنبلة.
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾.
أي: عذوق قريبة متهدلة.
قال ابن عباس: (يعني بـ "القنوان الدانية"، قصار النخل، لاصقة عُذُوقها بالأرض).
وقال قتادة: (عذوق متهدلة). وقال البراء: (قريبة). وقال الضحاك: (يعني النخل القصار الملتزقة بالأرض، و"القنوان" طلعه).
والمقصود: أنها دانية قريبة المنال، لتهدّل العُذوق من الطلع.
والقِنْوان: جمع قِنْو أو قُنْو، وهو العِذْق.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾.
أي: وأخرجنا كذلك بساتين من أعناب.
وقوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾.
أي: متشابهًا في الأوراق، أو النظر، مختلفًا في المذاق والطعم.
قال قتادة: (مشتبهًا ورقه، مختلفًا ثمره). وقال ابن جرير: (مشتبهًا في النظر، وغيرَ متشابه في الطعم، مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف).
قال القرطبي: (وخصّ الرمان والزيتون بالذكر لقربهما منهم ومكانهما عندهم. وهو كقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. ردّهم إلى الإبل لأنها أغلب ما يعرفونه).
وقوله: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾.
أي: تدبروا في صنع الله سبحانه إذ أخرجه لكم من العدم ثمارًا مختلفة الألوان والأشكال والروائح والطعوم، وبعد أن كان حطبًا صار عنبًا ورطبًا، فإذا أنتم تنعمون به عند نضجه وبلوغه حين ينضج ويبلغ.
قال ابن عباس: (﴿ينعه﴾ نضجه). وقال: (يعني: إذا نضج).
_________________
(١) السُّلت: ضرب من الشعير أبيض لا قشر له.
[ ٣ / ١٩ ]
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
فخص بالذكر المؤمنين، لأنهم هم المنتفعون بحجج الله وآياته ومواعظه، دون غيرهم ممن طبع الله على قلبه، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه.
١٠٠ - ١٠٣. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: ومن آثام هؤلاء المشركين بربهم وشركهم به أن جعلوا لله الجن شركاء، وهو خالقهم، واختلقوا له بنين وبنات افتراء على الله وسوء أدب منهم مع جلاله وعظمته سبحانه وتعالى عما يصفون. إنه - جلت عظمته - مبتدع هذه السماوات وهذه الأرض ومحدثها وموجدها بعد أن لم تكن، وخلق ما في هذا الكون الفسيح من مخلوقات ولم تكن قبله شيئًا، أفبعد هذا يكون لله ولد، والولد إنما يكون من الذكر والأنثى، وجلّ الله وعزّ عن اتخاذ صاحبة، فهذا يكون للمخلوق الضعيف الذي يحتاج إلى ذلك، أمَا والله تعالى هو الذي خلق كل شيء وهو به عليم فإنه - جل ذكره - يتنزه عن تلك النعوت التي يُطلقها المشركون، ولا يتأدبون ولا يخجلون. إن الذي خلق كل شيء، وعلم كل ما كان وما يكون وما سيكون هو الله الواحد الأحد المستحق للعبادة، وهو على كل ما خلق من شيء رقيب وحفيظ، وإليه التدبير والتصريف وتقسيم الأرزاق والأقوات، ولا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها وهو اللطيف الخبير.
قال قتادة: (﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ كذبوا، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾، عما يكذبون. أما العرب فجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون من الغلمان، وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون).
وعن السدي: (﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، يقول: قطعوا له بنين وبنات، قالت العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى: المسيح وعزير ابنا الله).
[ ٣ / ٢٠ ]
وقال ابن زيد: (فكل خرقوا الكذب، و"خرقوا"، اخترقوا). وقال مجاهد: ("خرقوا": كذبوا).
فالمعنى كما قال ابن جرير: (وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير، ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾، يقول: وتخرصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات، بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبغي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك).
وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
قال قتادة: (عما يكذبون).
وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال ابن زيد: (هو الذي ابتدع خلقهما ﷻ، فخلقهما ولم يكونا شيئًا قبله).
وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾.
قال ابن كثير: (أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: والولدُ إنما يكون متولِّدًا عن شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يُشابهه شيء من خلقه، لأنه خالقُ كل شيء، فلا صاحبة له ولا وَلَد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم]).
وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
أي: هو الله سبحانه الذي أبدع الجنّ والإنس - الولد والذكر والأنثى، البنين والبنات والصاحبة - وكل شيء في هذا الكون الفسيح، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وهو وحده الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء.
قال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾.
[ ٣ / ٢١ ]
وقال تعالى في سورة يس: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [قال الله تعالى: كذبني ابنُ آدم، ولَمْ يَكُنْ له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ فزعم أني لا أقدِر أن أعيدَه كما كان، وأما شَتْمُهُ إيايَ، فقوله: لي ولد، فسبحاني أن أتخِذَ صاحبة أو ولدًا].
وله لفظ مقارب عنده أيضًا - من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال: [قال الله تعالى: كذبني ابنُ آدم ولم يكنْ له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبُهُ إيَّاي فقَوْلُه: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلُ الخلق بأهْوَنَ عليَّ من إعادتِه، وأما شتمُهُ إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصَّمدُ، لم ألِدْ ولم أُولَدْ، ولم يكن لي كُفُوًا أحد] (١).
قال البخاري: (والعرب تُسَمِّي أشرافَها الصَّمَد. قال أبو وائِلٍ: هو السَّيِّدُ الذي انتهى سُؤددُهُ).
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾.
أي: إن الموصوف بما سبق من صفات الجمال والكمال، البعيد رتبته عن مراتب من يشارك أو ينسب إليه الولادة، الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة هو الله ربكم ورب كل شيء، فأفردوه بالإلهية والعبادة والتعظيم، فإن من جمع تلك الصفات استحق العبادة وحده.
وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
أي: رقيب وحفيظ، وكل شيء من تدبيره وتحت تصريفه. قال القاسمي: (يدبر كلّ ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار).
وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.
قال ابن عباس: (لا يحيط بصر أحدٍ بالمَلِكِ). وقال قتادة: (وهو أعظم من أن تدركه الأبصار). وقال إسماعيل بن عُلَيَّة: (هذا في الدنيا).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٩٧٤)، كتاب التفسير، وكذلك نحوه (٤٩٧٥)، باب قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، وأخرجه في كتاب بدء الخلق (٣١٩٣)، وانظر صحيح الجامع الصغير (٤٢٠٣) للرواية الأولى، وكذلك (٤١٩٩) من حديث أبي هريرة.
[ ٣ / ٢٢ ]
قلت: لقد أثبت الله سبحانه الرؤيا للمؤمنين يوم القيامة، ينظرون إلى وجه ربهم ﷿، فما أعطوا في الدنيا ولا في الآخرة نعمة هي أعظم من تلك النعمة ولا أقر لأعينهم، وأما في الدنيا فلا أحد كتب الله له ذلك، فهذا نبي الله موسى ﵊ من أولي العزم من الرسل ما استطاع رؤية تجلي الله سبحانه للجبل حتى خر صعقًا.
قال الله في سورة الأعراف: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾.
وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي موسى قال: [قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات فقال: إن الله تعالى لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْطَ ويرفَعُه، ويُرفَعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه] (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: [سألت رسول الله - ﷺ - هل رأيت ربك؟ قال: نورٌ أنَّى أراه] (٢). وفي لفظ: (رأيت نورًا).
فإذا كان يوم القيامة هيّأ الله سبحانه المؤمنين لرؤيته وأذن لهم بذلك:
قال جل ثناؤه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
وأما الكفار فيحرمهم ربهم من هذه النعمة العظيمة فلا يبصرون إلا ما يخزيهم: قال جل ذكره: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
قال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: [حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى] (٣). وفي رواية: (ما حجب الفجار إلا وقد عَلِمَ أن الأبرار يرونه ﷿).
_________________
(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (١٧٩) - كتاب الإيمان. وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان (١/ ٢٠٦) - بحث - رؤية الله يوم القيامة - لتفصيل البحث.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٧٨) - كتاب الإيمان. باب في قوله ﵇: (نور أنى أراه).
(٣) انظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١٠ - رؤية الله يوم القيامة) (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
[ ٣ / ٢٣ ]
وفي التنزيل أيضًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم.
ففي صحيح مسلم عن صهيب، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار! قال: فيرفَعُ الحجاب فينظرون إلى وجه الله، فما أعطوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾] (١).
وفي أفراد مسلم عن جابر في حديثه: [إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك] (٢).
يعني في عرصات القيامة - مما يدل أن المؤمنين ينظرون إليه سبحانه في العرصات وفي روضات الجنات.
وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله فال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنكم سترون ربكم عِيانًا. وفي رواية: كنا جلوسًا عند رسول الله - ﷺ - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾] (٣).
وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - قال: [وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن] (٤).
وقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.
قال السدي: (لا يراه شيء، وهو يرى الخلائق). أي: يحيط بها ويعلمها - كما قال جل ذكره: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك].
وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
قال أبو العالية: (اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها). وفي التنزيل: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٨١)، وأخرجه الترمذي (٢٥٥٢)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٣٣).
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٩١) في صحيحه - في أثناء حديث مطول.
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (٥٧٣)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٤/ ٣٦٢).
(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٨٧٨)، وأخرجه مسلم (١٨٠)، وأحمد (٤/ ٤١١).
[ ٣ / ٢٤ ]
إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان].
قال ابن جرير: (فلطف بقدرته فهيأ أبصار خلقه هيئة لا تدركه، وخبرَ بعلمه كيف تدبيرها وشؤونها وما هو أصلح بخلقه).
وقال النسفي: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ أي: العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها. ﴿الْخَبِيرُ﴾ العليم بظواهر الأشياء وخفياتها، وهو من قبيل اللف والنشر).
١٠٤ - ١٠٧. قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرٌ من الله تعالى لنبيّه - ﷺ - أن يقول لهؤلاء المشركين المكذبين بالله ورسوله: إنه قد جاءكم ما تبصرون به الهدى من الضلال، والحق من الباطل، فمن تبيّن هذه الحجج فآمن بالله وصدّق رسوله فإنما يختار حظ نفسه وسبيل سعادتها، ومن تنكر لهذه البراهين والدلالات فهو يضر نفسه ويوردها سبيل هلاكها، وما أنا بالذي يحصي عليكم أعمالكم إنما هو ربكم ﷿، الذي لا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأعمالكم. وهذه الآيات نتابع تصريفها وبيانها ولئلا يقولوا: درست - أي: قرأت أنت يا محمد، من كتب أهل الكتاب - وإنما هي آيات الله وحججه يوضحها لقوم يفهمون ويعقلون. اتبع يا محمد ما أمرك به ربك في وحيه ودع أمر المعاندين المكذبين، فإنه لا معبود يستحق العبادة وإخلاص التعظيم إلا الله، فأعرض عنهم واترك مجادلتهم وخصومتهم، فلو أراد ربك هدايتهم لكان ما أراد وإنما هو سبحانه أعلم بالشاكرين، وما أنت بقيم عليهم بل أرزاقهم وأقواتهم وآجالهم بيد الله خالقهم وهو على كل شيء حفيظ رقيب.
فقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال قتادة: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: بينة).
[ ٣ / ٢٥ ]
وقوله: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾.
قال القرطبي: (الإبصار: هو الإدراك بحاسة البصر، أي: فمن استدل وتعرّف فنفسه نفع).
وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾.
قال القاسمي: (أي: ضل عن الحق. والتعبير عنه بـ "العمى" للتقبيح له، والتنفير عنه، ﴿فَعَلَيْهَا﴾ أي: فعلى نفسه عمى، وإياها ضر بالعمى).
وقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾.
قال النسفي: (أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾.
قال السدي: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾، لهؤلاء العادلين بربهم، كما صرفتها في هذه السورة، ولئلا يقولوا: درست). وقال ابن عباس: (قالوا: قرأت وتعلمت. تقول ذلك قريش).
قال ابن جرير: (﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، يا محمد، بمعنى: تعلمت من أهل الكتاب).
وهناك قراءة ثانية: ﴿دارست﴾. قال ابن عباس: (قالوا: دارست أهل الكتاب، وقرأت الكتب وتعلمتها). وقراءة ثالثة: "دُرِسَتْ". قال قتادة: (أي: قرئت وتعلمت).
وقراءة رابعة: "دَرَسَتْ". قال الحسن: (أي: انمحت) - بمعنى تقادمت. واختار ابن جرير القراءة الأولى "دَرَسْتَ" - أي تعلمت من أهل الكتاب. كما في التنزيل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
وقوله: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: ولنوضِّحَهُ لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه).
وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
قال القرطبي: (يعني القرآن، أي: لا تشغل قلبك وخاطرك بهم، بل اشتغل بعبادة الله). وقال القاسمي: (وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اعتراض أكّد به إيجاب الاتباع، أو
[ ٣ / ٢٦ ]
حال مؤكدة من ﴿ربك﴾، بمعنى: منفردًا في الألوهية).
وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.
قال أبو مسلم: (أريد بالإعراض الهجران لهم دون الإنذار، وترك الموعظة). وقال المهايمي: (أي: لا تحزن عليهم إذا أَصرّوا على الشرك والعمى مع هذه البصائر. فإنه تعالى أراد بقاءهم على الشرك والعمى، لاقتضاء استعدادهم ذلك).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
٤ - وقال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤].
أخرج الترمذي في جامعه بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله ﷿] (١).
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
قال ابن عباس: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، يقول سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين).
وقال القرطبي: (﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ نصّ على أن الشرك بمشيئته، وهو إبطال
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢/ ١٠٧)، وابن حبان (١٨١٢)، والحاكم (١/ ٣٠)، وأحمد (٢/ ١٧٦). وأخرجه الآجُرِّي في "الشريعة" (ص ١٧٥)، وأحمد (٢/ ١٩٧) من طرق أخرى. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٠٧٦). قال الألباني: رجاله كلهم ثقات.
[ ٣ / ٢٧ ]
لمذهب القدرية. ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لا يمكنك حفظهم من عذاب الله).
وقال ابن كثير: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: أي: حافظًا يحفظ أعمالهم وأقوالهم).
وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: ولست عليهم بقيِّم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم ولا بحفظهم، فيما لم يُجْعَل إليك حفظه من أمرهم).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].
١٠٨. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾.
في هذه الآية: توجيه من الله تعالى لنبيّه - ﷺ - وللمؤمنين بعدم التعرض لآلهة المشركين بالسَّب خشية أن يقعوا في سب الله جهلًا دون علم، واعتداءً وبغيًا دون فهم، وكذلك زيَّن الله لكل جماعة من الأمم ما اجتمعوا عليه من عمل، ثم مردهم إلى الله فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها.
قال قتادة: (كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردّون ذلك عليهم، فنهاهم الله أن يستَسِبّوا لربهم، فإنهم قومٌ جهلة لا علم لهم بالله).
وقال ابن زيد: (﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، قال: إذا سببت إلهه سبَّ إلهك، فلا تسبوا آلهتهم).
قال القرطبي: (قال العلماء: حكمها باقٍ في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في مَنَعة وخِيف أن يَسُبَّ الإسلام أو النبي ﵇ أو الله ﷿، فلا يحلّ لمسلم أن يَسُبَّ صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدّي إلى
[ ٣ / ٢٨ ]
ذلك، لأنه بمنزلة البعث على المعصية، وعبّر عن الأصنام وهي لا تعقل بـ ﴿الذين﴾ على معتقد الكفرة فيها).
وهذه الآية دليل على وجوب الحكم بسدّ الذرائع، والأخذ بفقه الموازنات، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - ﷺ - قال: [من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه] (١).
وقوله: ﴿عَدْوًا﴾.
من الاعتداء. تقول العرب: عدا فلان على فلان إذا ظلمه واعتدى عليه.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾.
قال ابن كثير: (أي: وكما زيّنا لهؤلاء القوم حُبَّ أصنامهم والمحاماةَ لها والانتصار، كذلك زيَّنا لكل أمة أي من الأمم الخالية على الضلال عملهم الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختار).
قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل]. فالإضلال والتزيين بحكمة الله وعدله.
قال ابن عباس: (زينا لأهل الطاعة الطاعة، ولأهل الكفر الكفر).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
أي: ثم مصيرهم ومعادهم إلى ربهم، ويومئذ يكشف لهم سجلات أعمالهم ويعرضها على الميزان للحساب والجزاء. قال ابن جرير: (فيُوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملون بها في الدنيا، ثم يجازيهم بها، إن كان خيرًا فخيرًا، وإن كان شرًا فشرًا، أو يعفو بفضله، ما لم يكن شركًا أو كفرًا).
١٠٩ - ١١٠. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٥٩٧٣)، وأخرجه مسلم (٩٠)، وأبو داود في السنن (٥١٤١)، والترمذي في الجامع (١٩٠٢).
[ ٣ / ٢٩ ]
وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾.
في هذه الآيات: أقسم هؤلاء المشركون العادلون بربهم أوثانهم وأصنامهم، فحلفوا بالله أَوْكَدَ الحلف وأَشَدَّ الأَيْمان، لئن جاءتهم آية تُصدق ما يقول محمد كما جاءت الأمم قبلهم ليؤمنن بها وأن محمدًا رسول من عند الله، فأجابهم ربهم سبحانه: هو القادر على إرسال ذلك دون كل أحد من خلقه، ولكن ما يدريكم أنها إذا جاءت سوف يؤمنون. إنه سبحانه هو يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرفها كيف يشاء، وأن قلوبهم بيد الله لو شاء أقامها ولو شاء أزاغها، وأبصارهم بيده فلو شاء أعماها عن رؤية الحق ومعرفة مواضع الحجة، كما لم يؤمنوا - بتقليب الله لها قبل ذلك، ومن ثمَّ نذرهم في تمردهم وشكهم واعتدائهم يترددون ولا يهتدون.
فقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
أي: حلفوا بالله غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم. وجَهْدُ اليمين أشدها. وهو بالله.
قال القاسمي: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في موقع الحال. أي: أقسموا به تعالى جاهدين في أيمانهم، باذلين في توثيقها طاقتهم).
وقال القرطبي: (وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، وأن هذه الآلهة إنما يعبدونها ظنًا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، كما أخبر عنهم بقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وكانوا يحلفون بآبائهم وبالأصنام وبغير ذلك، كانوا يحلفون بالله تعالى وكانوا يسمّونه جَهْد اليمين إذا كان اليمين بالله).
وقوله: ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾.
أي: معجزة وخارق، ليصدقنّها.
قال ابن جرير: (قالوا نقسم بالله لئن جاءتنا آية تصدق ما تقول، يا محمد، مثل الذين جاء مَنْ قبلنا من الأمم، ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾، يقول: قالوا: لنصدقن بمجيئها بك، وأنك لله رسولٌ مرسل، وأنّ ما جئتنا به حقٌّ من عند الله).
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
قال ابن كثير: (أي: قل - يا محمد - لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تَعَنُّتًا وكفرًا
[ ٣ / ٣٠ ]
وعِنادًا، لا على سبيل الهُدى والاسترشاد: إنما تَرْجِعُ هذه الآياتُ إلى الله، إن شاء أجابَكُم، وإن شاء تَرَكَكُم).
وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال مجاهد: (ما يدريكم. قال: ثم أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون).
وفي لفظ قال: (وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت. ثم استقبل يخبر عنهم فقال: إذا جاءت لا يؤمنون). وهذا على قراءة بعض أهل مكة والبصرة: ﴿إنها﴾. والقراءة الأشهر والتي عليها قراء الأمصار من أهل المدينة والكوفة وغيرهم: "أنها" - على سبيل الخطاب من الله لنبيّه - ﷺ - وأصحابه. قال ابن جرير: (وإنما معنى الكلام: وما يدريكم، أيها المؤمنون، لعل الآيات إذ جاءت هؤلاء المشركين لا يؤمنون، فيعاجلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك، ولا يؤخَّروا به).
وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
قال ابن عباس: (لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّت عن كل أمر). وقال مجاهد: (نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة). وقال ابن زيد: (نمنعهم من ذلك، كما فعلنا بهم أول مرة).
وفي التنزيل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].
وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
المعنى: أي: نتركهم في بغيهم وتنطعهم وكبرهم يتحيرون ويترددون، فلا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
قال ابن عباس: (﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ في كفرهم). وقال أبو العالية: (في ضلالهم). وقال الأعمش: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يلعبون). وقال مجاهد: (في كفرهم يترددون).
وفي صحيح مسلم من حديث حذيفة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: [تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة
[ ٣ / ٣١ ]
ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مُرْبدًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه] (١).
١١١ - ١١٥. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾.
في هذه الآيات: تَفْهيمٌ من الله سبحانه لنبيه - ﷺ - عن طبيعة هؤلاء المشركين المعاندين. يقول: فلو نزلنا إليهم - يا محمد - الملائكة حتى يروها وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم - آية من عندنا - لإثبات نبوتك، وأخبروهم أنك صادق محق فيما جئت به من الوحي، وحشرنا عليهم كل شيء قبيلة قبيلة، وجماعة جماعة، مقابلة ومواجهة، يكفلون أنك على الحق وأن ما تعدهم به هو الحق، ما آمنوا ولا صدّقوك ولا اتبعوك، ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون حقائق الإيمان والهداية والتوفيق لذلك من عند الله سبحانه. ثم إخْبارٌ من الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ - عن سنته سبحانه في الابتلاء، بأن جعل لكل الأنبياء والرسل أعداءً من أقوامهم يؤذونهم بالجدال والخصومات بإيحاء من شياطين الجن واشتراك معهم بتزيين الباطل، ولو شاء الله لآمن الناس جميعًا وآمنت الشياطين وتركوا المكر والإجرام، فلا تأبه لهم - يا محمد - فدعهم وما يفترون ويكذبون. إنما تميل لتزيينهم قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة فيرضونه وليكتسبوا ما هم مكتسبون. قل لهم - يا محمد - أفغير الله أختار حكمًا وهو أحكم الحاكمين، وقد أنزل إليكم القرآن فيه بيان كل حكم وكل فصل أو قضاء، وأهل التوراة
_________________
(١) حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح (١/ ٨٩ - ٩٠). وانظر مختصر صحيح مسلم (١٩٩٠). وكتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٩٠٤) لتفصيل مراتب الضلال.
[ ٣ / ٣٢ ]
والإنجيل يعلمون أن القرآن حق منزل من عند الله، فلا تكونن - يا محمد - من الشاكِّين فيما جاءك واثبت على الحق، فإنه قد كملت كلمة ربك من الصدق والعدل ولا تبديل لكلماته، وهو السميع لما يقوله هؤلاء، العليم بمصائرهم وما تؤول إليه أحوالهم في العاقبة والآخرة.
فقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾. أي: لتخبرهم بأن الرسل على الحق وَوَجَبَ الإيمان بهم. ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ - بإحيائنا إياهم. ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ سألوه من الآيات والمعجزات ﴿قُبُلًا﴾ مقابلة ومعاينة. ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ - قال ابن عباس: (وهم أهل الشقاء، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وهم أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ. .﴾ [الأنعام: ١٢٤].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١].
٣ - وقال تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢].
وقرأ قراء المدينة "قِبَلًا" بكسر القاف وفتح الباء، بمعنى: معاينة.
وقرأ عامة أهل الكوفة والبصرة "قُبُلًا" بضم القاف والباء. وفي ذلك ثلاثة أوجه من التأويل ذكرها ابن جرير.
التأويل الأول: وحشرنا عليهم كل شيء كُفلاء يكفلون لهم بأن الذي نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا، أو نوعدهم على كفرهم بالله إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلا أن يشاء الله. فيكون "القبل" جمع "قبيل". والقبل هنا الضمناء والكفلاء.
التأويل الثاني: "القبل" بمعنى المقابلة والمواجهة. قال ابن عباس: (يقول: لو استقبلهم ذلك كله، لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله). وقال ابن زيد: (حشروا إليهم جميعًا، فقابلوهم وواجهوهم). وقال عبد الله بن يزيد: (قرأ عيسى: "قُبُلًا" ومعناه عيانًا).
التأويل الثالث: "القبل" جمع "قبيل"، الذي هو جمع "قبيلة"، فيكون "القبل" جمع الجمع. قال مجاهد: (﴿قُبُلًا﴾، أفواجًا، قبيلًا قبيلًا).
وخلاصة المعنى: لو عرضت عليهم كل أمة بعد أمة، فتخبرهم بِصدق الرسل فيما
[ ٣ / ٣٣ ]
جاؤوهم به ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. فالهداية والقلوب بيد الله سبحانه وهو أعلم بمن يستحقها، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وكما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.
أي: هذه الحقائق عن القلوب وأمر الإيمان، واصطفاء الله من يشاء لعبادته والقيام بحمل لواء دينه، دون غيرهم من أعدائه وأعداء شرعه وأوليائه.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
قال ابن كثير: (يقول تعالى: وكما جعلنا لك - يا محمد - أعداءً يخالِفونَك ويعانِدُونك، جعلنا لكل نبي من قبلك أيضًا أعداءً، فلا يَهيدَنَّكَ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام: ٣٤]. . . الآية، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]. الآية).
قال قتادة: (﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾: من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض).
أخرج الإمام أحمد في المسند من حديث أبي ذر ﵁، أن النبي - ﷺ - قال له: [يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن. فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: نعم] (١).
قال ابن جرير: (وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾).
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة. قالوا: وإياك
_________________
(١) يرقى للحسن. أخرجه أحمد (٥/ ١٧٨ - ١٧٩)، (٥/ ٢٦٥)، والنسائي (٨/ ٢٧٥)، وله طرق مختلفة يقوى بها، انظر تخريج تفسير ابن كثير - المهدي، سورة الأنعام (١١٢ - ١١٣).
[ ٣ / ٣٤ ]
يا رسول الله؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير] (١).
وعن ابن عباس: (﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ قال: حَسَّنَ بعضهم لبعض القولَ ليتّبعوهم في فتنتهم).
وعن عكرمة: (﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، قال: تزيين الباطل بالألسنة).
وعن السدي: (﴿غُرُورًا﴾، قال: يغرون به الناسَ والجنّ).
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
أي: لو شاء الله ما فعلوا إيحاء القول بالغرور فدعهم في غيهم وما يختلقون من إفك وزور. قال القاسمي: (﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: ما فعلوا ذلك، يعني: معاداة الأنبياء، وإيحاء الزخارف. وهو أيضًا دليل على المعتزلة. ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: من الكفر، فسوف يعلمون).
وقوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾.
قال ابن عباس: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ﴾، يقول: تزيغ إليه أفئدة). أو قال: (لتميل).
وقال السدي: (يقول: تميل إليه قلوب الكفار، ويحبونه، ويرضون به).
وقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾.
قال ابن عباس: (وليكتسبوا ما هم مكتسبون). وقال السدي: (ليعملوا ما هم عاملون).
وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾.
قال ابن جرير: (أي: قل - يا محمد - لهؤلاء العادلين بالله الأوثان والأصنام، القائلين لك: "كفَّ عن آلهتنا، ونكف عن إلهك"، إن الله قد حكم عليَّ بذكر آلهتكم بما يكون صدًّا عن عبادتها، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾، أي: قل فليس لي أن أتعدّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حكم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾، يعني القرآن، ﴿مُفَصَّلًا﴾، يعني: مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٨١٤) - كتاب صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس، وأن مع كل إنسان قرينًا.
[ ٣ / ٣٥ ]
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾.
أي: إن اليهود والنصارى يعلمون في كتبهم أن هذا القرآن منزل بالحق، ويجدون عندهم من البشارات بنبوة محمد - ﷺ -، ومما أخبرهم به رسلهم وتناقلته الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
أخرج البخاري في صحيحه عن عطاء بن يسار قالت: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: [أخبرني عن صفة رسول الله - ﷺ - في التوراة؟ قال: أجل، والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا] (١).
ويروي ابن عساكر بإسناد جيد عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [أنا دعوة إبراهيم، وكان آخرَ من بَشَّرَ بي عيسى بن مريم] (٢).
وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
قال الربيع: (يقول: لا تكونن في شك مما قصصنا عليك).
وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾.
قال قتادة: (صدقًا فيما وَعَد، وعدلًا فيما حَكَم). قال ابن جرير: (وكملت: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ يعني القرآن، سماه ﴿كلمة﴾، كما تقول العرب للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر: "هذه كلمة فلان"). وقال ابن كثير: (يقول: صدقًا في الإخبار وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مِرْيَةَ فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عَدْلَ سواه، وكل ما نهى عنه فباطلٌ، فإنه لا ينهى إلا عن مَفْسَدَة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح، ورواه الدارمي نحوه بتفصيل أكبر، انظر تخريج المشكاة (٥٧٧١) وكذلك (٥٧٥٢) كتاب الفضائل والشمائل. باب فضائل سيد المرسلين.
(٢) أخرجه ابن عساكر في "التاريخ" (١/ ٢٦٥/ ٢)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٢)، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٠٢) وله شواهد تقويه. وحسّن إسناده الألباني في الصحيحة (١٥٤٦).
[ ٣ / ٣٦ ]
قال القرطبي: (﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: ودلت الآية على وجوب اتباع في دلالات القرآن، لأنه حق لا يمكن تبديله بما يناقضه، لأنه من عند حكيم لا يخفى عليه شيء من الأمور كلها).
وقال القاشاني: (أي: تمّ قضاؤه تعالى في الأزل بما قضى وقدر من إسلام من أسلم، وكفر من كفر، ومحبة من أحب، وعداوة من عادى، قضاءً مبرمًا، وحكمًا صادقًا، مطابقًا لما يقع، عادلًا بمناسبة كل قول وكل كمال وحال، لاستعداد من يصدر عنه واقتضائه له. ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: لا مبدل لأحكامه الأزلية) ذكره القاسمي.
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
أي: السميع لما يصدر عنهم من الأقوال، العليم بما يخفون وبما يصدر عنهم من الأفعال. فلا يخفى عليه شيء من كلام عباده وسرائرهم وأعمالهم.
١١٦ - ١١٧. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾.
في هذه الآيات: لا تطع - يا محمد - هؤلاء المشركين العادلين بربهم أوثانهم وأصنامهم وأهواءهم، فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن الدين الحق، فهم إنْ يتبعون إلا الظن وما هم إلا متخرصون كاذبون في منهاج التلقي حيث لا يقين ولا علم. وربك يا محمد هو أعلم بما اختار عباده من السبل: بما سلكوا من طرق الاعوجاج والغواية، أو بما سلكوا من سبيل النجاة والهداية، فهو مطلع على سبيل الفريقين وهو أعلم بالمهتدين.
فقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ - من الناس.
قال القرطبي: (أي: الكفار. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الطريق التي تؤدي إلى ثواب الله).
وقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
أي: ما يتبعون إلا الظن. ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما. والخرص: الحَزْرُ والتخمين. قال
[ ٣ / ٣٧ ]
القاسمي: (وقد يعبر به عن الكذب والافتراء، وأصله القول بالظن، وقول ما لا يستيقن ويتحقق - قاله الأزهري -). والمقصود: إن دين هؤلاء المكذبين المشركين يقوم على الحدس والظن والخرص لا على العلم والحق واليقين فاحذرهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
قال النسفي: (أي: هو يعلم الكفار والمؤمنين).
والمعنى: فرغ الله تعالى من أمور العباد وأحوالهم وأعمالهم ومستقبلهم بين يديه قبل أن يخلقهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، فقد جفت الأقلام ورفعت الصحف.
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: [قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة] (١).
الحديث الثاني: أخرج الطبراني بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: [فرغ الله من المقادير وأمور الدنيا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: [فرغ الله ﷿ إلى كل عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره ومضجعه وشقي أو سعيد] (٣).
وفي رواية: [من عمله وأجله ورزقه وأثره ومضجعه].
وله شاهد عند ابن عساكر بسند جيد عن أنس ولفظه: [فرغ الله من أربع: من الخَلق والخُلُق والرزق والأجل] (٤).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد والطبراني. انظر مسند أحمد (٥/ ٣١٧)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٤٢٥٦). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) حديث صحيح. أخرجه الطبراني بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو. انظر تخريج الطحاوية (٧٨). وكتابي أصل الدين والإيمان (٢/ ٨١٣) لتفصيل الروايات.
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٩٧). وقال الهيثمي (٧/ ١٩٥): (رواه أحمد والبزار والطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات).
(٤) أخرجه ابن عساكر (١٧/ ٤٩٣/ ٢). انظر تخريج "كتاب السنة" - لابن أبي عاصم. (٣٠٣) - الألباني.
[ ٣ / ٣٨ ]
١١٨ - ١١٩. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾.
في هذه الآيات: إباحة الله سبحانه لنبيه محمد - ﷺ - والمؤمنين أكل الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، وما يمنعكم أن تأكلوا مما ذبحه المؤمنون وذكروا اسم الله عليه، أو ذبحه من دان بتوحيد الله من أهل الكتاب، وقد فصل الله لكم الحلال من الحرام فيما تطعمون، وأجاز لكم عند الاضطرار ما حرّم عليكم حتى تزول الضرورة، وإن المشركين أهل جهالة في آرائهم وأهوائهم ومنهاجهم في استحلال الميتات وما ذُكر عليه غير اسم الله تعالى، والله أعلم باعتدائهم وافترائهم وكذبهم وتنطعهم.
فعن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، قال: (يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح. وكل شيء يدلّ على ذكره يأمر به).
وعن قتادة: (﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يقول: قد بين لكم ما حرم عليكم).
وقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.
قال قتادة: (من الميتة). وقال ابن جرير: (يعني تعالى ذكره: أن ما اضطررنا إليه من المطاعم المحرّمة التي بيَّنَ تحريمها لنا في غير حال الضرورة، لنا حلال ما كنا إليه مضطرين، حتى تزول الضرورة).
وقوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قال النسفي: (أي: يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلق بشريعة).
قلت: ويدخل في مفهوم الآية أهل الابتداع في الدين والقول على الله ورسوله دون علم.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾.
تحذير من الاعتداء في الدين.
قال القاسمي: (أي: المتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام).
[ ٣ / ٣٩ ]
وقال الرازي: (دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام، لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام).
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن الكلام في الدين دون علم أو الإحداث والابتداع فيه:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: [من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احْمَرَّت عيناه وعلا صوتُه واشتدَّ غضبه، حتى كأنه منذرُ جيشٍ يقول: صبّحكم ومسّاكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين. ويقرن بين أصبعيه، السبابة والوسطى، ويقول: أما بعد، فإن خيرَ الحديث كتاب الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد - ﷺ -، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة] (٢).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجه بسند صحيح عن جابر بن عبد الله قال: [كنا عند النبي - ﷺ - فخطَّ خطًّا، وخطّ خطَّين عن يمينه. وخط خطَّين عن يساره. ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٣).
وفي لفظ من طريق ابن مسعود: [خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره ثم قال: هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. ثم قرأ الآية].
١٢٠ - ١٢١. قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.
في هذه الآيات: أَمْرٌ من الله تعالى عباده - يقول: ودعوا أيها الناس علانية الإثم
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ٢٢١) في الصلح، وأخرجه مسلم (١٧١٨)، في الأقضية.
(٢) حديث صحيح. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (٨٦٧)، كتاب الجمعة، ورواه أهل السنن.
(٣) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (١١) - باب اتباع سنة رسول الله - ﷺ -. ورواه الترمذي.
[ ٣ / ٤٠ ]
وسرّه، إن الذين يعملون السوء ويأتون ما يسخط الله سيجازيهم على معصيتهم بما كانوا يقترفون. ولا تأكلوا، أيها المؤمنون، مما ذبح فلم يذكر اسم الله عليه من ذبيحة المشركين، أو أُهِلَّ لأوثانهم فإن أكله فسق - معصية وإثم - وإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم معشر المؤمنين في أكل الميتة وما حرم الله، وإن أطعتموهم فقد تركتم أمر ربكم وأشركتم به كالمشركين.
وعن قتادة: (﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، أي: قليله وكثيره، وسرّه وعلانيته).
وعن الربيع بن أنس قال: (نهى الله عن ظاهر الإثم وباطنه، أن يعمل به سرًا أو علانية، وذلك ظاهره وباطنه). وقال مجاهد: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: معصية الله في السر والعلانية).
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: إن الذين يعملون بما نهاهم الله عنه، ويركبون معاصي الله، ويأتون ما حرم الله، ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾، يقول: سيثيبهم الله يوم القيامة بما كانوا في الدنيا يعملون من معاصيه).
وبعض المفسرين ذهب إلى تخصيص ظاهر الإثم هنا بنكاح حلائل الآباء والأمهات والبنات أو الطواف بالبيت عريانًا، أو معاهرة أهل الرايات وأولات الأخدان، أو علانية الزنا دون سرّه. والصحيح أن الإثم لفظ عام يشمل كل ما عُصي الله به من محارمه، والآية تدل على جميع ما ظهر من الإثم وعلن وجميع ما خفي منه وبطن. وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الحلال بَيِّنٌ، وإن الحرام بَيِّنٌ، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يَرْعَى حول الحِمى يوشك أن يرتعَ فيه] (١).
الحديث الثاني: أخرج الطيالسي والترمذي والنسائي بسند حسن، عن الحسن بن
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٠٥١)، وأخرجه مسلم (١٥٩٩)، وأخرجه أبو داود (٣٣٢٩).
[ ٣ / ٤١ ]
علي ﵄ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [دع ما يريبك إلى ما لا يريبك] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم والترمذي وأحمد عن النَّواس بن سَمْعَانَ الأنصاري قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن البِرِّ والإثم؟ فقال: [البِرُّ حُسْنُ الخُلْقِ، والإثْمُ ما حاك في صدرك، وكرهت أن يَطَّلِعَ عليه الناس] (٢).
وله شاهد في المسند من حديث أبي ثعلبة بلفظ: [البِرُّ ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تَسْكُنْ إليه النَّفْسُ، ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون].
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.
فيه مسائل:
١ - إذا كان مذكي الأنعام أو الطيور غير كتابي - كالبوذيين والهندوس وغيرهم من الملحدين الذين لا يؤمنون بالرسالات السماوية فلا تؤكل ذبيحته سواء أذكر اسم الله أم لا، لأن الأصل حل ذبائح المسلمين فقط، واستثني ذبائح أهل الكتاب بالنص.
٢ - إذا كان المذكي من أهل الكتاب من اليهود أو النصارى، وكانت تذكيته بأن ذبح رقبتها أو نَحَرَهَا في لبّتهَا وهي حية، أُكِلَتْ سواء ذكر اسم الله عليها أو لم يذكر، لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾. أما إن ذكر الكتابي اسم غير الله عليها لم تؤكل وهي ميتة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.
٣ - إن ضربها بمسدس أو سلّط عليها تيارًا كهربائيًا فماتت من ذلك فهي موقوذة حتى ولو قطع رقبتها بعد ذلك، فقد حرّمها الله بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾. إلا إذا أدركها حية بعد ضرب رأسها فذكاها، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
٤ - المسلم لا بد له من التسمية عند الذبح، فهي واجبة بحقه.
ففي الصحيحين عن أبي ثعلبة الخشني قال: [قلت يا رسول الله، إنا بأرض صيد
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه الطيالسي (١١٧٨)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٢٢٧)، وابن حبان (٧٢٢)، وأخرجه الحاكم (٢/ ١٣)، (٤/ ٩٩)، وصححه، ووافقه الذهبي - وله شواهد.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٥٥٣) - كتاب البر والصلة، باب تفسير البر والإثم. وأخرجه الترمذي (٢٣٨٩)، وأحمد (٤/ ١٨٢)، وابن حبان (٣٩٧)، وانظر للشاهد: صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٨٧٨).
[ ٣ / ٤٢ ]
أصيد بقوسي وبكلبي المعلَّم وبكلبي الذي ليس بمعلَّم، فما يصلح لي؟ فقال: ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل] (١).
وذهب أحمد إلى أن التسمية شرط في الإباحة، وقال أبو حنيفة: هي شرط في حال الذكر فإن تركها ناسيًا حل الصيد، وهو المشهور عن مالك. وقال الشافعي: التسمية سنة، فإن تركها ولو عامدًا لم يحرم الصيد ويحل أكله.
قلت: والحق أن تركها عامدًا إن كان من كتابي تؤكل لأن الآية لم تضع ذلك الشرط، وأما من مسلم فلا تؤكل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.
وأما حديث "سموا الله وكلوا" فهو في ذبائح قوم أسلموا لكن حديثو عهد بجاهلية ولم يعلم أذكر اسم الله عليها أم لا.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ -: [أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا نَدْري: أَذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ قال: سَمُّوا عليه أنتم وكلوا. قالت: وكانوا حديثي عَهْدٍ بالكفر] (٢).
وأما آلة الذبح: فإنه لا بد من إنهار الدم بآلة ليست سنًا ولا ظفرًا. ولا بد من قطع الحلقوم وهو مجرى النفس، والمري وهو مجرى الطعام والشراب، سواء كان القطع فوق الغلصمة وهو العظم الناتئ من الحلق أو دونها.
ففي الصحيحين من حديث رافع بن خديج قال: [قلت: يا رسول الله! إنا لاقو العدو غدًا وليس معنا مُدىً، أفنذبح بالقَصَب؟ قال: ما أنهر الدمَ وذُكِرَ اسم الله عليه فكلوه، ليسَ السِّنَ والظُّفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السِّنُ فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة] (٣).
وأما الصعق بالكهرباء أو الإلقاء في ماء حار حتى يموت الحيوان فهذا ميتة لا يؤكل.
وقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
أخرج أبو داود في السنن، بإسناد صحيح، عن ابن عباس: [في قوله:
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٥٤٧٨)، (٥٤٨٨)، وأخرجه مسلم برقم (١٩٣٠)، وأبو داود (٢٨٥٥)، وغيرهم. من حديث أبي ثعلبة.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (٢٠٥٧)، (٥٥٠٧)، وأبو داود (٢٨٢٩)، والنسائي (٧/ ٢٣٧)، وغيرهم. من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂.
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨)، والترمذي (١٤٩١)، وأحمد (٣/ ٤٦٣)، وغيرهم. من حديث رافع بن خديج ﵁.
[ ٣ / ٤٣ ]
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوا وما ذبحتم أنتم فكلوا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾] (١).
وقولهم: "ما ذبح الله" يقصدون الميتة ويستهزئون بأن ذبحها الله ولا تأكلوها، وتأكلون ما ذبحتم أنتم!
وأخرج الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن عباس قال: [أتى ناس النبي - ﷺ - قالوا: يا رسول الله: أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾] (٢).
والخلاصة: الآية في مجادلة قوم من المشركين النبي - ﷺ - في تحليل الميتة بذلك الجدال السابق، وبتلك الفلسفة العقلية الباردة، فردّها الله وقبّحها من فلسفة، فلا رأي أمام كلامه الحق ووحيه العظيم.
وقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
قال القاسمي: (أي: لهم مع الله، فيما يختص به من التحليل والتحريم). وقال النسفي: (﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال ما حرمه الله ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. لأن من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك به).
وقال القرطبي: (فدلّت الآية على أن من استحل شيئًا مما حرّم الله تعالى صار به مشركًا. وقد حرّم الله سبحانه الميتة نصًّا، فإذا قَبل تحليلها من غيره فقد أشرك).
وفي جامع الترمذي بسند حسن: [أن النبي - ﷺ - تلا هذه الآية - ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. . .﴾ [التوبة: ٣١]- على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلّون لكم ما حرّم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي - ﷺ -: فتلك عبادتهم] (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٢٨١٨) - باب في ذبائح أهل الكتاب. انظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٢٤٤٤). ورواه ابن ماجه بلفظ: [كانوا يقولون: ما ذُكر عليه اسم الله فلا تأكلوا. وما لم يذكر اسم الله عليه فكلوه. فقال الله ﷿: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾]. انظر صحيح سنن ابن ماجه - حديث رقم - (٢٥٦٩).
(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٣٢٧٧) - في التفسير - سورة الأنعام - انظر صحيح سنن الترمذي (٢٤٥٤). من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
(٣) رواه الترمذي (٣٠٩٤) في التفسير، ويتقوى بما أخرجه الطبري رقم (١٦٦٣٤) عن حذيفة موقوفًا.
[ ٣ / ٤٤ ]
١٢٢ - ١٢٤. قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾.
في هذه الآيات: نَهْيٌ من الله سبحانه للمؤمنين برسوله - ﷺ - عن طاعة المشركين وقبول أحكامهم. أو من كان ميتًا - أي: كافرًا - فهديناه وأنعشناه بالإسلام وجعلنا له بذلك حياة ونورًا وهدى بعد موت وظلام وضلال، كمن هو غارق في متاهات الظلمات لا يبصر طريق الحق والنجاة. إن الله قد خذل الكافرين فزُينت لهم سوء أعمالهم ليستوجبوا بذلك من فعلهم سخط الله وسوء العذاب ونزول النكال. وكذلك جعلنا في كل قرية عظماءها مجرميها - حين أسرف أهلها - ليمكروا فيها بإشاعة الكفر والفواحش والمعصية، ثم هم لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من الخزي وأليم العقاب مقابل غيّهم وعتوهم وتحاكمهم للأهواء والشهوات. وإذا جاءت هؤلاء المشركين حجة من الله على صدق نبوة محمد - ﷺ - وما يوحى إليه من الإيمان وشرائع الإسلام تنطعوا برفض التصديق حتى يعطيهم الله مثل معجزات الرسل، قل لهم يا محمد: الله أعلم بمواضع رسالته، وليس لأحد أن يشترط على الله في قبوله الإيمان، ثم ينتظر هؤلاء المستكبرين عذاب وذلة وهوان بما كانوا يمكرون.
فقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.
قال ابن عباس: (﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، يعني: من كان كافرًا فهديناه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، يعني النور، القرآن، من صدَّق به وعمل به، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، يعني: بالظلمات، الكفر والضلالة). وقال: (فهو الكافر يهديه الله للإسلام. يقول: كان مشركًا فهديناه).
وقال قتادة: (﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾، هذا المؤمن معه من الله نور وبيّنة يعمل
[ ٣ / ٤٥ ]
بها ويأخذ، وإليها ينتهي، كتاب الله، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾، وهذا مثل الكافر في الضلالة، متحيّر فيها متسكع، لا يجد مخرجًا ولا منفذًا).
أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي - ﷺ - أنه قال:
[إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل] (١).
والظلمة: هي ظلمة الطباع والجهل والأهواء والخضوع للغرائز والشهوات.
والنور: هو نور الوحي ونور السنة، نور النبوة والرسالات. نور الفطرة والميثاق مع الله، الذي أخذه سبحانه على عباده بنعمان - وهو واد إلى جنب عرفات. فالله سبحانه خلق خلقه في تلك الظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره لئلا يبقوا في الظلمة، بل ليستضيئوا بنور الوحي والنبوة، فكادتهم الشياطين عند ذلك.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه، من حديث عياض مرفوعًا: [قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء كُلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحْلَلْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزِل به سلطانًا] (٢).
وفي التنزيل: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
قال ابن القيم: (فأولياؤهم يعيدوهم إلى ما خلقوا فيه من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم فذلك إخراجهم من النور إلى الظلمات).
_________________
(١) إسناده جيد. أخرجه أحمد (٢/ ١٧٦)، وابن حبان (٦١٦٩)، والحاكم (١/ ٣٠)، وصححه الحاكم، وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤): رواه أحمد بإسنادين والبزار والطبراني، ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات. وأخرجه الترمذي (٢٦٤٢)، وابن أبي عاصم في "السنة" (٢٤١). وانظر صحيح الجامع الصغير (١٧٦٠)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/ ١٠٧٦).
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٨٦٥)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٦٦).
[ ٣ / ٤٦ ]
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢].
٢ - وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ١٩ - ٢٣].
وقوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال ابن كثير: (أي: حَسَّنَّا لهم ما هم فيه من الجهالة والضلالة، قَدَرًا من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه).
وقال القاسمي: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من فنون الكفر والمعاصي، ولذا جادلوا بها الحق، وأصروا عليها).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾.
قال ابن عباس: (سلّطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب).
وقال مجاهد: (﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾: عظماءها). وقال النسفي: (﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾: ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي). قال: (وخصّ الأكابر وهم الرؤساء لأن ما فيهم من الرياسة والسعة أدعى لهم إلى المكر والكفر من غيرهم).
قال ابن كثير: (والمراد بالمكر ها هنا دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا. . .﴾ [سبأ: ٣١ - ٣٣]).
[ ٣ / ٤٧ ]
وقوله: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
تسلية من الله تعالى لنبيه - ﷺ - عما يلقى من تكذيب قومه وعنادهم. أي: إن هؤلاء يحفرون لأنفسهم ليقعوا في حياض المهالك، ولن يعود وبال مكرهم إلا على أنفسهم. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: قال ابن جرير: (يقول: لا يدرون ما قد أعدّ الله لهم من أليم عذابه، فهم في غيِّهم وَعُتُوِّهِم على الله يتمادَوْن).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ. . .﴾ [العنكبوت: ١٣].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾.
قال القرطبي: (بيّن شيئًا آخر من جهلهم، وهو أنهم قالوا لن نؤمن حتى نكون أنبياء، فنؤتى مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات، ونظيره: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]. والكناية في "جاءتهم" ترجع إلى الأكابر الذين جرى ذكرهم. قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النبوة حقًا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنًا، وأكثر منك مالًا. وقال أبو جهل: والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدًا، إلا أن يأتينا وَحْيٌ كما يأتيه، فنزلت الآية).
فأجابهم سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
قال القاسمي: (كلام مستأنف للإنكار عليهم، وأن لا يصطفى للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، فيليق للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره، مما لو انكشف لغيره انكشافه له، لفاضت له نفسه، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته، فهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا الاصطفاء من الله للنبوة وحمل رسالته، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده عن واثلةَ بن الأسقع - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال:
[إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة،
[ ٣ / ٤٨ ]
واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أبِي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [بعثت من خير قرون بني آدم قَرْنًا فَقَرنًا، حتى كنت من القَرْن الذي كنت منه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند حسن عن المطلب بن أبي وَدَاعَةَ قال: [قال العباس: بلغه - ﷺ - بعضُ ما يقول الناسُ، فصعد المنبر فقال: من أنا؟ قالوا: أنت رسول الله. قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خيرهم، ثم جعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل، فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتًا، فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا، وأنا خيركم نفسًا] (٣).
الحديث الرابع: أخرج البخاري ومسلم ومالك والترمذي عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: [إنّ لي خمسةَ أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، الذي يُحشَرُ الناس على قدمي، وأنا الماحي، الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب] (٤).
وفي رواية لمسلم وأحمد من حديث أبي موسى بلفظ: [أنا محمد وأحمد والمقفّى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة]. زاد الطبراني في رواية: (ونبي الملحمة).
الحديث الخامس: أخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات عن عبد الله بن مسعود قال: [إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد - ﷺ - خَيْرَ قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثَه برسالته. ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد - ﷺ - فوجد
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٢٢٧٦)، والترمذي في الجامع (٣٦١٠)، وأحمد في المسند (٤/ ١٠٧)، وأبو يعلى (٧٤٨٥).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٣٥٥٧) - كتاب المناقب.
(٣) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٢١٠)، والترمذي (٣٥٣٢)، (٣٦٠٨)، وله شواهد في المسند (٤/ ١٦٥ - ١٦٦)، وعند الطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٨٦). وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢١٤ - ٢١٥): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح.
(٤) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (٢٣٥٤) - كتاب الفضائل - باب في أسمائه - ﷺ -. وصحيح الجامع (٢١٨٥)، (١٤٨٦) لبقية الروايات.
[ ٣ / ٤٩ ]
قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وُزَراء نبيِّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيِّئ] (١).
وقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.
قال السدي: (الصغار: الذلة). وقال النسفي: (﴿صَغَارٌ﴾ ذل وهوان ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في القيامة ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار ﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ في الدنيا).
وقال ابن كثير: (هذا وعيد شديد من الله وتهديد أكيدٌ، لمن تكبر عن اتباع رُسله والانقياد لهم فيما جاؤوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي الله ﴿صَغَارٌ﴾ وهو الذلة الدائمة، كما أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذُلًا يوم القيامة لما استكبروا في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، أي: صاغرين حقيرين. وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾، لما كان المكر غالبًا إنما يكون خَفِيًّا، وهو التَلَطُفُ في التحيُّل والخديعة، قُوبلوا بالعذاب الشديد جزاء وِفاقًا، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر).
قال: (وجاء في الصحيحين، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "يُنْصبُ لكل غادر لواءٌ عند اسْتِهِ يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان" (٢). والحكمةُ في هذا أنه لما كان الغَدْرُ خفيًا لا يَطَّلِعُ عليه الناسُ، فيوم القيامة يصير عَلَمًا منشورًا على صاحبه بما فعَل).
قلت: وقد حفلت السنة الصحيحة بوصف ألوان ذلك الصغار الذي سيصيب المجرمين والمتكبرين يوم القيامة.
الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى
_________________
(١) حديث موقوف. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٧٩)، والطبراني في "الكبير" (٨٥٨٣)، وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٧٧ - ١٧٨): (ورجاله موثوقون).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٨٦)، ومسلم (١٧٣٦)، وابن ماجه (٢٨٧٢)، وأخرجه ابن حبان (٧٣٤١)، والبيهقي (٩/ ١٦٠) من حديث ابن مسعود.
[ ٣ / ٥٠ ]
بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن أنس: [أن رجلًا قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة] (٢). قال قتادة: (بلى وعزة ربنا).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. وقال: اقرؤوا ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾] (٣).
١٢٥ - ١٢٧. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾.
في هذه الآيات: يشرح الله صدر من أراد هدايته للحق والإيمان، فيوفقه لسلوك سبيل الهداية والرشاد، ويضيق - جلت عظمته - صدر من أراد أن يضله، نتيجة استهتاره وتهاونه وتعظيمه شهواته فوق أمر الله ﷿، كأنه في ضيقه يرتفع في طبقات السماء حيث يضيق نفسه وصدره مع الارتفاع، كذلك يسلط الله الشيطان على من أبى الإيمان بالله وجحد رسالة نبته - ﷺ - والوحي الذي أنزل إليه، فيصده عن سبيل الهدى والحق. إن الذي بينا لك يا محمد هو صراط ربك المستقيم، ومنهاج الدين القويم، يظهر ذلك جليًا لأهل الفهم والإدراك والتمييز، الذين ينتفعون بهذه الذكرى
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي في السنن (٢٤٩٢). انظر صحيح سنن الترمذي (٢٠٢٣). ورواه أحمد. انظر تخريج المشكاة (٥١١٢)، وصحيح الجامع - حديث رقم - (٧٨٩٦).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٦٠)، كتاب التفسير، وكذلك (٦٥٢٣)، كتاب الرقاق، ورواه مسلم في الصحيح (٢٨٠٦) - كتاب صفات المنافقين.
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٧٢٩)، كتاب التفسير. سورة الكهف - آية (١٠٥)، ورواه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٧٨٥)، من حديث أبي هريرة.
[ ٣ / ٥١ ]
وتنتظرهم دار السلام والأمان، إنهم في جنة عدن يوم القيامة، فالله ناصرهم ومؤيدهم في الدنيا والآخرة.
قال السدي: (أما ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، فيوسع صدره للإسلام).
وقال ابن جريج: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ بلا إله إلا الله، يجعل لها في صدره مُتَّسعًا).
وعن ابن عباس: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، يقول: من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقًا. والإسلام واسع. وذلك حين يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، يقول: ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق). وعَنْ مجاهد: (﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، قال شاكًا). وقال قتادة: (ضيقًا ملتبسًا). وقال سعيد بن جبير: (لا يجد مسلكًا إلا صُعُدًا). وقال عطاء الخراساني: (ليس للخير فيه منفَذٌ). وقال ابن جريج: (﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، بلا إله إلا الله، لا يجد لها في صدره مَسَاغًا). أو قال: (حتى تستطيع أن تدخله).
وقوله: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.
قال عطاء: (مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء).
وقال السدي: (من ضيق صدره). وقال ابن جريج: (من شدة ذلك عليه).
قلت: وقد أثبت العلم الحديث ضيق النَّفَس والصدر بالإنسان كلما صعد في طبقات السماء وارتفع فيها حيث تقل الجاذبية والأوكسجين اللازم للتنفس.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
فيه أقوال:
١ - عن مجاهد: (﴿الرِّجْسَ﴾، قال: ما لا خير فيه).
٢ - عن ابن زيد قال: (الرجس عذاب الله).
٣ - عن ابن عباس قال: (الرجس: الشيطان).
واختار ابن جرير القول الثالث حيث قال: (كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقًا حرجًا، كأنما يصعد في السماء من ضيقه عن الإيمان فيجزيه بذلك، كذلك
[ ٣ / ٥٢ ]
يسلّط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغويه ويصدّه عن سبيل الحق).
قلت: والآية تشمل أكثر من ذلك، فالمعاناة والاكتئاب والقلق وكافة الأمراض النفسية إضافة إلى عذاب الله ووساوس الشيطان، كل ذلك داخل في مفهوم الآية.
وقوله: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾.
قال ابن عباس: (﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾، يعني به الإسلام).
ونصب "مستقيمًا" على الحال. قال ابن كثير: (أي: هذا الدين الذي شرعناه لك - يا محمد - بما أوحينا إليك هذا القرآن، هو صراط الله المستقيم).
وقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.
أي: قد بينا الحجج والدلالات لقوم لهم فَهْمٌ ووعي ويعقلون عن الله ورسوله.
وقوله: (﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
قال السدي: (الله هو السلام، والدار الجنة).
وقوله: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
أي: ناصرهم ومؤيدهم لقاء عملهم بطاعة الله واتباع رضوانه.
١٢٨ - ١٣٢. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾.
في هذه الآيات: ويوم يحشر ربك - يا محمد - هؤلاء المشركين، العادلين بالله
[ ٣ / ٥٣ ]
أوثانهم وأصنامهم والمعظمين شهواتهم فوق منهج الله تعالى، مع أوليائهم من الشياطين فيجمعهم في موقف المحشر، ثم يقول للجن: لقد استكثرتم من إضلال الإنس وإغوائهم، فيجيب أولياء الجن من الإنس: ربنا لقد تبادلنا المنافع فيما بيننا فأدركنا الشهوات بتعظيم المردة وطاعتهم حتى وافانا الأجل وحال بيننا الموت! قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما كان من مدة الحشر، إن ربك - يا محمد - حكيم بتدبير أمور خلقه، عليم بعواقب الأمور وبمصير كل فرد من الجن والإنس يوم القيامة. وكذلك نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس بأعمالهم. ويوم القيامة يناديهم: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يعرفونكم آياتي ونعمي لديكم، ويبيّنون لكم ما يجب عليكم تجاه بارئكم من التعظيم والعبادة والاستعداد للقائه، فأجابوا: بلى شهدنا على أنفسنا ببلاغ الرسل ووضوح الآيات والحجج، ولكن غرتنا الحياة الدنيا وشهواتها ووقعنا في الكفر والآثام. فاعلم - يا محمد - أنه إنما نرسل الرسل لإقامة الحجة على الناس، فما كان الله ليرسل العذاب على أمة حتى يقيم عليهم حجته البالغة، ومن ثم فلكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب يبلغها يوم يوضع الميزان ليزن الأعمال وما ربك بغافل عما يعملون.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾.
قرأ ذلك نافع: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا﴾ وهي في محل نصب بفعل محذوف تقديره: نقول. أي: "ويوم نحشرهم جميعًا نقول. .". وأما جميعًا فهي في محل نصب على الحال، والمراد حشر جميع الخلق في موقف القيامة.
وأما قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ فهو منادى مضاف.
وقوله: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾.
قال ابن عباس: (يعني أضللتم منهم كثيرًا). وقال مجاهد: (كثر من أغويتم). فحكى الله إجابتهم بقوله: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾. والتقدير في العربية: استمتع بعضنا بعضًا. قال القرطبي: (فاستمتاع الجن من الإنس أن تلذذوا بطاعة الإنس إياهم، وتلذذ الإنس بقبولهم من الجن حتى زنوا وشربوا الخمور بإغواء الجن إياهم). وقال ابن جريج في هذه الآية: (كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم فاعتذروا يوم القيامة). وفي
[ ٣ / ٥٤ ]
التنزيل - قوله سبحانه في سورة [الجن]: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾.
وقيل: وأما استمتاع الجن بالإنس فبما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والكهانة والسحر.
وقيل: استمتاع الجن بالإنس أنهم يعترفون أن الجن يقدرون أن يدفعوا عنهم ما يحذرون.
ثم قال سبحانه يحكي قولهم يوم القيامة، وقد اصطفوا أمامه خزايًا نادمين:
﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾.
قال السدي: (أما قوله: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ فالموت).
أي: فاستمتع بعضنا ببعض أيام حياتنا إلى حال موتنا وانقضاء الأجل.
فأجابهم سبحانه إجابة مؤلمة مخزية: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.
فيه أكثر من تأويل يحتمله السياق:
التأويل الأول: يقول: لابثين فيها إلا ما شاء الله، من قدر مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى جهنم، فتلك هي المدة المستثناة من خلودهم.
التأويل الثاني: قيل بل المراد: إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب.
التأويل الثالث: قيل بل المعنى: أن الله قد جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته، كقوله تعالى في سورة [هود]: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.
قال ابن عباس: (إن هذه الآية آيةٌ لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، لا ينزلهم جنة ولا نارًا).
ثم سطّر سبحانه في كتابه في هذه السورة سنة عظيمة من سننه في الأمم، إذا ما تعاطوا ما يسخط الله ويغضبه، وإذا ما استباحوا بعض ما حرَّمَ عليهم، أو استهتروا
[ ٣ / ٥٥ ]
في حمل الأمانة ولم يعظموا شعائره وأوامره، فقال جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾.
وفيه أكثر من تفسير:
التفسير الأول: نولي بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن والكافر ولي الكافر.
قال قتادة: (وإنما يولي الله بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أين كان وحيث كان. ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي).
التفسير الثاني: قيل بل معناه: نُتْبِعُ بعضهم بعضًا في النار، من الموالاة التي هي المتابعة بين الشيء والشيء. فعَن معمر: (﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: قال: في النار يتبع بعضهم بعضًا).
التفسير الثالث: قيل بل المراد نسلط بعض الظلمة على بعض.
قال ابن زيد: (﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾. قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).
وجملة القول: إن الله ﷿ قد يسلِّط مردة الجن على عصاة المسلمين الذين يتجاوزون بعض ما حرم الله تكاسلًا أو تجاهلًا، فيسومونهم سوء العذاب، إذ يشاركونهم حياتهم وطعامهم وشرابهم، وينغِّصُون عليهم معيشتهم حتى يذوقوا الضنك الذي وعد الله به المعرضين عن ذكره وهديه بقوله في سورة [طه]: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. . (١٢٤)﴾.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: [إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (١).
وله شاهد عند ابن حبان بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي - ﷺ - قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج.
_________________
(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٧١٠٦) - طبعة دار السلام - الرياض، كتاب صفات المنافقين.
[ ٣ / ٥٦ ]
ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عق والديه، فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلْبِسُه التاج] (١).
وقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.
خطاب الله لهم يوم القيامة، وقد وقفوا بين يديه أذلاء صاغرين. أي: ألم يأتكم في الدنيا - يا معشر الجن والإنس - رسل من بينكم ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ بالأمر والنهي ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ أي: يحذرونكم ويخوفونكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ - قال القاسمي: (وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال).
فأجابوه سبحانه: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾.
قال القرطبي: (أي: شهدنا أنهم بلغوا).
أي: أقررنا بمجيء الرسل وإقامتهم حجة الحق والوحي البالغة، وبتكذيب دعوتهم.
ثم قال سبحانه: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
قال ابن كثير: (أي: وقد فرَّطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات، لما اغترُّوا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها).
وقوله: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
أي: شهدوا على أنفسهم أمام ربهم ﷿ في أرض المحشر، أنهم كانوا كافرين بالرسل وبما جاؤوا به من وحي الله العظيم.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾.
أي: إن أمر الله بهلاك الأمم التي أهلكها لم يكن إلا بعد إعذارها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإقامة حجة الوحي البالغة عليها، فإنه سبحانه لا يعاقب عباده إلا بعد بلوغهم دعوة الحق. كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه ابن حبان (٦٥)، بإسناد رجاله ثقات رجال البخاري، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (١٢٨٠).
[ ٣ / ٥٧ ]
وكما قال جل ثناؤه: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا. .﴾ [الملك: ٨، ٩]. وكقوله جل ذكره: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. .﴾ [النساء: ١٦٥].
أخرج ابن أبي عاصم في السنة - بسند صحيح على شرط الشيخين - عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا شخص أغير من الله تعالى، ولا شخص أحب إليه العذر من الله ﷿، ولأجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين، ولا شخص أحب إليه المدح من الله تعالى، ومن أجل ذلك وعد الجنة] (١).
وأصله في الصحيحين من طريق أبي وائل، ولفظ البخاري - عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال -: [لا أحدَ أغيرُ من الله، ولذلك حرَّم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا شَيْءَ أحبُّ إليه المَدْحُ من الله، ولذلك مَدَحَ نَفْسَه، قلت: سمعتَه من عبدِ الله؟ قال: نعم، قلت: ورَفَعَهُ؟ قال: نعم] (٢).
ويحتمل قوله تعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ وجهين - كما ذكر شيخ المفسرين أبو جعفر بن جرير ﵀ - أحدهما: ذلك من أجل أن ربك لم يكن ليهلك القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه، وهم غافلون، يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولًا يُنَبِّهُهُم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يومَ معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخِذهم غفلةً فيقولوا: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩].
والوجه الثاني: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾، يقول: لم يكن ربك لِيُهْلِكَهُم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلّام لعبيده.
والوجه الأول من التأويل أقوى، ورجّحه ابن جرير، والحافظ ابن كثير، وغيرهم من المفسرين.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
قال القرطبي: (أي: ولكل عامل بطاعة درجاتٌ في الثواب. ولكل عامل بمعصية دركاتٌ في العقاب. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾ أي: ليس بلاهٍ ولا ساهٍ. والغفلة أن يذهب
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أبن أبي عاصم في "السنة" (٥٢٢)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٦٣٤) - كتاب التفسير، وكذلك (٥٢٢٠) - كتاب النكاح.
[ ٣ / ٥٨ ]
الشيء عنك لاشتغالك بغيره). والآية تشمل الجن والإنس معًا.
وفي التنزيل: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ [الأحقاف].
أي: لكل عامل من الثقلين ثواب عمله، فمطيع الجن في الجنة، وعاصي الجن في النار، شأنهم في ذلك شأن الإنس.
١٣٣ - ١٣٥. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ذكره: وربك - يا محمد - الذي يأمر بإفراده بالطاعة والتعظيم والعبادة، هو الغني عن عباده وعن عبادتهم واجتهادهم في طاعته، فهم المحتاجون إليه وإلى رحمته، ولو شاء لأهلك خلقه هؤلاء من ولد آدم واستبدلهم بخلق جديد يكونون أممًا تخلف أولئك في الأرض، كما أحدثكم من بعد خلق آخرين مضوا وَقد كانوا قبلكم. إن الذي يعدكم ربكم من العقاب على الكفر به ورسله واقع لا محالة وما أنتم بهاربين. فقل يا محمد لقومك من قريش الذين يصرون على طريقة آبائهم في الشرك بالله: اعملوا على ناحيتكم وحيالكم فسوف تعلمون عند حلول نقمة الله بكم من كان المحق من المبطل، إنه لا فلاح ولا سعادة للظالمين.
قال القاسمي: (﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أي: يترحم عليهم بالتكليف، تكميلًا لهم، ويمهلهم على المعاصي. وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه سبحانه، بل لترحمه على العباد).
وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾.
قال النسفي: (﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها الظلمة ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ من الخلق المطيع).
[ ٣ / ٥٩ ]
وقوله: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
قال ابن جرير: (كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم. قال: لم يرد بإخبارهم هذا الخبر أنهم أنشئوا من أصلاب قوم آخرين، ولكن معنى ذلك ما ذكرنا من أنهم أنشئوا مكان خَلْقٍ خلف قوم آخرين قد هلكوا قبلهم).
وقوله: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
أي: أخبرهم يا محمد - إن الذي وعدكم به ربكم من النكال والعقاب لِمَنْ تمرّد على طاعته وعاند واستكبر وصدّ عن دينه الحق، واقع لا محالة، ولا طريقة للفرار حينئذ من عقاب الله وعذابه في الآخرة.
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن جُبَيْر بن نُفَيْر عن بُسْر بن جَحَّاشٍ القُرَشي، أن النبي - ﷺ - بصق يومًا في كفّه فوضع عليها أَصْبُعَهُ ثم قال: [قال الله: إبن آدم أنّى تُعْجِزُني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيْتُكَ وعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بين بُردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومَنَعْتَ حتى إذا بَلَغَتِ التراقِيَ قُلْتَ أتصدقُ وأنّى أوانُ الصدقة] (١).
وقوله: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾. قال ابن عباس: (يعني: على ناحيتكم).
وقوله: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾. قال ابن كثير: (هذا تهديدٌ شديد، ووعيدٌ أكيدٌ، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنّون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقي ومَنْهَجي، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود: ١٢١، ١٢٢]).
وقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
قال: (أي: أتكونُ لي أَوْ لَكُم. وقد أنجز مَوْعودَهُ له - صلوات الله عليه - فإنه تعالى مَكَّنَ له في البلاد، وحَكَّمَهُ في نواصي مخالفيه من العباد، وفتحَ له مكة، وأظهرهُ على من كَذَّبَهُ من قومه وعاداه وناوأه، واستقرّ أمرُه على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكلُّ ذلك في حياته. ثم فُتِحَت الأمصار والأقاليم والرَّساتيقُ بعد وفاته في أيام خُلفائه، - ﵃ - أجمعين. كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢١٠)، من حديث بسر بن جحاش القرشي.
[ ٣ / ٦٠ ]
وَرُسُلِي. .﴾ [المجادلة: ٢١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقال تعالى إخبارًا عن رسله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣، ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا. . .﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقد فعل الله تعالى ذلك بهذه الأمة المحمدية، وله الحمد والمنّةُ أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا) انتهى.
قلت: وقد سخّر الله الطبيعة والملائكة وجنوده المختلفة لنصر نبيّه - ﷺ - تعظيمًا لقدره وجهاده، وتسلية له عما أصابه به أعداؤه. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس، أن أبا بكر حدثه قال: [قلت للنبي - ﷺ - ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه! فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: [لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: [قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله - ﷺ -: لو دنا لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا] (٣).
_________________
(١) حديث صحيح. وفي رواية: (اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما). صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٥٧). من حديث أنس ﵁. ورواه مسلم في الصحيح (٢٣٨١).
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٨/ ٨٣)، ورواه البخاري وغيره من أهل السنن.
(٣) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٤/ ٢١٥٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣ / ٦١ ]
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن رفاعة، عن النبي - ﷺ - قال: [جاء جبريل فقال: ما تعدون من شهد بدرًا فيكم؟ قلت: خيارنا، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة هم عندنا خيار الملائكة] (١).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد بسطت أكثرها في كتابي: السيرة النبوية على منهاج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة، وكتابي: أصل الدين والإيمان - عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فلله الحمد والمنة.
١٣٦ - ١٤٠. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: وجعل هؤلاء المشركون - العادلون بربهم الأوثان والأصنام - لربهم قِسمًا وجزءًا مما خلق من الحرث والأنعام، والقِسم الآخر لشركائهم
_________________
(١) حديث صحيح. رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان من طريق رافع بن خديج، وأصله في صحيح الإمام البخاري (٣٩٩٢) - كتاب المغازي، وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٠٨١).
[ ٣ / ٦٢ ]
لا يكون لله أبدًا، وأما قسم الله فيمكن أن يكون لشركائهم، فعدلوا بمن خلقهم وأنعم عليهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم وفَضَّلوه بالقَسْم قلة أدب منهم، وسوء حكم وضلالة وجهالة. وقد زين لهم الشياطين - إضافة إلى ذلك القَسْم الفاسد وسوء الأدب مع الله تعالى - وأد البنات، ليهلكوهم وليشوهوا عليهم دينهم ولو شاء الله لردّهم عن تلك الأفعال القبيحة المشينة، ولكنه سبحانه خذلهم عن الرشاد، فقتلوا الأولاد، وخضعوا لأهواء الشياطين. ثم كان من هؤلاء المشركين أن حلَّلوا من قبل أنفسهم وحرّموا ما لم يأذن به الله، فجعلوا السائبة والبحيرة والوصيلة وغيرها مما سمّوا لآلهتهم فقالوا نحرم أكلها وظهورها والانتفاع بِرِسْلِها ونِتاجها ونجعلها وقفًا للأصنام، وكذلك حرموا أنعامًا أخر فلا يحجون عليها ولا يذكرون اسم الله عليها إن ركبوها بحال، ولا إن حلبوها، ولا إن حملوا عليها، والله تعالى سيثيبهم جزاء ما كانوا يكذبون. وكذلك قالوا: ما في بطون تلك الأنعام من لبن وجنين حِلٌّ لذكورهم، خالصة، دون إناثهم، فإن كان الذي في بطونها ميتة اشترك في أكله الرجال والنساء، سيجزيهم وصفهم وافتراءهم إنه تعالى حكيم بما سيصنع بهم، عليم باجترائهم التشريع الكذب وتنحية شرعه الحكيم. إن الذين قتلوا أولادهم ظلمًا وسفهًا وتعظيمًا لعادات القوم الجاهلية، وأحلوا وحرموا من عند أنفسهم قد ضلوا وخسروا وما كانوا مهتدين.
فقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾.
ذمٌّ وتوبيخٌ من الله تعالى للمشركين الذين اختلقوا تشريعًا كذبًا كفرًا وشركًا بالله تعالى. ﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾ أي: خلق وبرأ. ﴿نَصِيبًا﴾ يعني: قسمًا وجزءًا. ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾ أي: من الزروع والثمار، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾.
وقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾.
قال قتادة: (عَمدَ ناس من أهل الضلالة فجزؤوا من حروثهم ومواشيهم جزءًا لله وجزءًا لشركائهم. وكانوا إذا خالط شيء مما جزؤوا لله فيما جزؤوا لشركائهم خلَّوه. فإذا خالط شيء مما جزؤوا لشركائهم فيما جزؤوا لله ردّوه على شركائهم. وكانوا إذا أصابتهم السَّنَةُ استعانوا بما جزؤوا لله، وأقروا ما جزؤوا لشركائهم، قال الله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾) - أي: ساء ما يقسمون.
وقال ابن عباس: (إن أعداء الله كانوا إذا حَرَثوا حَرْثًا، أو كانت لهم ثمرةٌ، جعلُوا لله منه. جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان
[ ٣ / ٦٣ ]
حفِظوه وأحصَوه. وإن سقطَ منه شيء فيما سُمِّيَ للصَّمد رَدُّوه إلى ما جَعَلوه للوَثَنِ. وإن سَبَقَهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقى شيئًا جَعَلُوه لله جعلوا ذلك للوثن. وإن سَقَطَ شيءٌ من الحَرْثِ والثَّمَرِ التي جعلوا لله فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير. ولم يَرُدوه إلى ما جعلوه لله. وإن سبقهم الماءُ الذي جعلوه لله، فسقى ما سُمِّيَ للوثن، ترَكوه للوثن. وكانوا يُحَرِّمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلةَ والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يُحَرِّمُونه قربة لله، فقال الله - ﷿ -: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. . الآية).
قال ابن كثير: (﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. أي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطؤوا أولًا في القسمة، فإن الله تعالى هو ربُّ كلِّ شيء ومليكُه وخالقُه، وله الملك، وكل شيء له وفي تَصَرُّفِه وتحت قُدْرَتِه ومشيئته، لا إله غيره، ولا ربّ سواه. ثم لما قَسَموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة، بل جارُوا فيها، كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥]. وقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١، ٢٢]).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾.
توبيخ آخر، وذم متتابع من الله تعالى، لهؤلاء المشركين الذين صدرت منهم تلك القسمة الفاسدة في الحرث والأنعام - تجاه ربهم وخالقهم وخالق حرثهم وأنعامهم، وقد زيّن لهم الشيطان بعد ذلك قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات خشية العار. قال ابن عباس: (زينوا لهم، من قَتْلِ أولادهم). وقال مجاهد: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾: شياطينهم، يأمرونهم أن يئدِوا أولادهم خيفة العَيْلة). وقال السدي: (أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات. وأما ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾، فيهلكوهم. وأما ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾، فيخلطوا عليهم دينهم).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ. . .﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩].
[ ٣ / ٦٤ ]
قلت: وهذا الظلم الذي كان يقع على الأولاد والبنات في الجاهلية، قد أبكى النبي - ﷺ -.
يروي الدارمي في أول "سننه" عن الوَضين: [أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إنا كنا أهل جاهلية وعبادةِ أوثان، فكنا نقتل الأولاد، وكانت عندي ابنة لي، فلما أجابت، وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها، فدعوتها يومًا، فاتبعتني، فمررت حتى أتيت بئرًا من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها فرديت بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه! يا أبتاه! فبكى رسول الله - ﷺ - حتى وكف دمع عينيه، فقال له رجل من جلساء رسول الله - ﷺ -: أحْزَنْتَ رسول الله - ﷺ -! فقال له: كُفَّ، فإنه يسأل عما أَهَمَّهُ. ثم قال له: أعد عليَّ حديثك، فأعاده، فبكى حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته، ثم قال له: إن الله قد وضع عن الجاهلية ما عملوا، فاستأنف العمل] (١).
وله شاهد عند الطبراني في "الأوسط" بسند حسن عن أبي ذر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من أحسن فيما بقي، غُفِرَ له ما مضى. ومن أساء فيما بقي، أخِذَ بما مضى وما بقي] (٢).
وأصله في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: [قال رجل يا رسول الله! أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر] (٣).
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾.
قال ابن جرير: (ولو شاء الله أن لا يفعلوا ما كانوا يفعلون من قتلهم لم يفعلوه، بأن كان يهديهم للحق، ويوفقهم للسداد، فكانوا لا يقتلونهم، ولكن الله خذلهم عن الرشاد فقتلوا أولادهم، وأطاعوا الشياطين التي أغوتهم).
وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
أي: فذرهم يا محمد وما كان من قسمهم الفاسد، وقتل أولادهم وتقوّلهم على الله
_________________
(١) حديث له شواهد. أخرجه الدارمي في أول "سننه" (١/ ٣ - ٤). وانظر تاريخ دمشق لابن عساكر (١٨/ ٣٧٧) ما يشهد له، وكذلك سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٣٨٩).
(٢) حديث حسن. أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧/ ٤١٣/ ٦٨٠٢). وانظر المرجع السابق.
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١/ ٧٧ - ٧٨)، وابن ماجه (٤٢٤٢)، وأخرجه أحمد (١/ ٤٠٩، ٤٣١)، وأخرجه البيهقي في "السنن" (٩/ ١٢٣)، وغيرهم.
[ ٣ / ٦٥ ]
الكذب والزور، فإن ربهم لهم بالمرصاد، وينتظرهم عذاب موجع أليم فيه خزيهم وهوانهم ومذلتهم.
وقوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾.
قال ابن عباس: (الحِجْرُ: الحرامُ، ما حَرَّموا من الوصيلة، وتحريم ما حَرَّموا).
وقال قتادة: (تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم، وتغليظٌ وتشديد، وكان ذلك من الشياطين، ولم يكن من الله تعالى). وقال ابن زيد: (﴿حِجْرٌ﴾، إنما احتجروها لآلهتهم). وقال السدّي: (﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾، يقولون: حَرَام أن نُطْعِمَ إلا من شِئْنَا). وقال: (أما أنعامٌ حُرمت ظهورها فهي البحيرة والسائبة والحام. وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها، قال: لا إذا أولدوها، ولا إن نحروها). وقال مجاهد: (كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حَلبُوا، ولا إن حَمَلوا، ولا إن سَحَبُوا، ولا إن عملوا شيئًا). وقال أبو وائل: (هي البحيرة، كانوا لا يحجون عليها).
والآية تشبه ما في التنزيل من قوله تعالى:
١ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩].
٢ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣].
٣ - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
وقوله: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾.
أي: افتراء وكذبًا على الله في إقحامهم الجاهلية في دين الله وشرعه، مما لم يأذن الله به ولم يرضه بل عابه وحرّمه.
وقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
أي: سيثيبهم ربهم وسيحاسبهم على ما أسندوا إليه من التشريع الجاهلي المفترى، فإن أكذب الكذب وأشد الافتراء هو ما كان تجاه شرع الله ودينه الحنيف.
[ ٣ / ٦٦ ]
وقوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾.
قال ابن عباس: (فهو اللبن، كانوا يحرِّمُونه على إناثهم، ويشرَبه ذُكْرانهم. وكانت الشاةُ إذا ولدت ولدًا ذكرًا ذَبَحوه، وكان للرجال دون النساء. وإن كانت أنثى تُرِكت فلم تُذبح، وإن كانت مَيْتَةً فهم فيه شركاء. فنهى الله عن ذلك).
وقال الشعبي: (البحيرةُ لا يَأْكُلُ من لَبَنِها إلا الرجال، وإن ماتَ منها شيءٌ أكَلَهُ الرجال والنساء). وقال مجاهد: (﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾: هي السائبة والبحيرة).
وقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾.
قال مجاهد: (أي: قَوْلَهم الكَذِبَ في ذلك).
وقوله: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: حكيم في شرعه سبحانه وفي كل أقواله وأفعاله. عليم بكل شيء، وبما يجترئ عباده عليه من مخالفته، وبما سيقابل ذلك في الدنيا والآخرة من الخزي والشقاء.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
أخرج البخاري فيِ صحيحه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: [إذا سَرَّك أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئةٍ في سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾] (١)
قال قتادة: (هذا صنيع أهل الجاهلية. كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السِّباء والفاقة، ويغذو كلبه، وقوله: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾، الآية، وهم أهل الجاهلية. جعلوا بحيرةً وسائبة ووصيلةً وحاميًا، تحكمًا من الشياطين في أموالهم).
وقال الشهاب: (وفي قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بعد قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم (٣٥٢٤) - كتاب المناقب. باب قِصَّةِ زمزم وَجَهْلِ العرب. من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٣ / ٦٧ ]
مبالغة في نفي الهداية عنهم، لأن صيغة الفعل تقتضي حدوث الضلال، بعد أن لم يكن. فلذا أردف بهذه الحال، لبيان عراقتهم في الضلال، وإنما ضلالهم الحادث ظلمات بعضها فوق بعض) - ذكره القاسمي.
١٤١ - ١٤٢. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾.
في هذه الآيات: إعلام من الله سبحانه لهم ولكل خلقه عن جميل نعمه عليهم، في خلق الزروع والثمار والأنعام، ومما عَرَشَ الناس من الكروم أو رفعه الله وبناه، ومما أنشأ لهم سبحانه من النخل والزرع مختلفًا أكله وألوانه، ثم هم يقسمونه بأهوائهم ويجعلون منه حرامًا وحلالًا بعقولهم الفاسدة ويشركون بالله في التشريع، والله أحل لكم أكله والتمتع بثمره وما أمر بإخراج إلا الصدقة يوم حصاده، ونهى عن الإسراف وأخبر أنه لا يحب المسرفين. وهو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة وفرشًا، كبار الإبل وصغاره، وأحل لكم ثمرات حروثكم وغروسكم ولحوم أنعامكم، فكلوا مما رزقكم سبحانه، ولا تخوضوا في متاهات القول على الله بغير علم، أو التشريع بوحي من الشيطان، فإنه لكم عدو مبين.
فقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾.
أي: أحدث بساتين من الكروم المعروشة التي ترفعونها، أو غير المعروشة التي يَبْنيها الله وينميها وينبتها في البر والجبال.
قال ابن عباس: (المعروشات: ما عرش الناس، وغير المعروشات: ما خرج في البر والجبال من الثمرات). وقال السدي: (أما ﴿جَنَّاتٍ﴾، فالبساتين، وأما ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾، فما عرش كهيئة الكَرْم). وعن عطاء: (﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾، قال: ما يُعْرَشُ من الكروم، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾، قال: ما لا يعرش من الكرم).
[ ٣ / ٦٨ ]
وقوله: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾.
قال ابن جرير: (وخلق النخل والزرع مختلفًا ما يخرج منه مما يؤكل من الثمر والحب، ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾، في الطعم، منه الحلو، والحامض، والمزّ).
وقال ابن جريج: ("متشابهًا"، في المنظر، و"غير متشابه"، في الطعم).
وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾.
قال محمد بن كعب: (من رُطبه وعنبه).
وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
١ - قال ابن عباس: (العشر ونصف العشر). وقال الحسن: (الزكاة. وقال: هي الصدقة من الحب والثمار). وقال سعيد بن المسيب: (الصدقة المفروضة). وقال ابن عباس: (وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، وهو أن يعلم ما كيله وحقّه، فيخرج من كل عشرة واحدًا، وما يَلْقُط الناس من سنبله).
٢ - قال قتادة: (وحقه يوم حصاده: الصدقة المفروضة. ذكر لنا أن نبيّ الله - ﷺ - سَنَّ فيما سقت السماء أو العين السائحة، أو سقاه الطل - و"الطل"، الندى - أو كان بَعْلًا، العشرَ كاملًا. وإن سقي برشاء نصفَ العشر. قال قتادة: وهذا فيما يكال من الثمرة. وكان هذا إذا بلغت الثمرة خمسةُ أوسق، وذلك ثلاث مئة صاع، فقد حق فيها الزكاة. وكانوا يستحبون أن يعطوا مما لا يكال من الثمرة على قدر ذلك).
٣ - قال عطاء: (﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: من النخل والعنب والحب كله). وقال: (يعطي من حُضور يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة). وقال: (ليس بالزكاة، ولكن يُطعم من حَضَره ساعتئذٍ حَصيده). وقال مجاهد: (سوى الفريضة).
قلت: الزكاة في الزروع والثمار واجبة في أربعة أصناف: التمر والزبيب والحنطة والشعير. وفي ذلك حديثان:
الحديث الأول: أخرج الحاكم والبيهقي بسند صحيح عن أبي بردة: عن أبي موسى ومعاذ: [أن رسول الله - ﷺ - بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن
[ ٣ / ٦٩ ]
لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب] (١).
الحديث الثاني: أخرج الدارقطني بسند صحيح لغيره عن موسى بن طلحة عن عمر بن الخطاب قال: [إنما سَنَّ رسول الله - ﷺ - الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة والشعير والزبيب والتمر] (٢).
ويشترط لوجوب الزكاة في الزروع والثمار أن تبلغ النصاب - خمسة أوسق.
والأوسق: جمع وَسْق، بفتح الواو أو كسرها، وهو ستون صاعًا بالاتفاق.
أخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ليس فيما دون خمس ذَودٍ صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسُقٍ صدقة] (٣).
والأواق: جمع أوقية. قال ابن حجر: (ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهمًا بالاتفاق، والمراد بالدرهم الخالص من الفضة).
وأما المقدار الواجب إخراجه في زكاة الزروع والثمار: العشر فيما سقت السماء والعيون، ونصف العشر فيما سُقي بالناضح أو السانية.
ففي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: [فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشور] (٤).
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: [فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَريًّا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر] (٥).
والعشور: جمع عشر. والغيم: المطر. والسانية: هو البعير الذي يسقى به الماء من البئر، ويقال له الناضح. و"عَثَريًّا": هو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه من ماء
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (١/ ٤٠١)، والبيهقي (٤/ ١٢٥)، وإسناده صحيح.
(٢) صحيح لغيره. أخرجه الدارقطني (٢٠١)، ويشهد له ما قبله. انظر السلسلة الصحيحة (٨٧٩).
(٣) متفق عليه. أخرجه البخاري (١٤٤٧)، واللفظ له، ومسلم (٩٧٩)، والنسائي (٥/ ١٧)، وأخرجه الترمذي (٦٢٢)، وأخرجه ابن ماجه في السنن (١٧٩٣)، وغيرهم.
(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٩٨١)، وأبو داود (١٥٨٢)، والنسائي (٥/ ٤٢)، وغيرهم.
(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٤٨٣)، وأخرجه أبو داود (١٥٨١)، والترمذي (٦٣٥)، وأخرجه النسائي (٥/ ٤١)، وابن ماجه (١٨١٧)، وغيرهم.
[ ٣ / ٧٠ ]
المطر في سواق تشق له. واشتق من العاثور: الساقية التي يجري فيها الماء، لأن الماشي يعثر فيها (١).
قلت: وأما بقية الأصناف من الزروع والثمار غير الأربعة ففيها صدقة سوى الزكاة، تسع الأقارب والجيران، والأهل والأرحام، متروك مقدارها لمنزلة الإحسان. تدخل في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر بن عبد الله: [أن النبي - ﷺ -: أمر من كل جاد (٢) عشرة أوسق من التمر، بقنو يعلق في المسجد للمساكين] (٣).
قال ابن سِيرين: (كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة)، وبنحوه قال مجاهد.
وقوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
فيه أقوال متكاملة.
١ - قال أبو العالية: (كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تبارَوا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾).
٢ - قال ابن جريج، عن عطاء: (ينهى عن السَّرَف في كل شيء). وقال إياس بن معاوية: (ما جاوَزْتَ به أمرَ الله فهو سَرَف).
٣ - وقال السدي: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تعطوا أموالكم، فتقعدوا فقراء).
٤ - وقال سعيد بن المسيب: (﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تمنعوا الصدقةَ فتعصوا ربكم).
واختار ابن جرير قول عطاء: نهي عن الإسراف في كل شي. واختار ابن كثير: لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مَضَرّة العقل والبدن، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا. .﴾ [الأعراف: ٣١].
_________________
(١) انظر فتح الباري (ج ٣ ص ٤٠٨ - دار الريان). وكتاب: الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز (٢٢٠).
(٢) الجاد: هو المجدود (المجذوذ - المقطوع) من النخل، يتصدق من كل عشرة أوسق. بقنو يعلق في المسجد، وهذا عندما يكون رطبًا، قيل أن ييبس التمر، ليأكل الفقير، كما يأكل صاحب النخل رطبه في العرايا. انظر صحيح سنن أبي داود ص (٣١٣).
(٣) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (١٦٦٢) - باب في حقوق الأموال. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (١٤٦٤).
[ ٣ / ٧١ ]
قلت: والآية عامة تشمل التنبيه ضد المبالغة في الإنفاق والصدقة على حساب الأهل ومن يلزمه نفقتهم، كما تشمل التحذير من الإسراف في الأكل والشرب، كما تشمل الترهيب من مجاوزة أوامر الله في كل حال. وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: [إنك أَنْ تذرَ ورثتك أغنياء خير من أن تَذَرهم عالةً يتكفّفون الناس] (١).
الحديث الثاني: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قِيلَ وقال، وكثرة السؤال، وإضاعةَ المال] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري تعليقًا: [كُلوا واشربوا والبَسُوا وتَصَدَّقوا، في غير إسرافٍ ولا مَخيلةٍ] (٣).
وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾.
الحمولة: ما حمل عليه من الإبل وغيرها، والفرش: صغار الإبل التي لم يُحْمَل عليها بعد.
١ - قال ابن عباس: (الحمولة هي الكبار، والفرش: الصغار من الإبل).
٢ - قال الحسن: (الحمولة: ما حمل عليه، والفرش: حواشيها، يعني صغارها).
٣ - قال قتادة: (أما "الحمولة"، فالإبل والبقر. وأما "الفرش"، فالغنم). وقال ابن عباس: (فأما "الحمولة" فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما "الفرش"، فالغنم).
٤ - قال ابن زيد: ("الحمولة" ما تركبون، و"الفرش"، ما تأكلون وتحلبون، شاة
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٣٢)، وأخرجه مسلم (١٦٢٨) - في أثناء حديث أطول.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم (١٧١٥). وله شواهد كثيرة.
(٣) حديث حسن. ذكره البخاري قبل ح (٥٧٨٣) معلقًا بصيغة الجزم، ووصله الطيالسي (٢٢٦١) فقال: حدثنا همام عن رجل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وزاد: "فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". وفيه رجل لم يسم، لكن أسنده البيهقي في الشعب عن همام عن قتادة عن عمرو بن شعيب. وإسناده حسن. انظر تخريج - المهدي - على تفسير ابن كثير (٣/ ص ١٠٠).
[ ٣ / ٧٢ ]
لا تحمل، تأكلون لحمها، وتتخذون من أصوافها لحافًا وفرشًا).
وقال السدي: (أما "الحمولة"، فالإبل، وأما "الفرش" فالفُصْلان والعَجاجيل والغنم. وما حمل عليه فهو "حمولة").
قلت: والقول الثالث أشملها، فكل ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال والحمير وغير ذلك من الأنعام فهو حمولة، واختاره ابن جرير. ثم قال: (وكذلك "الفرش"، إنما هو صفة لما لطف فقرب من الأرض جسمه، ويقال له: "الفرش". وأحسبها سميت بذلك تمثيلًا لها في استواء أسنانها ولطفها بالفَرْش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤها الناس).
وفي التنزيل ما يشهد لهذا المعنى:
١ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٧٩، ٨٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١، ٧٢].
٣ - وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ هو إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٦٦ - ٨٠].
وقوله: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.
أي: كلوا من طيبات ما رزقكم الله معشر المؤمنين، فقد أحل لكم ثمرات زروعكم وغروسكم وحروثكم، ولحوم أنعامكم، ولا تقلدوا المشركين الذين اتبعوا خطوات الشيطان، فحرموا طيبات أحلت لهم، وشرعوا ما لم يأذن به الله.
قال ابن زيد: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: لا تتبعوا طاعته، هي ذنوب لكم، وهي طاعة للخبيث).
قلت: ومن خطوات الشيطان اكتساب الرزق من أي طريق، ولو كان في إشاعة منكر في الأرض من طعام أو شراب أو لباس أو علم فاسد المنهج أو غير ذلك، مما يعين على نشر الفواحش والمعازف في الأرض.
[ ٣ / ٧٣ ]
أخرج أبو نعيم في الحلية بسند حسن عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن روح القدس نفث في رُوعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم أستبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته] (١).
وأخرج ابن ماجه في سننه بسند صحيح عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده، لَتُصَبَّنَّ عليكم الدنيا صبًا، حتى لا يزيغَ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وايم الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء] (٢).
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
قال ابن جرير: (إن الشيطان لكم عدو يبغي هلاككم وصدكم عن سبيل ربكم، ﴿مُبِينٌ﴾، قد أبان لكم عداوته، بمناصبته أباكم العداوة، حتى أخرجه من الجنة بكيده، وخَدَعه حسدًا منه له، وبغْيًا عليه).
وآيات القرآن كثيرة في مظاهرة العداوة مع هذا الشيطان اللعين وأعوانه:
١ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
٣ - وقال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا. . .﴾ [الأعراف: ٢٧]
وقد حفلت السنة الصحيحة كذلك بالحث على مخالفته ومبادلته العداوة - في أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -
_________________
(١) حديث حسن. انظر تخريج مشكاة المصابيح (١٥)، وتخريج فقه السيرة (٩٦) - الألباني.
(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه في السنن (٥). وانظر صحيح الجامع الصغير (٩)، وتفصيل بحث الرزق في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ٨٣٣).
[ ٣ / ٧٤ ]
قال: [إذا قرأ ابنُ آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمِرتُ بالسجود فعصيت فليَ النار] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن الشيطان قد أَيِسَ أن يعبدَه المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن سبرة، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد بطريق الإسلام فقال: تُسلِمُ وتذرُ دينك ودينَ آبائك وآباء آبائك؟ ! فعصاه فأسلم. ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: تهاجرُ وتدع أرضك وسماءك. . فعصاه فهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فَتُنْكَحُ المرأة ويقسم المال؟ ! فعصاه فجاهد] (٣).
١٤٣ - ١٤٦. قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا
_________________
(١) حديث صحيح. انظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (٣٦٩) - باب: من سجد لله فله الجنة.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٨/ ١٣٨). وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (١٨٠٤) - باب: في تحريش الشيطان بين المصلين.
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٨٣)، والنسائي في السنن (٦/ ٢١ - ٢٢)، وابن حبان في صحيحه (٤٥٩٣) من حديث سبرةَ بن أبي فاكه، وإسناده لا بأس به. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث (١٦٤٨). وتفصيل البحث في كتابي: أصل الدين والإيمان (٢/ ١٣٤١).
[ ٣ / ٧٥ ]
كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾.
في هذه الآيات: يقول جل ذكره: وأنشأ لكم - أيها الناس - من الأنعام ثمانية أزواج، من الضأن اثنين - ذكر وأنثى - فذلك أربعة، ومن المعز اثنين - ذكر وأنثى - فذلك أربعة، لأن الذكر زوج الأنثى والأنثى زوج الذكر - فقل - يا محمد - لهؤلاء الكذبة على الله: آلذكرين حرم ربكم من الضأن والمعز - فإن أقروا فقد ناقضوا أنفسهم وهم يستمتعون بلحوم الذكران منها وظهورها - أم حرّم الأنثيين؟ فإن أقروا فقد ناقضوا أنفسهم مرة أخرى، فهم يستمتعون بلحوم بعض ذلك وظهوره! أم حرّم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين - أنثى الضأن وأنثى المعز؟ فإن أقروا فقد كذبوا باستمتاعهم ببعض ذلك! قل لهم: خبروني بعلم عن مذهبكم الذي شرعتموه وأشركتم بالله في التشريع. والأمر نفسه بالنسبة للإبل والبقر. قل لهم يا محمد: كيف حرمتم وأحللتم - هل شهدتم ربكم فوصاكم بهذا أم تفترون عليه الكذب، فمن أظلم ممن كذب على الله ليصد الناس عن سبيله، إن الله لا يوفق الكاذبين المفترين. قل لهؤلاء المفترين: إني لا أجد فيما أوحي إلي من كتاب الله وشرعه محرّمًا على آكل يأكله - مما تصفون - إلا ميتة ماتت دون تذكية أو دمًا انصبّ أو لحم خنزير - فذلك رجس - أو فسقًا - كذبح عبدة الأوثان والمشركين - فما سبق لا يجوز أكله إلا عند الضرورة وخشية الهلاك والله غفور رحيم. لقد حرمنا فيما مضى على اليهود كل ذي ظفر من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع - كالإبل والنَّعام والإوز والبط، ومن البقر والغنم حرم شحومهما إلا شحومَ الجَنْب وما علق بالظهر، أو ما حملت الحوايا - وهو ما تحوّى من البطن فاجتمع واستدار - وإلا ما اختلط بعظم عقوبة على تنطعهم وبغيهم ونحن الصادقون في تشريعنا وأخبارنا عنهم، وهم الكاذبون في ادعائهم أن ذلك مما حرمه إسرائيل على نفسه فحرموه على أنفسهم.
قال ابن عباس: (﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ فهذه أزواج أربعة).
وقال الضحاك: (﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾، ذكر وأنثى، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾، ذكر وأنثى، ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾، ذكر وأنثى).
قال ابن كثير: (بَيّنَ أصنافَ الأنعام إلى غَنَمٍ وهو بياض وهو الضأن، وسواد وهو
[ ٣ / ٧٦ ]
المعز، ذكره وأنثاه، وإلى إبل ذكورها وإناثها، وبقر كذلك. وأنه تعالى لم يحرم شيئًا من ذلك ولا شيئًا من أولادها، بل كُلُّها مخلوقةٌ لبني آدم، أكلًا، وركوبًا، وحمولة، وحَلْبًا، وغير ذلك من وُجوه المنافع، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ. . .﴾ الآية [الزمر: ٦]. وقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، رَدٌّ عليهم في قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾. وقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: أخبروني عن يقين: كيف حَرَّمَ الله عليكم ما زعمتمُ تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلةِ والحامِ ونحو ذلك).
وقوله: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: لم أُحَرِّم شيئًا من ذلك).
وقوله: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
قال ابن عباس: (يعني هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضًا وتحلون بعضًا).
وقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾.
توبيخ لصنيعهم وابتداعهم تشريعًا كاذبًا لم يأذن به الله.
وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قال السدي: (كانوا يقولون - يعني الذين كانوا يتخذون البحائر والسوائب -: إن الله أمر بهذا. فقال الله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قلت: وأول من دخل بهذا التهديد والوعيد من سَنَّ ذلك التشريع الكاذب في أمة العرب - عمرو بن لحي.
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: [إنّ أول من سَيَّبَ السوائب وَعَبَدَ الأصنام أبو خزاعة عمرو بنُ عامر، وإني رأيته في النار يَجُرُّ أمعاءَه فيها] (١).
وله شاهد عن ابن أبي عاصم، بسند حسن عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: [يا أكثم! رأيت عَمْرَو بن لُحَيٍّ بن قمعة بنِ خَنْدَف
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٤٦)، وبنحوه (٢/ ٢٧٥)، ومسلم (٨/ ١٥٥).
[ ٣ / ٧٧ ]
يَجُرُّ قُصْبَهُ في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به ولا بك منه. فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غَيَّرَ دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وبَحَرَ البحيرة، وسَيَّبَ السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي] (١).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال ابن جرير: (يقول: لا يوفق الله للرشد من افترى على الله وقال عليه الزُّور والكذب، وأضاف إليه تحريم ما لم يحّرم، كفرًا بالله، وجحودًا لنبوة نبيه محمد - ﷺ -).
وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
قال طاووس: (كان أهل الجاهلية يستحلون أشياء ويحرّمون أشياء، فقال الله لنبيه: قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا مما كنتم تستحلون إلا هذا، وكانت أشياء يحرّمونها، فهي حرام الآن).
وقال عكرمة: (﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾: لولا هذه الآية لتتبّعَ المسلمون من العروق ما تتبعت اليهود). والدم المسفوح: هو الدم المُسال المُهراق.
فعن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، قال: سألته عن الدم وما يتلطَّخ بالمذْبح من الرأس، وعن القدر يرى فيها الحُمرة؟ قال: (إنما نهى الله عن الدم المسفوح).
وقال قتادة: (حُرِّم الدم ما كان مسفوحًا. وأما لحم خالطه دم، فلا بأس به).
أخرج البخاري في صحيحه عن سفيان: قال عمرو: قلتُ لجابرِ بنِ زَيْدٍ: [يزعمون أن رسول الله - ﷺ - نهى عن حُمُرِ الأهلية، فقال: قد كان يقول ذاكَ الحَكَمُ بن عَمْرٍو الغِفاري عِنْدَنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البَحْرُ ابنُ عباس وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا. . . (١٤٥)﴾] (٢).
قلت: لكن ثبتَ أن رسول الله - ﷺ - حرَّم لحوم الحمر الأهلية في أحاديث:
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه ابن أبي عاصم (ق ٢٠/ ١)، والحاكم (٤/ ٦٠٥)، وابن هشام في السيرة (١/ ٧٨) من حديث أبي هريرة، وإسناده حسن.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٥٢٩) - كتاب الذبائح والصيد. باب لحوم الحمر الإنسية.
[ ٣ / ٧٨ ]
الحديث الأول: أخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁: [أن النبي - ﷺ - رأى نيرانًا توقد يوم خيبر، قال: على ما توقدُ هذه النيران؟ قالوا: على الحمر الإنسية. قال: اكسِروها وأهرقوها. قالوا: ألا نُهْرِيقُها ونَغْسِلُها؟ قال: اغسلوا] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه عن أنس - يوم خيبر - قال: [وأصبنا حُمُرًا فطبخناها فنادى منادي النبي - ﷺ -: إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر فإنها رجس، قال: فأكفئت القدور بما فيها] (٢).
الحديث الثالث: أخرج البخاري في صحيحه عن جابر قال: [نهى النبي - ﷺ - يوم خيبر عن لحوم الحمر ورَخَّصَ في لحوم الخيل] (٣).
قلت: فهذا تخصيص للآية السابقة، وكذلك كل تخصيص آخر جاء في تحريم بعض اللحوم. وعليه يحمل قول ابن عباس: [كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تَقَذُّرًا، فبعث الله تعالى نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرَّم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا. . . (١٤٥)﴾ إلى آخر الآية] (٤).
ومن ذلك أيضًا ما أخرج الإمام أحمد والبخاري - واللفظ لأحمد - عن ابن عباس قال: [ماتت شاةٌ لسودةَ بنت زَمَعَة، فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانةُ - تعني الشاة - قال: فلولا أخَذْتم مَسْكها؟ قالت: نأخذ مَسْك شاةٍ قد ماتت؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: إنما قال الله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، وإنكم لا تَطعَمُونه، أَنْ تَدْبَغوه فتَنْتَفِعُوا به. فأرسَلَت فَسَلَخَت مَسْكها فدَبَغَتْه، فاتَّخَذَتْ مِنه قِرْبَةً، حتى تَخَرَّقَت عندها] (٥).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (٢٤٧٧) - كتاب المظالم. من حديث سلمة بن الأكوع ﵁. وانظر تفصيل هذا البحث في كتابي: السيرة النبوية على منهج الوحيين: القرآن والسنة الصحيحة. غزوة خيبر (١٠٩٤ - ١١٠٤).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤١٩٩) - كتاب المغازي. وانظر المرجع السابق ص (١٠٩٤).
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٢١٩) - كتاب المغازي. وانظر المرجع السابق ص (١٠٩٥).
(٤) صحيح الإسناد. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (٣٨٠٠) - باب ما لم يذكر تحريمه. وانظر صحيح سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٢٢٥).
(٥) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٥٥٣١)، (٥٥٣٢) - كتاب الذبائح والصيد - باب جلود الميتة. وانظر حديث رقم (٢٩٩١) - تفسير ابن كثير - لرواية أحمد.
[ ٣ / ٧٩ ]
وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.
يعني في أكلها لا في لمسها، فالنجاسة هنا معنوية، وليست حسية، فإن لحم الخنزير حرم أكله وبيعه، وعطف على الأنصاب والأزلام في الآية الأخرى، مما يدل على نجاسة الأكل، كما شبه اللعب بالنردشير في غمس اليد في لحم الخنزير أكلًا أو بيعًا. فهو تشبيه محرم بمحرم وليس تشبيه نجس بنجس.
ففي المسند عن بريدة مرفوعًا: [من لعب بالنردشير، فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه] (١).
وقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.
قال القاسمي: (﴿أَوْ فِسْقًا﴾ أي: خُروجًا عن الدين الذي هو كالحياة المطهرة ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ذبح على اسم الأصنام ورفع الصوت على ذبحه باسم غير الله. وإنما سمي ما ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ فسقًا، لتوغله في باب الفسق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾).
وقال النسفي: (﴿أَوْ فِسْقًا﴾ عطف على المنصوب قبله. وقوله ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه).
وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
أي: من وقع في الضرورة إلى تناول شيء مما ذكر، غير متلبِّس ببغي على مضطر مثله، أو عدوان في تجاوزه قدر حاجته من تناوله، فالله تعالى لا يؤاخذه رحمة منه.
وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾.
فيه أقوال متكاملة:
١ - قال ابن عباس: (البعير والنعامة ونحو ذلك من الدَّواب). وقال مجاهد: (النعامة والبعير).
٢ - قال سعيد بن جبير: (هو الذي ليس بمنفرج الأصابع). قال: (كل شيء متفرق الأصابع، ومنه الديك).
_________________
(١) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (٢٢٦٠) بلفظ: "من لعب بالنردشير فكأنما صَبَغَ يده في لحم خنزير ودمه" - كتاب الشعر - باب تحريم اللعب بالنردشير. وصحيح الجامع (٦٤٠٤) للفظ أحمد.
[ ٣ / ٨٠ ]
٣ - قال قتادة: (البعير والنعامة وأشباهه من الطير والحيتان). وقال: (﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: الإبل والنعام، ظفر يد البعير ورجله، والنعام أيضًا كذلك. وحرم عليهم أيضًا من الطير البط وشبهه، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع).
٤ - وقال مجاهد: (﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، قال: النعامة والبعير، شقًّا شقًّا. قيل: ما "شقًا شقًا"؟ قال: كل ما لم تفرج قوائمه لم يأكله اليهود، والبعير والنعامة. والدجاج والعصافير تأكلها اليهود، لأنها قد فُرِجَت).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وَحرّمنا على اليهود، ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، وهو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع، كالإبل والنَّعام والإوز والبط).
وقوله: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾.
قال السدي: (﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾: الثرب وشحم الكليتين. وكانت اليهود تقول: إنما حرمه إسرائيل، فنحن نُحَرِّمُه. قال: أما ﴿مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، فالألْيات).
وعن ابن عباس: (﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾، يعني: ما علق بالظهر من الشحوم).
وقال أبو صالح: (الألية، مما حملت ظهورهما).
وقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾.
جمع حاوِياء، وحاوية، وحَوِيّة. قال ابن جرير: (وهي ما تحوَّى من البطن فاجتمع واستدار، وهي بنات اللبن، وهي "المباعر"، وتسمى "المرابض"، وفيها الأمعاء). ومن أقوال المفسرين:
١ - قال ابن عباس: (﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾، وهي المبعر). وقال سعيد بن جبير: (المباعر).
٢ - وقال مجاهد: (﴿الْحَوَايَا﴾: المبعر والمرْبَض). وبنحوه قال قتادة.
٣ - وقال الضحاك: (﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾، يعني البطون غير الثروب).
٤ - وقال ابن زيد: (الحوايا: المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها، وهي "بنات اللبن"، وهي في كلام العرب تدعى "المرابض").
وقوله: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾.
شحم الألية والجنب وما شابهه.
[ ٣ / ٨١ ]
قال ابن جريج: (﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: شحم الألية بالعُصْعُص، فهو حلال.
وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين قد اختلط بعظم، فهو حلال).
وقال السدي: (﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، مما كان من شحم على عظم).
فيكون المعنى: ومن البقر والغنم حرمنا على الذين هادوا شحومهما، واستثني من ذلك ما حملت ظهورهما أو حواياهما أو ما اختلط بعظم فذلك حلال).
وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
قال قتادة: (إنما حرم ذلك عليهم عقوبة ببغيهم). وقال ابن زيد: (فعلنا ذلك بهم ببغيهم).
قال الحافظ ابن كثير: (﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، أي: وإنا لعادلون فيما جازيناهم به).
وقال ابن جرير: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾، يقول: وإنا لصادقون في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود عما حرمنا عليهم من الشحوم ولحوم الأنعام والطير التي ذكرنا أنّا حرمنا عليهم، وفي غير ذلك من أخبارنا، وهم الكاذبون في زعمهم أن ذلك إنما حرمه إسرائيل على نفسه، وأنهم إنما حرموه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه).
والخلاصة: إن الله جلت عظمته إنما ضيق على هؤلاء اليهود ما ضيق مجازاة لهم على تنطعهم وبغيهم.
وفي التنزيل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.
قلت: وقد جاءت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس قال: [بلغَ عُمرَ بن الخطاب - ﵁ - أن سَمُرَةَ باعَ خمرًا، فقال: قاتل الله سَمُرَة! ألم يَعْلَمْ أن رسول الله - ﷺ - قال: لَعَنَ الله اليهود، حُرِّمَتْ عليهم الشحوم فَجَملوها فباعوها] (١).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٢٣)، ومسلم (١٥٨٢) - واللفظ له - وأخرجه أحمد (١/ ٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٧). من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
[ ٣ / ٨٢ ]
قال: [قاتل الله يهودًا، حُرِّمت عليهم الشُّحوم فباعوها وأكلوا أثمانها] (١).
قال أبو عبد الله: قَاتَلَهم الله: لَعَنَهُم. "قُتِلَ": لُعِنَ "الخراصون": الكذابون.
الحديث الثالث: أخرج الجماعة وأحمد وأبو يعلى وابن حبان عن جابر بن عبد الله ﵄: [أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول وهو بمكة عام الفتح: إن الله ورسولَه حرّم بيع الخمر والمَيْتَةِ والخِنزيرِ والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحومَ الميتةِ فإنها يُطلى بها السُّفُنُ ويُدهن بها الجلودُ، ويَسْتَصبحُ بها الناسُ، فقال: لا، هو حرام. ثم قال رسول الله - ﷺ - عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لمّا حَرَّمَ شحومَها جَمَلوهُ ثم باعوه فأكلوا ثمنه] (٢).
١٤٧ - ١٥٠. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾
في هذه الآيات: فإن كذبك المشركون وهؤلاء اليهود - يا محمد - فيما أخبرك الله مما كان من فساد منهجهم وافترائهم فقل ربكم واسع الرحمة بالمؤمنين خاصة وبجميع خلقه عامة لا يعاجلهم عقوبته بل يعطيهم فرصة ليستعتبوا، فإذا حان الأجل عنده أنزل غضبه بمن تمرّد على دينه وطاعته ثم لا راد لبأسه. سيحتج المشركون مبررين شركهم بالقدر ومشيئة الله، وبأن الله لو أراد لهم الإيمان ولآبائهم لكان ما أراد، وهذه المتاهة
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٢٤) - كتاب البيوع. باب لا يُذاب شحم المَيْتَة ولا يُباعُ وَدَكُه. وأخرجه مسلم في الصحيح (١٥٨٣)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٤٧)، وغيرهم.
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٢٢٣٦) - كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام. وأخرجه مسلم (١٥٨١)، وأبو داود (٣٤٨٦)، والترمذي (١٢٩٧)، والنسائي (٧/ ٣٠٩)، وابن ماجه (٢١٦٧)، وأخرجه أحمد (٣/ ٣٢٤)، وأخرجه أبو يعلى (١٨٧٣)، وابن حبان (٤٩٣٧) من حديث جابر.
[ ٣ / ٨٣ ]
في التعامل مع الحق قد سبقهم بها أقوام كذبوا من قبل فدكهم عذاب الله، قل لهم - يا محمد - هل عندكم على دعواكم عن رضا الله بشرككم، أو تحريمكم بأهوائكم، حجة من العلم، وإنما أنتم تفترون على الله الكذب ولا برهان ولا علم ولا حجة لديكم. إن الحجة البالغة لله سبحانه فقد أعذر عباده وأنذر ولو شاء لألزمكم الهداية ولكنه ما أراد ذلك. ثم قل لهم يا محمد - هاتوا شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرّم عليكم ما تدّعون، فإن فعلوا يا محمد - وأتوا بالشهداء فلا تشهد معهم فإنهم شهود زور وكذب، فاحذر أن تصدق قومًا يتبعون أهواءهم ولا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يشركون.
فعن مجاهد: (﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ - قال اليهود). قال السدي: (كانت اليهود يقولون: إنما حرّمه إسرائيل - يعني الثَّرْبَ شحم الكليتين - فنحن نحرمه، فذلك قوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾).
والآية ترغيب للمشركين واليهود في التماس رحمة الله الواسعة، بعد الترهيب من مغبة الكذب على الله والشرك به. والقرآن مليء بهذا المنهج الفريد الذي يتودد الله به إلى عباده رغم سوء صنيعهم وظلمهم علهم يرجعون إلى التماس عفوه ومغفرته.
١ - قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾. ختم بها هذه السورة.
٢ - وقال سبحانه في سورة الرعد: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾.
٣ - وقال جل ذكره في سورة الحجر: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.
٤ - وقال جلت عظمته في سورة البروج: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾.
أخرج الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنانَ السماء ثم استغفرتني
[ ٣ / ٨٤ ]
غفرت لك. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خَطَايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة] (١).
وقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾.
قال ابن كثير: (هذه مناظرة ذَكَرها الله تعالى، وشُبْهةٌ تَشَبَّثَ بها المشركون في شِرْكِهم وتحريم ما حَرَّموا: فإن الله مُطَّلِعٌ على ما هُم فيه من الشِّرك والتحريم لما حَرَّموه، وهو قادر على تغييره بأن يُلهمَنا الإيمان، أو يحولَ بيننا وبين الكفر، فلم يُغَيِّره، فدل على أنه بمشيئته وإرادتِهِ ورضاه مِنّا ذلك).
وفي التنزيل ما يشبه هذه الدعوة الباطلة: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ. . (٢٠)﴾ [الزخرف].
قلت: وفرق بين الإرادة والمحبة، أو المشيئة والرضا، فإن الله خلق إبليس وأراده ولا يحبه، وخلق الكفر ولا يرضاه، فقال سبحانه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.
أخرج أبو نعيم في الحلية، بسند حسن، عن عبد الله بن عمر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (٢).
وله شاهد عند البيهقي بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال النبي - ﷺ - لأبي بكر: [يا أبا بكر: لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس] (٣).
وقوله: ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾.
قال مجاهد: (قول قريش بغير يقين: إن الله حرم هذه البحيرة والسائبة).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
قال النسفي: (أي: كتكذيبهم إياك كان تكذيب المتقدمين رسلهم وتشبثوا بمثل هذا
_________________
(١) عنان السماء: ما عَنَّ منها، أي ظهر إذا رفعت رأسك، وقيل هو السحاب. وقُراب الأرض: بضم القاف وكسرها وهو ما يُقارب مِلأها. والحديث أخرجه أحمد والترمذي، وكذلك رواه الدارمي (٢/ ٣٢٢). انظر كتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ١٠١)، (١/ ٢٤٠).
(٢) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٢). وحسنه الألباني في الصحيحة (١٦٤٢).
(٣) حديث حسن. أخرجه البيهقي في "الأسماء" (١٥٧)، وانظر مسند البزار (٢٢٩).
[ ٣ / ٨٥ ]
فلم ينفعهم ذلك إذ لم يقولوه عن اعتقاد بل قالوا ذلك استهزاء، ولأنهم جعلوا مشيئته حجة لهم على أنهم معذورون به وهذا مردود).
وقوله: ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾.
أي: حتى أنزلنا بهم النكال والعذاب.
وقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾.
أي: هل لديكم من خبر صحيح عن الله تعالى أنه راض عنكم فيما ذهبتم إليه فتظهروه لنا وتبرزوه.
وقوله: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.
أي: الوهم والغرور والخيال والافتراء. ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ - أي: تكذبون وتفترون وتدّعون باطلًا.
وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾.
قال الربيع بن أنس: (لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده).
وقوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
أي: لو أراد سبحانه لجمع عباده على دين الحق والهدى، ولألزمهم توحيده وتعظيمه، ولكنه تعالى بيّن طريق الحق وطريق الغواية، وترك لعباده الاختيار.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
٢ - وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣].
٣ - وقال جلت عظمته: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].
٤ - وقال جل ذكره: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩].
٥ - وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ
[ ٣ / ٨٦ ]
مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾.
المعنى: قل هاتوا شهداءكم - أيها المشركون - الذين يشهدون ما زعمتم من التحليل والتحريم أن الله شرعه لكم. فإن فعلوا فاحذر - يا محمد - تصديقهم. ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ - قال ابن جرير: (فإنم كذبة وشهود زور في شهادتهم بما شهدوا به من ذلك على الله). ثم احذر من اتباع أهواء قوم كذبوا بآيات الله ولقائه، وأسرفوا على أنفسهم بعبادة غيره من الأنداد والطواغيت وعدلوهم بربهم ظلمًا وعدوانا.
١٥١ - ١٥٣. قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾
في هذه الآيات: قل يا محمد - لهؤلاء المتجرئين على ربهم بالتشريع - تعالوا أيها القوم فاسمعوا ما حرّم ربكم عليكم حقًا، إنه حرّم أول ما حرّم عليكم الشرك به في العبادة أو التشريع، كما حرّم عليكم العقوق فأوصى بالوالدين إحسانًا، وحرّم قتل الأولاد ووأدهم خشية الفقر والضيق، وبشر برزقهم وإياكم، وحرم الفواحش الظاهرة والباطنة مما تخفون أو تعلنون، وحزم قتل النفس وسفك الدماء إلا بالحق، هذه وصية ربكم إليكم لعلكم تعقلون. ثم نهى عن العبث في مال اليتيم، بل أمر بحفظه واستثماره بالتي هي أحسن حتى يبلغ اليتيم فيستفيد منه، وأمر بالوفاء في الكيل والميزان ونبذ التلاعب والاحتكار، والأصل بذلك العدل فمن أحسن فله، ولكن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ثم إذا حكمتم بين الناس بقول أو فعل فانصبوا الإنصاف والعدل سبيلًا
[ ٣ / ٨٧ ]
لكم، واحذروا الجور والظلم فإنه ساء طريقًا ومنهجًا، ولا تحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق على الانحراف عن منهاج العدل والحق، وأوفوا بعهد الله فالزموا طاعته واحذروا ما نهاكم عنه، وهذه وصية ربكم لكم لعلكم تتذكرون عواقب الأمور ونهاية الدهور ومشهد الحساب يوم القيامة. إن هذا الذي أوضحه لكم ربكم ﷿ هو صراطه المستقيم الذي فيه النجاة والعبور بسلام فوق الصراط إلى الجنات في دار الخلود، فالتزموه واحذروا سبل الشياطين الكثيرة التي تحرفكم عن سبيل النجاة إلى دار الشقاء والأهوال، وهذه وصية ربكم سبحانه إليكم لعلكم تحذرون وتتقون.
فقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. . الآية.
هذه هي الوصايا العشر التي قيل إنها وردت في التوراة والإنجيل والقرآن. قال القرطبي: (وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى).
قال ابن عباس: (إن في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. . . الآيات) أخرجه الحاكم. وقال ابن عباس: (هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة "آل عمران" أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملة).
وقال ابن مسعود: (من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله - ﷺ - التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾).
والمقصود: قل يا محمد - لهؤلاء المتطاولين على ربهم في التشريع - تقدموا واقرؤوا حقًا ويقينًا ما أوحى الله مما حرّم على عباده، لا ظنًا ولا كذبًا ولا زعمًا ولا افتراء.
وقوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.
هو أصل الدين، ومفهوم شهادة التوحيد: ﴿لا إله إلا الله﴾. فإن الشرك يهدم العمل ولو كان حسنات كالجبال، فيذرها قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتا.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾.
[ ٣ / ٨٨ ]
٢ - وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.
٣ - وقال جل ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. . (٤٨)﴾.
ومن السنة الصحيحة في ذلك أحاديث كثيرة، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي ذر ﵁ قال: [أتيت النبي - ﷺ - وعليه ثَوْبٌ أبيضُ وهو نائمٌ، ثم أَتَيْتُهُ وقد استيقظ فقال: ما من عَبْدٍ قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإنْ سَرَقَ؟ قال: وإنْ زنى وإنْ سَرَقَ. قلت: وإنْ زنى وإنْ سَرَقَ؟ قال: وإِنْ زَنَى وإِنْ سَرَقَ. قلت: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قال: وإن زنى وإن سَرَقَ، على رَغْم أنفِ أبي ذر. وكان أبو ذر إذا حدّث بهذا قال: وإِنْ رَغِمَ أنف أبي ذر] (١).
قال أبو عبد الله: (هذا عند الموت أو قَبْلَهُ إذا تاب ونَدِمَ وقال: لا إله إلا الله، غُفِرَ له).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النار] (٢). وله شاهد عنده من حديث عثمان - بلفظ: [من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة].
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم عن عتبان بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: [إن الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ﷿] (٣).
الحديث الرابع: أخرج البخاري في الأدب المفرد - بإسناد حسن - عن أبي الدرداء قال: [أوصاني رسول الله - ﷺ - بتسع: لا تشرك بالله شيئًا وإن قُطِّعْتَ أو حُرِّقْتَ،
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٥٨٢٧) - واللفظ له، وأخرجه مسلم (٩٤) ح (١٥٤)، وأحمد (٥/ ١٦٦). من حديث أبي ذر ﵁.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٩٣) - كتاب الإيمان - باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات مشركًا دخل النار. والشاهد رواه مسلم وأحمد. وانظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٦٤٢٨).
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٢٠٦)، وأخرجه مسلم في الصحيح (٣٣) - كتاب الإيمان.
[ ٣ / ٨٩ ]
ولا تتركنَّ الصلاة المكتوبة متعمدًا، ومن تركها متعمدًا برئت منه الذمة (١)، ولا تشربَنَّ الخمرَ، فإنها مفتاح كل شر، وأطع والديك، وإن أمراك أن تخرجَ من دنياك، فاخرج لهما، ولا تُنازعنَّ ولاة الأمر، وإن رأيت أنَّك أنت (٢)، ولا تفِرَّ من الزَّحف، وإن هلكت وفرَّ أصحابك، وأنفق من طَوْلك على أهلك، ولا ترفع عصاك عن أهلك، وأخِفْهم في الله ﷿] (٣).
وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وصية بالإحسان إلى الوالدين ومجانبة عقوقهما.
وآيات القرآن وفيرة في الأمر بذلك:
١ - قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
٢ - قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. . . (٨٣)﴾.
٣ - وقال تعالى في سورة لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا. . . (١٥)﴾.
ومن السنة الصحيحة، أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود ﵁: [قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله] (٤).
_________________
(١) أي: أن لكل أحد من الله عهدًا بالحفظ والكلاءة، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما حرم عليه، أو خالف ما أُمِرَ به خذلته ذمة الله. "النهاية". انظر صحيح الأدب المفرد. ص (٣٨).
(٢) أي: أنت وحدك على الحق.
(٣) حديث حسن. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١٨) - باب: يبر والديه ما لم يكن معصية. ورواه ابن ماجه - في الفتن. حديث (٤٠٣٤)، مختصرا. في الصبر على البلاء. انظر: "صحيح الأدب المفرد" - حديث رقم (١٤)، وصحيح سنن ابن ماجه (٣٢٥٩).
(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥٢٧)، (٥٩٧٠)، ومسلم (٨٥)، وأحمد (١/ ٤٥١)، وأخرجه الترمذي (١٧٣)، والنسائي (١/ ٢٩٢)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه - رقم (١٤٧٧).
[ ٣ / ٩٠ ]
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبيِ هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَجْزِي وَلَدٌ والِدًا إلا أنْ يَجِدَهُ مَمْلوكًا فيَشْتَرِيَه فيُعْتِقَه] (١).
الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: [جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْنِ صَحَابتي؟ قال: أُمُّكَ. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أمُّكَ. قال: ثم مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: أبوكَ] (٢).
قال أهل العلم: ومقتضى الحديث أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وكأن ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الإرضاع.
وقال القرطبي: (إن الأم تستحق الحظ الأوفر من البر، وتقدم في ذلك على حق الأب عند المزاحمة).
الحديث الرابع: أخرج البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن ابن عباس، أنه أتاه رجل فقال: إني خَطَبْتُ امرأةً فأَبتْ أن تنكِحَني، وخَطَبها غيري فأحبت أن تَنْكِحَه، فغِرتُ عليها فقتلتها، فهل لي من توبة؟ قال: أُمُّك حيَّة؟ قال: لا، قال: تب إلى الله ﷿، وتقرَّب إليه ما استطعت. قال عطاء بن يسار: فذهبت فسألت ابن عباس: لِمَ سألته عن حياة أمه؟ فقال: [إني لا أعلمُ عَمَلًا أقربُ إلى الله ﷿ من بِرِّ الوالدة] (٣).
وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾.
قال ابن عباس: (الإملاق الفقر، قتلوا أولادهم خشية الفقر). وقال قتادة: (أي: خشية الفاقة).
وقال ابن جريج: (﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ - قال: شياطينهم، يأمرونهم أن يئدِوا أولادهم خيفة العَيْلة).
وقال ابن كثير: (وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سَوَّلت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يَئِدون البناتِ خشيةَ العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥١٠)، وأخرجه أبو داود (٥١٣٧)، وأخرجه الترمذي (١٩٠٧).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ٣٣٦)، ومسلم (٢٥٤٨)، وغيرهما. من حديث أبي هريرة.
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" - (٤) - باب برّ الأم. من حديث عبد الله بن عباس ﵄. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٧٩٩).
[ ٣ / ٩١ ]
أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -: [قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك. قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولَدكَ خشية أن يَطْعَمَ معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تُزانيَ حَليلة جارِك. ثم تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. . . الآية] (١).
وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ. . .﴾ [الإسراء: ٣١].
وهذه الآية تتكلم على خشية الفقر الآجل في المستقبل، فطمأنهم الله وبدأ الكلام عن رزق الأولاد قبل الآباء، أي: لا تخشوا فقركم بسببهم، فإن رزقهم على الله. وأما آية الأنعام ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ فكأنها تتحدث عن الفقر الحاصل بهم، فعزّاهم ربهم وبدأ بتطمينهم بِسَوْق الرزق إليهم ثم لأولادهم من بعدهم.
وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
قال قتادة: (سرَّها وعلانيتها).
قال ابن عباس: (كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرّم الله الزنا في السر والعلانية).
وقال الضحاك: (﴿مَا ظَهَرَ﴾، الخمر، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنا).
قلت: والآية عامة في كل الفواحش الظاهرة والخفية - كما قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: ولا تقربوا الظاهرَ من الأشياء المحرّمة عليكم، التي هي علانية بينكم لا تناكرون ركوبها، والباطنَ منها الذي تأتونه سرًّا في خفاء لا تجاهرون به، فإن كل ذلك حرام).
أخرج البخاري ومسلم عن ورَّادٍ كاتبِ المغيرة، عن المغيرة قال: قال سعدُ بن عُبَادة: لو رأيتُ رجلًا مع امرأتي لضربْتُهُ بالسيف غَيْرَ مُصْفَحٍ، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: [تَعْجَبُون من غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ والله لأنا أغْيَرُ منه، واللهُ أغْيَرُ منِّي، ومن أجل غَيْرَةِ الله حَرَّمَ الفواحِشَ ما ظهرَ منها وما بَطَن، ولا أحدَ أحبُّ إليه العُذْرُ من الله، ومن أَجْل ذلك بعث المنذِرينَ والمبشِّرينَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه المِدْحَةُ من الله، ومن أجْل ذلك
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٤٤٧٧)، و(٤٥٢٠)، ومسلم (٧٦)، وأحمد (١/ ٤٣٤)، وأخرجه النسائي (٧/ ٩٠)، وأخرجه الترمذي (٣١٨٣)، وابن حبان (٤٤١٤)، وغيرهم.
[ ٣ / ٩٢ ]
وَعَد الله الجنة] (١). وقال عُبيد الله بن عمرٍو عن عَبْد الملك: "لا شخصَ أغْيَرُ من الله".
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: [لا أحَدَ أَغْيَرُ من الله، ولذلك حَرَّم الفواحِشَ، ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ولا شيءَ أحَبُّ إليه المَدْحُ من الله، ولذلك مَدَحَ نَفْسَه] (٢). ولفظ مسلم: [ليس أحَدٌ أحَبَّ إليه المَدْحُ من الله ﷿، من أجْل ذلك مَدَحَ نَفْسَه، وليس أحدٌ أغْيَرَ من الله، من أجْل ذلك حَرَّم الفواحشَ، وليس أحدٌ أحبَّ إليه العُذْرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل].
وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
إفراد لهذه الجريمة البشعة في الذكر والتنبيه، وإلا فهي داخلة في عموم مسمى الفواحش. ولكن لكونها أعظم الذنب بعد الشرك بالله، جرى إفرادها.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: [لا يزال العبد في فُسْحَةٍ من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا] (٣).
وله شاهد في سنن أبي داود - بإسناد صحيح - عن أبي الدرداء: أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يزال المؤمن مُعْنِقًا صالحًا ما لم يُصِبْ دَمًا حرامًا، فإذا أصابَ دمًا حرامًا بَلَّحَ] (٤). والمُعْنِق: طويل العنق، الذي له سوابق في الخير. وقوله: "بَلَّحَ" أي: أعيا وانقطع، ووقع في عظيم الذنب وأشده عند الله.
وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ. .﴾ [الفرقان: ٦٨].
قلت: ولقد جاء النهي في السنة الصحيحة عن الإشارة إلى مسلم بسلاح أو حديدة،
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في كتاب التوحيد (٧٤١٦) - باب قول النبي - ﷺ -: "لا شَخْصَ أغْيَرُ من الله". وأخرجه مسلم في الصحيح (١٤٩٩)، وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٦٣٠).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٤٦٣٤) - كتاب التفسير. باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. وأخرجه مسلم (٢٧٦٠) - كتاب التوبة - باب غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش.
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد بسند صحيح. من حديث عبد الله بن عمر ﵄ انظر صحيح الجامع الصغير (٧٥٦٨)، وأصله في صحيح البخاري.
(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن (٤٢٧٠/ ٢) - باب في تعظيم قتل المؤمن.
[ ٣ / ٩٣ ]
فإن المرء إذا فعل ذلك ربما أكمل الشيطان مشوار الإثم وأعانه على الوقوع في الدم الحرام.
وفي ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: [لا يُشِرْ أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان يَنْزعُ في يده، فيقع في حفرة من النار] (١).
ويَنزِع وينزَغُ روايتان، بمعنى يرمي ويفسِد.
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: [من أشارَ إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه حتى يَدَعَه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه] (٢).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود في السنن بسند حسن من حديث جابر قال: [نهى رسول الله - ﷺ - أن يُتَعاطى السيفُ مسلولًا] (٣).
وأما الأحاديث التي تعظم دم المسلم وتحرم البغي عليه بالقتل فكثيرة جدًا، منها:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: [اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّمَ الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات] (٤).
الحديث الثاني: أخرج البخاري عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: [لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلمٍ يَشْهَدُ أن لا إله إلا الله، وأني رسولُ الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنَّفْسِ، والثَّيِبُ الزاني، والمفارِقُ لدينه التارِكُ للجماعة] (٥).
الحديث الثالث: أخرج أبو داود والنسائي بسند جيد، عن عائشة - ﵂ -
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (١٣/ ٢٠، ٢١)، وأخرجه مسلم (٢٦١٧).
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (٢٦١٦) - كتاب البر والصلة. باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم. من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) حديث حسن. أخرجه أبو داود (٢٥٨٨)، وأخرجه الترمذي (٢١٦٤)، ورجاله ثقات.
(٤) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٥/ ٢٩٤) في الوصايا، وأخرجه مسلم (٨٩) - في الإيمان.
(٥) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (٦٨٧٨) - كتاب الديات. باب قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥].
[ ٣ / ٩٤ ]
أن رسولَ الله قال: [لا يَحِلُّ دمُ امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زانٍ مُحصَن يُرْجَمُ، ورجُلٌ قتلَ رجلًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، ورجلٌ يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله، فَيُقتَلُ أو يُصْلَبُ أو يُنْفَى من الأرض] (١).
وله شاهد عند الترمذي عن أمير المؤمنين عثمانَ بن عفان - ﵁ - أنه قال وهو محصورٌ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [لا يحل دمُ امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجلٌ كفَرَ بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس. فوالله ما زنيتُ في جاهلية ولا إسلام، ولا تَمنَّيْتُ أن لي بديني بدلًا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلتُ نفسًا، فبِمَ تقتلونني] (٢).
فإن كان المقتول مُعَاهَدًا - وهو المستأمن من أهل الحرب - فقد جاء الوعيد الشديد للقاتل. ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال: [مَنْ قتَلَ مُعَاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّة، وإن ريحها توجَدُ من مسيرة أربعين عامًا] (٣).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
أي: تلك وصية الله لكم فاعقلوها واحذروا مخالفتها.
وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾.
قال ابن جرير: (يعني: ولا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره). ثم ذكر من أقوال المفسرين:
١ - قال مجاهد: (﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، قال: التجارة فيه).
٢ - قال السدي: (فليثمر مالَه). قال: (أما ﴿أَشُدَّهُ﴾، فثلاثون سنة). وقال غيره: (أربعون سنة).
_________________
(١) إسناده جيد. أخرجه أبو داود (٤٣٥٣)، والنسائي (٧/ ٩٠) - واللفظ له، وأخرجه أحمد في المسند من حديث عائشة من طريقين (٦/ ١٨١)، وله شاهد عنده (٦/ ٢٠٥).
(٢) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢١٥٨)، والنسائي في "الكبرى" (٣٤٨٢)، وابن ماجه (٢٥٣٣)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٦٥)، وصححه الحاكم (٤/ ٣٥٠) على شرطهما، ووافقه الذهبي.
(٣) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١٦٦)، والنسائي (٨/ ٢٥)، وابن ماجه (٢٦٨٦)، وأحمد (٢/ ١٨٦). من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
[ ٣ / ٩٥ ]
٣ - قال الضحاك بن مزاحم: (يبتغي له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئًا).
وفي التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
قلت: وقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾. يعني حتى يحتلم، كما ذكر الإمام مالك والشعبي وغير واحد من السلف، والأقوال الأخرى بعيدة.
أخرج الطبراني في "المعجم الكبير" بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: [صعد رسول الله - ﷺ - المنبر فقال: لا أقسم، لا أقسم، لا أقسم. ثم نزل فقال: أَبْشِروا، أَبْشِروا، إنه من صلَّى الصلوات الخَمْسَ، واجتنَبَ الكبائر، دخَلَ من أي أبواب الجنة شاء: عقوقَ الوالدين، والشرك بالله، وقَتْلَ النَّفْسِ، وقَذْفَ المُحْصَنات، وأَكْلَ مالِ اليتيمِ، والفِرارَ من الزَّحفِ، وأكلَ الربا] (١).
وقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾.
أمر بالوفاء في المكيال والميزان وإقامة العدل في الأخذ والإعطاء. وقد عاب الله سبحانه على مَدْين - قوم شعيب - لعبهم بالكيل والميزان، وانتشار هذه الصفة الذميمة بينهم حتى دَمَّرهم العذاب فيما دَمَّرهم.
فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾.
وقال في سورة هود: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾.
وتوعّد الله هذه الأمة إن سلكت سبيل مَنْ قبلها في ذلك الخلق المشين فقال جل ذكره: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦].
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٣/ ٨ - ٩/ ٣)، من طرق، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣٤٥١) - قال الألباني: وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ٩٦ ]
وفي سنن ابن ماجه بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عمر، قال: [أقبل علينا رسول الله - ﷺ - فقال: يا معشر المهاجرين! خَمْسٌ إذا ابتليتُم بِهن، وأعوذ بالله أن تدركوهُنَّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضَتْ في أسلافهم الذين مَضَوا.
ولم ينقُصُوا المِكيال والميزان، إلا أُخِذوا بالسنينَ وشِدَّةِ المؤونة وجَوْر السُّلطان عليهم.
ولم يمنعوا زكاةَ أموالهم، إلا مُنعوا القَطْرَ من السماء، ولولا البهائم لَمْ يُمطروا.
ولم ينقضوا عَهْدَ الله وعَهْدَ رسوله، إلا سَلَّطَ الله عليهم عَدُوًّا من غَيْرهم، فأخذوا بعضَ ما في أيديهم.
وما لم تَحْكم أئمتُهم بكتاب الله، ويتخيّروا مما أنزل الله، إلا جَعَل الله بأسهم بينهم] (١).
وقوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
قال ابن كثير: (أي: مَن اجتهد في أداء الحق وأخَذَه، فإن أخطأ بعدَ استفراغ وُسْعِهِ وبِذْلِ جُهْدِه فلا حرج عليه).
وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
قال ابن زيد: (قولوا الحق).
أي: قولوا الحق ولا يحملنكم قرابة قريب أو صداقة صديق على الجور أو الحكم بغير العدل، كما قال جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨].
وقوله: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾.
قال ابن جرير: (يقول: وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء ذلك: أن يطيعوه فيما أمرهم به ونهاهم، وأن يعملوا بكتابه وسنة رسوله - ﷺ -، وذلك هو الوفاء بعهد الله).
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه ابن ماجه (٤٠١٨) - باب العقوبات. وانظر صحيح سنن ابن ماجه (٣٢٤٥).
[ ٣ / ٩٧ ]
وقد مضى في الحديث السابق: [ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سَلّطَ الله عليهم عدوًا من غيرهم، فاخذوا بعض ما في أيديهم].
وله شاهد عند الطبراني من حديث ابن عباس بلفظ: [خمسٌ بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم] (١).
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: هذه وصية الله لكم أيها الناس، لعلكم تتذكرون عواقب الأمور، وانحراف مناهجكم لتنهضوا لإصلاحها، وتلتمسوا طاعة ربكم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وصية من الله بلزوم منهاج النبوة والحذر من رايات الفتن والبدع والدخن.
قال مجاهد: (﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: البدع والشبهات).
وقال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله). قال: (﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، يقول: لا تتبعوا الضلالات).
أخرج الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: [خطّ رسول الله - ﷺ - خَطًّا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيمًا، وخطَّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السُّبُلُ ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه. ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾] (٢).
قال ابن كثير: (وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، إنما وَحَّدَ سبيله لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل لتفرقها وتَشَعُّبها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾).
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄. انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٢٣٥)، في أثناء حديث أطول.
(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٤٦٥)، والحاكم (٢/ ٢٣٩)، والنسائي في "الكبرى" (١١١٧٤)، والطيالسي (٢٤٤)، وابن حبان (٦ - ٧)، والدارمي (١/ ٦٧ - ٦٨)، وغيرهم.
[ ٣ / ٩٨ ]
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أي: هذه وصية الله لكم لعلها تحدث في حياتكم التقوي وتعظيم أمر الله واجتناب نهيه، ولتنهضوا بقوة لحمل الأمانة وإقامة هذا الدين.
١٥٤ - ١٥٨. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾.
في هذه الآيات: ثم آتى ربك - يا محمد - رسوله موسى الكتاب تمامًا لنعمه عنده، لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة وقيام بأمر الله، وتبيينًا لكل شيء من أمر الدين الذي أمره به وتفصيلًا لأحكامه وحلاله وحرامه، وتقويمًا لأتباعه المؤمنين على الطريق المستقيم، ورحمة لمن ضل منهم لعله يعود ويتعظ بهدى ربه ويسلك سبيل المؤمنين. وهذا القرآن الذي أنزله الله إليك يا محمد كتاب مبارك فاجعلوه إمامًا واعملوا بما فيه، واحذروا تجاوز حدود الله ومحارمه التي فصّلها لكم فيه، لتفوزوا بالنجاة يوم القيامة. إنما أنزل الله القرآن لئلا يقول المشركون من قومك - يا محمد - إنما أقيمت الحجة بالتنزيل على الطائفتين - من أهل الكتاب - قبلنا، ولم ينزل علينا، وقد كنا عن تلاوة كتبهم غافلين، ليست بلساننا، ولا ندري ما كتب فيها. أو لئلا يقول هؤلاء المشركون: لو أنزل علينا الكتاب كما أنزل على اليهود والنصارى قبلنا لكنا أحسن عملًا منهم، وأقوم اتباعًا للكتاب من سبيلهم. فها قد جاءكم كتاب بلسانكم عربي مبين، فيه الحجة البالغة عليكم، وفيه البيان والتفصيل لما أمرتم به، فمن أشد ظلمًا ممن كذّب
[ ٣ / ٩٩ ]
به وحادَ عنه وأعرض عن هديه، إنّا سنجازي الذين يعرضون عنه سوء العذاب بما كانوا يعرضون. هل ينتظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام والشهوات والطواغيت إلا مجيء الملائكة لقبض أرواحهم أو مجيء الله تعالى للفصل يوم القيامة، أو خروج بعض آياته العظمى قبل ذلك، حين لا تنفع التوبة، فإنه إذا طلعت الشمس من مغربها لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، قل - يا محمد - لهؤلاء المستكبرين عن الإيمان بالوحي والنبوة واليوم الآخر: انتظروا بعض ما يباغتكم به ربكم من تلك الأهوال، إنا منتظرو ذلك، ليثيبنا ربنا على طاعته وإفرادنا له بالألوهية والتعظيم، ويفصل بيننا وبينكم بالحق، وهو خير الفاصلين.
فقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾.
قال مجاهد: (تمامًا على المحسن المؤمن).
وقال محمد بن يزيد: (أي: تمامًا على الذي أحسنه الله ﷿ إلى موسى ﵇ من الرسالة وغيرها). وقال الربيع بن أنس: (تمامًا على إحسان موسى من طاعته لله ﷿). وقال قتادة: (من أحسن في الدنيا تمَّم له ذلك في الآخرة).
قال ابن كثير: (﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾، أي: آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملًا جامعًا لجميع ما يُحتاج إليه في شريعته، كما قال: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. . .﴾ الآية [الأعراف: ١٤٥]. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾. أي: جزاءً على إحسانه في العمل، وقيامِه بأوامرنا وطاعتنا، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وكقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا. . .﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]).
ونصب ﴿تَمَامًا﴾ على أنه مصدر، أو على أنه مفعول لأجله - حكاه القرطبي وغيره.
وقوله: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.
أي: من أمر الشرائع، وما فيها من بيان الحلال والحرام.
قال قتادة: (﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، فيه حلاله وحرامه).
وقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
يعني: تقويمًا لهم على الطريق المستقيم، وبيانًا لهم سُبل الرشاد والهدي المبين،
[ ٣ / ١٠٠ ]
ورحمة بهم لئلا يقعوا في الضلالة والهلاك ومصير المعاندين والمجرمين. قال ابن جرير: (﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ بها خلقه فيه، فيرتدع عما هو عليه مقيمٌ من الكفر به، وبلقائه بعد مماته، فيطيع ربه، ويصدِّق بما جاءه به نبيّه موسى - ﷺ -).
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
قال قتادة: (وهو القرآن الذي أنزله الله على محمد ﵇. فاتبعوا حلاله، وحرّموا حرامه). ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ أي: لترحموا وتنالوا شفاعة الله بالنجاة من عذابه وأليم عقابه يوم القيامة.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
أي: لئلا تقولوا بهذا الاحتجاج: إنه أنزل الكتاب على اليهود والنصارى ولم ينزل علينا.
قال مجاهد: (اليهود والنصارى. يُخاف أن تقوله قريش).
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾.
قال ابن عباس: (يقول: وإن كنا عن تلاوتهم لغافلين). وقال السدي: (يقول: وإن كنا عن قراءتهم لغافلين، لا نعلم ما هي). وقال ابن زيد: (الدراسة: القراءة والعلم. وقرأ: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾. قال: علموا ما فيه، لم يأتوه بجهالة).
وقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾.
قال قتادة: (﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾: فهذا قول كفار العرب).
وقال السدي: (يقول: قد جاءكم بينة، لسانٌ عربي مبين، حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين، وحين قلتم: لو جاءنا كتاب لكنا أهدى منهم).
وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾.
قال ابن جرير: (فمن أخطأ فعلًا وأشد عدوانًا منكم، أيها المشركون المكذبون بحجج الله وأدلته - وهي آياته -، ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾، يقول: وأعرض عنها بعدما أتته، فلم يؤمن بها، ولم يصدق بحقيقتها).
[ ٣ / ١٠١ ]
قال ابن عباسِ: (﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾، يقول: أعرض عنها). وقال السدي: (﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: فصَدّ عنها). وقال مجاهد: (الصدف الإعراض).
وقوله: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.
أي: سنعاقب من أعرض عن دين الله وصدّ الناس عنه وصرفهم عن تعظيمه أليم العقاب ونكال العذاب مقابل إعراضهم وصدهم.
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ. .﴾ [النحل: ٨٨].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦].
٣ - وقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢].
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: [يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذَّرِّ في صُور الرجال، يغشاهم الذُّلُ من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يُسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقون من عُصارة أهل النار، طينة الخبال] (١).
وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾.
قال مجاهد: (﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، يقول: عند الموت حين توفَّاهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، ذلك يوم القيامة، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، طلوع الشمس من مغربها).
وقال قتادة: (﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، بالموت، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، يوم القيامة، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾، قال: آية موجبة، طلوع الشمس من مغربها، أو ما شاء الله).
وفي السنة الصحيحة أحاديث تدل على آفاق هذا المعنى، منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لا تقوم الساعةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا طلعت من مغرِبها آمن
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه الترمذي (٢٦٢٣) - انظر صحيح الترمذي (٢٠٢٥)، وأخرجه أحمد في المسند، انظر صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٧٨٩٦). وتخريج مشكاة المصابيح (٥١١٢).
[ ٣ / ١٠٢ ]
الناس كلهم أجمعون، فيومئذ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في الجامع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [ثلاثٌ إذا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: طلوعُ الشمس من مَغْرِبها، والدَّجَال، ودابَّةُ الأرض] (٢).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في الصحيح عن أبي ذر: [أن النبي - ﷺ - قال يومًا: أَتَدْرون أين تَذْهَبُ هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنّ هذه تَجْري حتى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّهَا تحت العرش، فَتَخِرُّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يُقال لها: ارتفعي، ارْجِعي من حيثُ جِئتِ فَتَرْجِعُ، فَتُصْبِحُ طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري حتى تنتهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تحت العرش، فَتَخِرُّ ساجِدَةً، فلا تزال كذلك حتى يُقالَ لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جِئْتِ، فترجِعُ فتُصْبحُ طالعة من مَطْلَعِها، ثم تجري لا يَسْتنكِرُ الناسُ منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرِّها ذلك تحت العرش فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعةً من مَغْرِبكِ، فَتصبح طالعة مِنْ مَغْرِبها. فقال رسول الله - ﷺ -: أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾] (٣).
الحديث الرابع: أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: [من تاب قبل أن تطلع الشمسُ من مغربها، قُبِلَ منه] (٤).
وله شاهد عند الترمذي من حديث زر بن حبيش عن صفوان بن عسال - في جوابه - ﷺ - للأعرابي: "المرء مع مَنْ أحَبّ". قال زر: فما برح يحدثني حتى حدثني: أن الله ﷿ جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا، للتوبة لايغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية] (٥).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم - (١٥٧) - كتاب الإيمان. باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٨) - كتاب الإيمان - الباب السابق، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ١٠٧)، والترمذي في السنن (٣٠٧٤)، وأبو يعلى (٦١٧٢)، وابن جرير (١٤٢٥٢).
(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (١٥٩) - كتاب الإيمان - والنسائي في "الكبرى" (١١١٧٦)، وأحمد (٥/ ١٧٧)، والترمذي (٢١٨٦)، وابن حبان (٦١٥٣)، وانظر صحيح الإمام البخاري (٣١٩٩)، وكذلك ابن حبان (٦١٥٤)، من طريق الأعمش.
(٤) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٥)، والطبري (١٤٢٢٥)، وابن حبان (٦٢٩).
(٥) حديث حسن. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (٢٨٠١) وما بعده، وسنده حسن.
[ ٣ / ١٠٣ ]
وقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾.
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند صحيح، عن عبد الله، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [إن أول الآيات خروجًا طلوعُ الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضُحًى، فأيَّتُهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها. ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتُب -: وأظن أُولاها خروجًا طلوعَ الشمس من مَغْربها، وذلك أنها كلما غَرَبَتْ أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع، فَأُذِنَ لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها فَعَلت كما كانت تَفْعَلُ، أتت تحت العرش فَسَجَدَت واستأذنَتْ في الرجوع، فلم يَرُدَّ عليها شيءٌ، ثم تستأذنُ في الرجوع فلا يرد عليها شيء، ثم تستأذِنُ فلا يرد عليها شيء، حتى إذا ذهبَ من الليل ما شاء أن يذهب، وعَرَفت أنه إنْ أُذِنَ لها في الرجوع لم تدرك المشرق، قالت: ربي، ما أبعد المشرق! من لي بالناس؟ حتى إذا صار الأفقُ كأنه طوق استأذنت في الرجوع، فيُقال لها: من مكانك فاطْلعي. فطَلَعت على الناس من مَغْرِبها. ثم تلا عبد الله هذه الآية: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾. . . الآية] (١).
والمعنى: إذا كانت هذه الآية ورآها الناس فيومئذ لا يقبل الله من الكافر إيمانًا لو أنشأه، ولا يقبل من المسلم توبة يستأنفها، وإنما مصيره على ما كان منه من العمل، فلا سبيل لكسب عمل صالح جديد إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك.
وقوله: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.
قال الحافظ ابن كثير: (تهديد شديد للكافرين، ووعيدٌ أكيدٌ لمن سَوَّف بإيمانه وتوبته إلى وقتٍ لا ينفعه ذلك. وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها، لاقتراب وقت القيامة، وظهور أشراطها، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا. . .﴾ الآية [غافر: ٨٤، ٨٥]).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٢/ ٢٠١) بتمامه. والمرفوع منه أخرجه مسلم (٢٩٤١)، وكذلك أخرجه أبو داود في السنن (٤٣١٠)، وابن ماجه أيضًا (٤٠٦٩).
[ ٣ / ١٠٤ ]
١٥٩ - ١٦٥. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.
في هذه الآيات: إخبار من الله تعالى نبيّه - ﷺ - عن براءته ممن فارق دينه - دين الحق - وفرقه، وكانوا فرقًا وشيعًا فيه وأحزابًا، وأنه ليس من هؤلاء في ابتداعهم وضلالهم، ولاهم منه، وأن مردهم إلى الله فينبئهم بما كانوا يفعلون. الحسنة عنده سبحانه بعشر أمثالها والسيئة بمثلها وهم لا يظلمون. قل - يا محمد - لهؤلاء المتكبرين على عبادة ربهم وإفراده سبحانه بالتعظيم - إنني أرشدني ربي إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، دين الحنيفية السمحة دين إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين. إنني أتوجه بصلاتي وذبحي ونسكي ومحياي ومماتي وفي كل أعمالي لله رب العالمين، وحده لا شريك له وقد أمرني بذلك ربي وأنا أول المسلمين المطيعين. وكيف أبغي ربًا سواه وهو رب كل شيء ومليكه، ومن ثم فلا تكسب نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، والمرجع إليه تعالى ليحكم في أعمال عباده وبما كانوا فيه يختلفون. وهو سبحانه - جلت عظمته - الذي جعلكم تخلفون بعضكم بعضًا في الأرض، يغادر جيل فيعقبه جيل آخر، ثم رفع بعضكم على بعض درجات وفضل بينكم بالأرزاق والأعمال، ليختبركم فيما قضاه لكم، إنه تعالى سريع العقاب وإنه سبحانه لغفور رحيم.
قرأ علي وقتادة وحمزة والكسائي ﴿إن الذين فارقوا دينهم﴾، في حين قرأها الجمهور على قراءة حفص ﴿فرّقوا﴾ وهي الأشهر. قال مجاهد: (نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى). وقال ابن عباس: (وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يُبْعث
[ ٣ / ١٠٥ ]
محمد - ﷺ - فتفرقوا. فلما بعث محمد - ﷺ - أُنزِلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية).
قلت: والآية عامة فلا تقتصر على أهل الكتاب - إن صحّ الخبر فيهم - وإنما تشمل أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة.
وقوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾. أي: فرقًا وأحزابًا شتى.
أخرج الإمام أحمد في المسند، بإسناد صحيح عن عمر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: [أكرموا أصحابي فإنهم خياركم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف، ويشهد ولا يستشهد، ألا مَنْ سَرَّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهم، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن] (١).
وأخرج الترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح، عن العرباض بن سارية قال: [وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة وَجِلت منها القلوب وذَرَفَت منها العيون، فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّعٍ فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة] (٢).
وقوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
قال أبو الأحوص: (برئ نبيكم - ﷺ - منهم).
وقال الفراء: (المعنى: لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار).
وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
تهديد ووعيد، وتحذير من يوم العرض والحساب.
قال القرطبي: (﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ تعزية للنبي - ﷺ -).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ١٧٧) من حديث عمر مرفوعًا، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٤٣١) بلفظ "أحسنوا".
(٢) حديث صحيح. انظر تخريج الإرواء (٢٥٢١)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٢٥٤٦).
[ ٣ / ١٠٦ ]
وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.
نص من الله تعالى بواسع كرمه على عباده، فإنه يضاعف الحسنة عشر مرات وأكثر إلى سبع مئة ضعف.
وقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.
نص من الله تعالى بواسع رحمته بعباده، فإن زلّ العبد أو وقع كتبت زلته سيئة واحدة ما لم يستعتب فيغفرها الله تعالى.
قال مجاهد: (﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، قالوا: لا إله إلا الله، كلمة الإخلاص. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، قالوا: بالشرك والكفر). وهو قول ابن عباس والضحاك والحسن وغيرهم.
قال القرطبي: (والحسنة هنا: الإيمان. أي: من جاء بشهادة أن لا إله إلا الله فله بكل عمل عمله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب).
قلت: فالحسنة تشمل كل ذلك، فهي تدل على كل قول أو عمل يحبه الله ورسوله، والسيئة تشمل كذلك كل عمل أو قول يسخط الله ورسوله.
وقد جاءت السنة الصحيحة بتضاعف أجور الحسنات وتخفيف آثار السيئات رحمة من الله تعالى لصاحبها ليتجاوزها بالتوبة والاستغفار والعمل الصالح. وفي هذا أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - فيما يروي عن ربه ﷿ قال: قال: [إن الله ﷿ كتب الحسنات والسيئات ثم بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلها كَتَبَها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هَمَّ بها وعَمِلَها كتبها الله له عنده عشرَ حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلمْ يَعْمَلْها كتبَها الله له عنده حسنةً كامِلةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة] (١).
الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [يقول الله ﷿: مَنْ جاء بالحسنة فله عَشْرُ أمثالِها وأزيدُ، ومن جاء بالسيئة،
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٤٩١)، كتاب الرقاق، وأخرجه مسلم (١٣١)، وأحمد (١/ ٢٧٩)، وغيرهم. من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
[ ٣ / ١٠٧ ]
فجزاءُ سيئة مِثْلُها، أَوْ أَغْفِرُ، ومن تَقَرَّبَ مني شبرًا، تقربت مِنْه ذِراعًا، ومن تقرَّب مني ذِراعًا، تقرَّبت مِنْه باعًا، ومن أتاني يَمْشي، أتيتُه هَرْوَلَةً، ومَنْ لقِيَني بقُراب الأرض خطيئةً لا يشرك بي شيئًا، لقيته بِمثلها مَغْفِرَة] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن ابن عباس - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - فيما يروي عن ربّه - ﷿ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إنّ ربكم رحيم، من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كُتِبَتْ له حسنة، فإن عملها كتبت له عَشْرًا إلى سبع مئة، إلى أضعاف كثيرة. ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كُتِبَت له حَسَنَة، فإن عملها كُتبت له واحدة، أو يمحوها الله - ﷿ - ولا يهلِكُ على الله إلا هالِكٌ] (٢).
الحديث الرابع: أخرج ابن ماجه والنسائي بسند صحيح عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: [من صام ستة أيام بعد الفطر، كان تمامَ السنة، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾] (٣).
وفي لفظ النسائي: [جعل الله الحسنة بعشر أمثالها، فشَهْرٌ بعشرة أشهر، وصيامُ ستة أيام بعد الفطر تمام السنة].
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" ولفظه: [صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام السنة].
وله شاهد عند ابن ماجه بسند صحيح من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: [مَنْ صامَ ثلاثة أيام من كل شهر، فذلك صومُ الدهر. فأنزل الله ﷿ تصديق ذلك في كتابه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. فاليوم بعشرة أيام].
قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (واعلم أن تاركَ السيِّئَةِ التي لا يَعْمَلُها على ثلاثة
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٦٨٧) - كتاب الذكر والدعاء. وأخرجه أحمد (٥/ ١٥٣)، وابن ماجه (٣٨٢١). من حديث أبي ذر ﵁.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٩) من حديث عبد الله بن عباس، والنسائي في "الكبرى" (٧٦٧٠) - وأصله في الصحيحين.
(٣) حديث حسن. انظر سنن الترمذي (٧٦٢)، وسنن ابن ماجه (١٧٠٨) من حديث أبى ذر، وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٢٧١٧)، وانظر مسند أحمد (٥/ ١٥٤) وابن حبان (٣٦٥٢). وانظر الروايات المختلفة في "صحيح الترغيب" (٩٩٦ - ٩٩٩) - كتاب الصوم - الترغيب في صوم ست من شوال، وكذلك صحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (٣٦٩٦) - (٣٦٩٨).
[ ٣ / ١٠٨ ]
أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تكتب له حسنة على كَفِّه عنها لله تعالى، وهذا عَمَلٌ ونيَّةٌ. ولهذا جاء أنه يُكْتَبُ له حسنةٌ. كما جاء في بعض ألفاظ الصَّحيح: "فإنما تركها من جَرَّائي، أو: من أجلي" (١). وتارة يترُكها نِسيانًا وذُهولًا عنها، فهذا لا لَهُ ولا عَلَيْه، لأنه لم يَنْوِ خيرًا ولا فَعَلَ شرًّا. وتارةً يتركها عَجْزًا وكسلًا عنها بعد السَّعي في أسبابها والتَّلَبُّس بما يَقْرُبُ منها، فهذا يتنزَّلُ منزلة فاعِلها، كما جاء في الحديث، في الصحيحين: "إذا تواجَهَ المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتولُ في النار. قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كانَ حريصًا على قَتْلِ صاحبه" (٢».
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
قال ابن جرير: (ولا يظلم الله الفريقين، لا فريق الإحسان، ولا فريق الإساءة، بأن يجازي المحسن بالإساءة، والمسيء بالإحسان، ولكنه يجازي كلا الفريقين من الجزاء ما هو له، لأنه جل ثناؤه حكيمٌ لا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يستحق أن يضعه فيه، ولا يجازي أحدًا إلا بما يستحق من الجزاء).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
قرأها قراء المدينة وبعض قرّاء البصرة ﴿قَيِّمًا﴾ - كقوله تعالى في سورة التوبة ويوسف والروم: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. وكقوله في سورة البينة: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. في حين قرأها قراء الكوفة: ﴿دينا قِيَمًا﴾ بالتخفيف. قال أهل اللغة: (القَيِّمُ والقِيَمُ بمعنى واحد)، والمراد الدين المستقيم.
ومن ثم فيكون قوله: ﴿دِينًا﴾ - قد نصب على الحال، أو نصب بهداني، أو يكون بدلًا من الصراط. والتأويل: هداني صراطًا مستقيمًا دينًا، وهو الدين الحق، ملة إبراهيم ﵊، دين الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وفي التنزيل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي
_________________
(١) حديث صحيح. وهو قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه الإمام مسلم في الصحيح (١٢٩).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣١)، (٧٠٨٣)، ومسلم (٢٨٨٨)، وأبو داود (٤٢٦٨)، وأخرجه النسائي (٧/ ١٢٥)، وأحمد (٧/ ٤٦ - ٤٧، ٥١)، وابن حبان (٥٩٤٥)، وأخرجه البيهقي (٨/ ١٩٠) - من حديث أبي بكرة ﵁.
[ ٣ / ١٠٩ ]
إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].
وعن مجاهد: (﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾، قال: ما أوصاك به وأنبياءه كلهم دين واحد).
وقال قتادة: (بعث نوح حين بعث بالشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام).
أخرج الإمام أحمد في المسند، بسند حسن، من حديث ابن أبْزَى، عن أبيه قال: [كان رسول الله - ﷺ - إذا أصبح قال: أصبحنا على مِلّةِ الإسلام، وكلمةِ الإخلاص، ودين نبيّنا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين] (١).
وأخرج الإمام أحمد والطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس قال: [قيل لرسول الله - ﷺ -: أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله؟ قال: الحنيفيّة السَّمْحَة] (٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال مجاهد: (النسك: الذبائح في الحج والعمرة). وقال الضحاك: (﴿الصلاة﴾، الصلاة. و"النسك"، الذبح). وقال الحسن: (نسكي ديني). وقال الزجاج: (عبادتي، ومنه الناسك الذي يتقرب إلى الله بالعبادة). وقال قوم: (النسك في هذه الآية جميع أعمالى البر والطاعات، من قولك نسك فلان فهو ناسك، إذا تعبد) - ذكره القرطبي. ثم قال: (﴿ومحياي﴾: أي: ما أعمله في حياتي ﴿ومماتي﴾ أي: ما أوصي به بعد وفاتي. ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أفرده بالتقرب بها إليه. وقيل: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ أي: حياتي وموتي له).
قلت: والآية إنكار على المشركين الذين كانوا يعبدون غير الله أو يشركون بعبادته أوثانهم وشهواتهم وطواغيتهم ويذبحون لغير اسمه، فأمر الله نبيه - ﷺ - أن يخاطب هؤلاء القوم أنه مخالف لهم في عبادتهم وذبائحهم وشركهم، وإنما أمره الله تعالى بإفراده بالتعظيم والعبادة والنسك والتقرب، فلا يدعو إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يذبح لغير الله، ولا يسأل غير الله، ولا ينذر لغير الله، ولا يستَعيذ بغير الله.
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٤٠٦)، وابن السني (٣٣)، والنسائي (١) كلاهما في اليوم والليلة، من حديث عبد الله بن أبزى، وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه الحافظ العراقي في "الإحياء" (١/ ٣٢٧).
(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٣٦)، والطبراني في "الكبير" (١١٥٧٢) من حديث عبد الله بن عباس ﵄. وذكره البخاري في عنوان باب.
[ ٣ / ١١٠ ]
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي ﵁ قال: [حدثني رسول الله - ﷺ - بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لَعَنَ والديه، لعنَ الله من آوى محدثًا، لعن الله من غيّر منار الأرض] (١).
بل جاء النهي عن الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، لقطع كل أوصال الجاهلية. فقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: [نذر رجل أن ينحر إبلًا ببُوانة - موضع أسفل مكة - فسأل النبي - ﷺ -، فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله - ﷺ -: أَوْفِ بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم] (٢).
وقوله تعالى: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾.
قال قتادة: (﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أول المسلمين في هذه الأمة).
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله - ﷺ -، أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: [وَجَّهْتُ وَجْهيَ للذي فَطَرَ السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهم! أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنى سَيِّئَها، لا يصْرِفُ عني سيئها إلا أنت ..] (٣) الحديث.
ولفظ أحمد: [أن رسول الله - ﷺ - كان إذا كبّر استفتح ثم قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]. ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت. . .] الحديث.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه - حديث رقم (١٩٧٨) - (٤٣) - كتاب الأضاحي.
(٢) حديث صحيح. انظر سنن أبي داود - حديث رقم - (٣٣١٣) من حديث ثابت بن الضحاك ﵁، وكتابي: أصل الدين والإيمان (١/ ٤٥٩) لتفصيل البحث.
(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٧١) - كتاب صلاة المسافرين. وأخرجه أحمد (١/ ١٠٢)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢٢)، والنسائي (١٢٩٢)، وابن حبان (١٧٧١).
[ ٣ / ١١١ ]
وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
دعوة لإخلاص العبادة لله وحده، فهو رب هذا الكون وما فيه، وكلهم آتيه يوم القيامة عبدًا.
قال القاسمي: (﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ فأشركه في عبادته. وهو جواب عن دعائهم له ﵊ إلى عبادة آلهتهم، وفي إيثار نفي البغية والطلب، على نفي العبادة، أبلغيّة لا تخفى ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ في موضع العلة للإنكار والدليل له. أي: وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية، فلا أكون عبدًا لعبده).
وفى التنزيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾. ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا. . .﴾ [الملك: ٢٩]، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
قال السيوطي في "الإكليل": (﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ - هذه الآية أصل في أنه لا يؤاخذ أحد بفعل أحد. وقد ردت عائشة به على من قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه. أخرجه البخاري، وأخرج ابن أبي حاتم عنها، أنها سئلت عن ولد الزنى؟ فقالت: ليس عليه من خطيئة أبويه شيء. وتلت هذه الآية).
قلت: أما حديث: [إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه]. وفي رواية: [في قبره بما نيح عليه]. وفي لفظ: [إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه]. وفي لفظ مفسِّر للبكاء المنهي عنه - ألا وهو النياحة -: [من يُنَح عليه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة] (١). فهو حديث صحيح. واعتراض عائشة بالآية عليه لا يعني عدم ثبوته عن النبي - ﷺ -، فهو مبلغ علم عائشة. وإنما المقصود به الإقرار من الميت بهذا الفعل المنكر وهو النياحة وعدم التحذير منه أهله قبل موته. وكذلك حديث: [ولد الزنا شر الثلاثة] (٢)، حديث صحيح، وهو كذلك إنما يحمل على الإقرار، فلو مضى الولد - ولد الزنا - على
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣/ ١٢٦)، ومسلم (٣/ ٤٥)، والبيهقي (٤/ ٧٢)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند في مواضع: (٤/ ٢٤٥)، (٤/ ٢٥٢)، (٤/ ٢٥٥) من حديث أنس وابن عمر.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٣٩٦٣)، والحاكم (٢/ ٢١٤)، وأحمد (٢/ ٣١١)، وغيرهم.
[ ٣ / ١١٢ ]
طريقة أبويه لكان شر الثلاثة، وإلا فإنه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
قال القرطبي: (أي: لا تحمل حاملة ثِقْل أخرى، أي: لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجُرْمها ومعاقبة بإثمها. وأصل الوِزْر الثِّقل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١]).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
قال النسفي: (من الأديان التي فرقتموها).
وقال القاسمي: (﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: رجوعكم بعد الموت يوم القيامة. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييز الحق من الباطل. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾.
خلائف: جمع خليفة. أي: جعلكم قرونًا وأجيالًا يخلف بعضكم بعضًا.
قال القرطبي: (وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. أي: جعلكم خلفًا للأمم الماضية والقرون السالفة). وقال ابن كثير: (أي: جعلكم تعمرون الأرض جيلًا بعد جيل، وقَرْنًا بعد قَرْن، وخلفًا بعد سَلَف. قاله ابن زيد وغيره).
وفي التنزيل نحو ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. . .﴾ [البقرة: ٣٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠].
٣ - وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ. . .﴾ [النمل: ٦٢].
٤ - وقال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
وقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾.
قال السدي: (في الرزق).
[ ٣ / ١١٣ ]
وقال النسفي: (في الشرف والرزق وغير ذلك). وقال القرطبي. (في الخلق والرزق والقوة والبَسْطة والفضل والعلم). وقال ابن كثير: (أي: فاوت بينكم في الأرزاق والآجال، والمحاسن والمساوئ، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١].
٢ - وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا. . .﴾ [الزخرف: ٣٢].
قال قتادة: (فتلقاه ضعيف الحيلة عي اللسان وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان وهو مقتور عليه. قال الله جل ثناؤه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم تبارك ربنا وتعالى).
وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.
أي: ليختبركم فيما أعطاكم وأنعم عليكم، فالغني في محل اختبار في سعة رزقه، والفقير في موضع اختبار في ضيق أمره، والمريض في شأن اختبار في مرضه، والعاجز كذلك في بلائه ومصيبته، والله عنده حسن الثواب، وجميل الخلود مع راحة النفس والبال.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الدنيا حُلوةٌ خَضِرة، وإن الله مُسْتَخْلِفُكم فيها لينظُرَ كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء] (١).
وأخرج الترمذي في السنن بسند حسن لغيره عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: [ليَوَدَّنَ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٤٢)، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٠)، وأحمد (٣/ ١٩). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٣ / ١١٤ ]
أهْلُ العافية يومَ القيامة أنَّ جلودهم قُرِضَتْ بالمقاريض، ممّا يرون من ثواب أهل البلاء] (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.
ترهيب وترغيب. فرهّب سبحانه من معصيته وعقابه، ورغَّبَ في طاعته ومغفرته وجنته.
قال القاضي: (وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة - تنبيهًا على أنه ﷾ غفور بالذات، معاقب بالعرض، كثير الرحمة مبالغ فيها، قليل العقوبة مسامح فيها).
وفي التنزيل:
١ - قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦].
وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى - في أحاديث - منها:
الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: [لمّا خَلَقَ الله الخَلْقَ، كتبَ في كتابهِ، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي] (٢). وفي لفظ: [قال الله ﷿: سبقت رحمتي غضبي].
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: [جَعَلَ الله الرحمة مئةَ جُزْءٍ، فأمسكَ عنده تسعةً
_________________
(١) حسن لغيره. أخرجه الترمذي (٢٤٠٤)، وابن عساكر (٩/ ٩/ ١) من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا. وله شواهد. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (٢٢٠٦).
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (٢٧٥١) - كتاب التوبة - باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه. من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣ / ١١٥ ]
وتسعين، وأنزل في الأرض جُزءًا واحدًا، فَمِنْ ذلك الجُزْءِ يتراحمُ الخلائقُ، حتى تَرْفَعَ الدَّابةُ حافِرَها عَنْ وَلَدِها، خَشْيَةَ أن تُصيبَه] (١).
الحديث الثالث: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سَلْمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: [إن الله خَلَقَ، يومَ خلقَ السماوات والأرض، مئةَ رحمة، كُلُّ رحمة طِبَاقَ ما بين السماوات والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فَبِها تَعْطِفُ الوالِدَةُ على وَلَدِها، والوَحْشُ والطَّيْرُ بَعْضُها على بعض، فإذا كان يومُ القيامة، أَكْمَلَها بهذه الرَّحمة] (٢).
الحديث الرابع: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: [لو يَعْلَمُ المؤمنُ ما عند الله من العُقوبة، ما طَمِعَ بجنته أحد، ولو يَعْلمُ الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قَنِطَ من جنته أحدٌ] (٣).
الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال: [قَدِمَ على رسول الله - ﷺ - بِسَبْي، فإذا امْرأة من السَّبْي، تبتغي، إذا وَجَدَت صبيًا في السبي، أَخَذَتْهُ فألصقَتْهُ بِبَطْنِها وأَرْضَعَتْه، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: أَتَرَوْنَ هذه المرأةَ طارِحَةً وَلَدَها في النار؟ قلنا: لا، والله! وهي تَقْدِرُ على أن لا تَطْرَحَهُ، فقال رسول الله - ﷺ -: للهُ أرحمُ بعباده من هذه بِولدها] (٤).
قلت: ولكن من أحب رحمة الله أن تناله بحق فليرحم الناس كافة، ولا يقتصر برحمته على من يحب وعلى من له في رحمته مصلحة.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٦٠٠٠)، ومسلم (٢٧٥٢)، وابن حبان (٦١٤٨)، والبيهقي في "الآداب" (٣٥). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٣) - كتاب التوبة - الباب السابق، وانظر الحديث بعده.
(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٥) - كتاب التوبة. الباب السابق. من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٧٥٤) - كتاب التوبة. من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وقوله تبغي (وفي رواية البخاري: تسعى) من السعي. قال النووي: (كلاهما صواب. لا وهم فيه، فهي ساعية وطالبة مبتغية لابنها، والله أعلم).
[ ٣ / ١١٦ ]
فقد أخرج الحافظ العراقي في "الأمالي" وابن المبارك في "الزهد" بسند صحيح عن أنس بن مالك مرفوعًا: [والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة] (١).
تم تفسير سورة الأنعام
بعون الله وتوفيقه، وواسع مَنِّهِ وكرمه
° ° °
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه العراقي في "المجلس ٨٦ من الأمالي" (٢/ ٧٧)، وله شاهد عند ابن المبارك - مرسل جيد - في "الزهد" (١/ ٢٠٣). وانظر السلسلة الصحيحة (١٦٧).
[ ٣ / ١١٧ ]