هذه السورة العظيمة مدنية كلها بلا خلاف، وهي من أوائِل ما نزل في المدينة. وقيل: إن قوله جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ هو آخر ما نزل من القرآن وذلك قبل وفاته ﵊ بأيام. وكذلك آيات الربا هي من آخر ما نزل.
قال بعضهم: وهي -أي سورة البقرة- مشتملة على ألف خبر وألف أمر وألف نهي. وقيل إنها مكونة من (٢٥٥٠٠) حرفًا موزعة على (٦٢٢١) كلمة، في (٢٨٧) آية.
أخرج الشيخان عن ابن مسعود ﵁: [أنه رمى الجمرة من بطن الوادي فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام من أنزلت عليه سورة البقرة] (١).
قال ابن عباس ﵄: (نزلت بالمدينة سورة البقرة) - ذكره ابن جرير.
ولقد اشتملت هذه السورة العظيمة على أبواب كثيرة من الخير، وجمعت من العلم الشيء الوفير، وثبت في الصحيحين أنه قرأ بها صلوات الله وسلامه عليه وبسورتي آل عمران والنساء في ركعة واحدة من الليل.
ففي صحيح الإمام مسلم عن حذيفة ﵁ قال: [صليت مع النبي -ﷺ- ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركعُ عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة
_________________
(١) متفق عليه. انظر مختصر صحيح البخاري (٨١٢)، كتاب الحج. وأخرجه مسلم (١٢٩٦) في الحج. وخص سورة البقرة بالذكر لاْن معظم أحكام الحج مذكورة فيها.
[ ١ / ٧٨ ]
فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. ثم قام قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه] (١).
فضائلها وما ورد في ذكرها:
لقد ورد في فضل هذه السورة الكريمة أحاديث كثيرة:
الحديث الأول: يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-: [لا تجعلوا بيوتكم مقابرَ. إن الشيطان يَنْفِرُ من البيت الذي يُقرَأُ فيه سورة البقرة] (٢). وفي رواية: [لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان].
وله شاهد رواه الحاكم والدارمي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفًا ومرفوعًا، ولفظه: [إن لكل شيء سنامًا، وسنام القرآن سورة البقرة، وإن الشيطان إذا سمع سورة البقرة تقرأ خرج من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة] وسنده صحيح (٣).
زاد الدارمي في رواية: (وإن لكل شيء لبابًا، وإن لباب القرآن المفصل).
قلت: ولعمرو الله كم يحتاج المسلمون اليوم إلى أن يتوقفوا عند هذا النص العظيم، الذي يخبرهم به الوحي الكريم، عن سبب طرد الشياطين من بيوتهم ومنعهم من دخولها، ألا وهو التزامهم بقراءة سورة البقرة وتدبرها والعمل على تعظيم أحكامها، إذ يقتضي مقامها إخراج المنكرات من البيوت وعدم النظر إلى العورات أو السهر عليها، فإذا فعلوا ذلك أبطل الله سحر السحرة وفتنة المودة الذين يهمون وينشطون حَيْث المخالفات الشرعية.
الحديث الثاني: يروي الشيخان واللفظ للإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري، أنّ أُسَيد بن حُضير قال: [بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عندَه، إذْ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٧٧٢) -كتاب صلاة المسافرين. باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (٧٨٠)، وانظر سنن الترمذي (٢٨٧٧).
(٣) حديث صحيح. انظر سنن الدارمي (٢/ ٤٤٨)، وما بعده من الزيادة موقوف على ابن مسعود.
[ ١ / ٧٩ ]
جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبَه، ولما أخّرَه رفع رأسه إلى السماء فإذا مثلُ الظلة، فيها أمثال المصابيح، فلما أصبح حدّث النبي -ﷺ- فقال:
اقرأ يا ابن حُضير! اقرأ يا ابن حُضير. قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى (وفي لفظ: قد أشفقت يا رسول الله على يحيى) وكان منها قريبًا، فانصرفت إليه، ورفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظُّلّةِ، فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها. قال: وتدري ما ذاك؟ قال: لا. قال: تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك، ولو قرأت لأصبحتْ ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم] (١).
وفي لفظ للإمام مسلم: (عَرَجَتْ في الجو، بدل: فخرجت على صيغة المتكلم) (٢).
وفي رواية للإمام أحمد: (اقرأ فلان فإنها السكينة نزلت للقرآن أو عند القرآن).
فلقد نزلت الملائكة لسماع سورة البقرة يقرؤها بعض الأصحاب في جوف الليل حتى دنت بحيث لم تستطع الدابة تحمل نورها، فهاجت ثم سكنت ثم هاجت ثم سكَنت إذ ارتفعت.
الحديث الثالث: يروي الإمام مسلم في صحيحه، والإمام أحمد في مسنده، واللفظ له، عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران، وضرب لهما رسول الله -ﷺ- ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شَرْقٌ أو كأنهما فِرْقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما] (٣).
شَرْقٌ: أي ضوء ونور. والفِرْق: طائر، أي طائفتان من الطير.
وله شاهد في صحيح الإمام مسلم أيضًا من حديث أبي أمامة قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: [اقرؤوا القرآن فإبه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فِرقان من طير
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٥٠١٨) تعليقًا، وهو موصول صحيح.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٧٩٦)، وانظر مسند أحمد (٣/ ٨١) للرواية بعده.
(٣) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح -حديث رقم- (٨٠٥)، ورواه أحمد (٤/ ١٨٣).
[ ١ / ٨٠ ]
صوافَّ تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة] (١).
الغيايتان: ما يكون أدون منهما بالكثافة وأقرب إلى رأس صاحبهما، فالغياية ما أظلك من فوقك. وقوله: "صَواف" أي مصطفة متضامنة. والبطلة: السحرة. أي لا تستطيع التأثير على صاحبها. وقيل: لا تستطيع حفظها.
الحديث الرابع: يروي الترمذي والنسائي والحاكم بسند صحيح عن النعمان بن بشير ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: [إن الله تعالى كتب كتابًا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، وهو عند العرش، وإنه أنزل منه آيتين، ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها الشيطان] (٢).
وأصل معناه في الصحيحين عن أبي مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: [الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه] (٣).
الحديث الخامس: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: [بينما جبريل ﵇ قاعد عند النبي -ﷺ- سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملكٌ نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلَّم، فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته] (٤).
الحديث السادس: أخرج النسائي والترمذي واللفظ له عن أبي هريرة ﵁ قال: [بعث رسول الله -ﷺ- بعثًا وهم ذوو عدد، فاستقرأهم فاستقرأ كل واحد منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًا فقال: ما معك يا فلان؟ فقال معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم. قال: اذهب فأنت أميرهم. فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها. فقال رسول الله -ﷺ-: تعلموا القرآن واقرؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٤)، وأحمد (٥/ ٢٤٩ - ٢٥٤)، وغيرهما.
(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٨٨٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٠٨٠٢)، وله شواهد.
(٣) حديث صحيح. انظر صحيح البخاري (٥٠٠٩)، وصحيح مسلم (٨٠٧)، ومسند أحمد (٤/ ١٢١).
(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٠٦)، وأخرجه النسائي (٢/ ١٣٨)، وأخرجه ابن حبان (٧٧٨)، والحاكم (١/ ٥٥٨)، وهو نصٌّ أيضًا في فضل سورة الفاتحة.
[ ١ / ٨١ ]
فقرأه وقام به كمثل جراب محشو مسكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومَثَلُ مَنْ تعلَّمَهُ فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب أُوكِي على مِسْك] (١). أوكي: أي ربط.
وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: (هي السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس).