فإن القرآن نزل مراعيًا لغات العرب ولهجاتهم رحمة بهم، وهذا من إعجاز هذا الكتاب. قال البخاري ﵀: (أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرف). ثم روى عن عبيد الله بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عباس حَدَّثه: أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: [أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف] (٢).
وفي صحيح مسلم عن أُبيِّ بن كعب: [أنّ النبي -ﷺ- كان عِنْدَ أضاة (٣) بني غِفارٍ قال: فأتاهُ جبريلُ ﵇ فقال: إنَّ الله يأمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرآنَ عَلَى حَرْفٍ. فقال: أسأل الله معافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإِنَّ أمتي لا تُطيقُ ذلكَ. ثم أتاهُ الثانية فقال: إنَّ الله يأمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القرآن على حرفين. فقال: أسألُ الله معافاتَهُ ومَغْفِرَتَهُ، وإنَّ أمتي لا تُطيقُ ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال: إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القرآنَ على ثَلاثة أحرف. فقال: أسألُ اللهَ معافاتَهُ ومَغْفِرِتَهُ، وإنَّ أُمَّتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة: فقال: إنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَقَرَأَ أُمَّتُكَ القرآنَ عَلَى سَبعة أحرفٍ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرؤوا عليهِ، فقد أصابوا] (٤).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن أبي كعب قال: [لقي رسول -ﷺ- جبرئيل: فقال: يا جِبْرَئيلُ، إني بُعِثْتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيين، مِنْهم العجوز، والشيخُ الكبيرُ، والغلامُ، والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يقرأ كتابًا قطُّ، قال: يا محمدُ إِنَّ القرانَ أُنزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ] (٥).
قال الطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/ ١٨١ - ١٩١): (إنما كانت السَّعةُ للناس في
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (١٢/ ١٦٥)، وعبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (٥٨/ ١)، وابن نصر في "قيام الليل" (٧٤). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧١٣).
(٢) حديث صحيح. أخرجه البخاري (٣٢١٩)، وكذلكَ (٤٩٩١). وأخرجه مسلم (٨١٩).
(٣) الأضاة: غدير صغير، وقيل: هو مسيل الماء إلى الغدير، وهو موضع قريب من مكة فوق سرف.
(٤) حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨٢١) - كتاب صلاة المسافرين، وأخرجه أبو داود (١٤٧٨)، والنسائي (٢/ ١٥٢)، وأحمد (٥/ ١٢٧ - ١٢٨)، وابن حبان (٧٣٨)، والطبري (٣٥ - ٣٦).
(٥) حسن صحيح. أخرجهُ الترمذي (٢٩٤٤)، وأحمد (٥/ ١٣٢)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٨)، وابن حبان (٧٣٩). وانظر صحيح سنن الترمذي (٢٣٤٦).
[ ١ / ٥٣ ]
الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم، لأنهم كانوا أُمِّيين لا يكتب إلا القليل منهم، فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحوَّل إلى غيرها من اللغات، ولو رام ذلكَ لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة، فوُسِّعَ لهم في اختلاف الألفاظ إذ كان المعنى متفقًا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله -ﷺ-، فقدروا بذلكَ على تحفُّظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوا بخلافها).